يواجه السودان استحقاقا مصيريا في التاسع من يناير المقبل، هو الاستفتاء على انفصال جنوب السودان عن شماله. ويأتي ذلك ليتوج سلسلة من الأزمات والمنعطفات التي اجتازها السودان على مر تاريخه الحديث والمعاصر.

ويبدو أن جذور المشكلة هي جذور جغرافية في الحقيقة، وبشكل صارخ، لدرجة أنه يمكن ملاحظة ذلك من سطح القمر، في مشهد يتضارب فيه لون الرمل العاجي في الشمال مع خضرة غابات السافانا والأحراش في مركز القارة الإفريقية الأكثر ضيقا.

سكان القارة السمراء ينقسمون وفق هذا التقسيم، فينتمون إلى الصحراء أو إلى المناطق الخضراء بحسب موقعهم على هذا التصنيف المعتمد على المنظور النباتي. وبصفة عامة، يتحكم الموقع شمالا وجنوبا في تحديد الثقافة والدين واللغة والملبس والموسيقى، للشعوب القاطنة في تلك المناطق. السودان وحده تقريبا يمتد عبر جانبي هذا الخط، ليشمل مناطق قاحلة في الشمال، ومناطق عشبية وغابات استوائية مطيرة في الجنوب، وثقافتين متباعدتين على كلا الجانبين.

بصمات الاحتلال البريطاني

في العام 1899 احتلت بريطانيا السودان، بعد فترة استقلال قصيرة، أعقبت تقهقر العثمانيين عن الأراضي السودانية في أوائل ثمانينات القرن التاسع عشر. سيطر البريطانيون على شمال السودان وجنوبه معا، وكرسوا اختلافاتهما.

ولم يستطع البريطانيون السيطرة على أراضي السودان الشاسعة، وهي تصل إلى عشرة أضعاف مساحة المملكة المتحدة. لذلك فقد جعلوا مركز حكمهم في الخرطوم، ومنحوا سلطات محدودة لزعماء القبائل في الأقاليم.

وحرص البريطانيون على تغذية عوامل التقسيم، فدعموا وجود الإسلام واللغة العربية في الشمال، بينما تركوا الجنوب ليأخذ طابعا مسيحيا، وليتحدث أهله الانجليزية. كما أدى اهتمامهم بتوجيه الجهود والموارد نحو الشمال، إلى أن يبقى الجنوب في تخلف وفقر.

وبقي السؤال: لماذا تأسس السودان وبقي كما هو دولة واحدة حتى الآن؟

الإجابة عن ذلك السؤال أيضا تأتي من الجغرافيا. يربط النيل، وهو يجري من الجنوب إلى الشمال، بين ثقافات متباينة في علاقات متقطعة وغير منتظمة، على طول ضفافه. وعلى طول هذا المسار تتحدد معالم التجارة والبيئة والسياسة، التي تربط الشمال بالجنوب.

وعندما احتله البريطانيون احتاجوا أيضا إلى احتلال قناة السويس عند مصب النهر، لأنها كانت تربط بريطانيا بالهند، درة التاج البريطاني.

وكان ذلك يعني أيضا السيطرة على النيل، حتى لا يتمكن أي عدو لبريطانيا من تحويل مساره.

وعندما انسحب البريطانيون من السودان في أواسط الخمسينات من القرن العشرين، لم يكن من العجيب أن تغرق المنطقة في الحرب الأهلية. فقد قاتل المتمردون الجنوبيون حكومة الشمال بشراسة، خلال الستينات. وقتل ما لا يقل عن نصف مليون شخص قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق في العام 1972.

رغم ذلك، فلم يكن الاتفاق للجانبين سوى فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة التسلح استعدادا لحرب أكثر دموية في بداية الثمانينات.

وخلال الهدنة بين الحربين الأهليتين، تعاونت حكومة الخرطوم مع مصر لتنفيذ مشروع ضخم في الجنوب. ففي المنطقة التي يتمدد فيها النيل عبر جنوب السودان، توجد سهول واسعة، تكون واحدة من أكبر مناطق إفريقيا الخصبة.

ويعمل الفيضان السنوي للنيل على تجديد المراعي، التي طالما رعت عليها القبائل الجنوبية ماشيتها. وعمل الشريكان على إنشاء قناة بطول 225 ميلا، هي قناة جونغلي، لتحويل مجرى النهر فيما وراء المنطقة الخصبة، مما أثر على المراعي في تلك المنطقة.

ملامح اتفاق السلام

وفي بداية الحرب الأهلية الثانية، التي تفجرت في العام 1983، هاجمت جماعة مسلحة من الجيش الشعبي لتحرير السودان، المقر الرئيسي لإنشاء قناة جونغلي في واحدة من أكبر عملياتها، مما أدى إلى توقف العمل بالمشروع. وتلت ذلك سنوات من نزيف الدم، لم تنته إلا في العام 2005، بعد جهود دبلوماسية غير عادية خلف الكواليس، أدت إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

هذا الاتفاق منح جنوب السودان قدرا من الحكم الذاتي. وتمثل ذلك في حصول الجنوب على دستور خاص، يقوم على الفصل بين الدين والدولة، وجيش، وعملة خاصة به. والآن يجد السودان نفسه مذبذبا بين إمكانية إحلال السلام الدائم وتهديد اندلاع العنف من جديد. وفي يناير 2011، سيصوت سكان جنوب السودان، بمقتضى الاتفاق، ليقرروا ما إذا كانوا يريدون الانفصال عن الشمال وتكوين دولة مستقلة بالكامل.

كلا الطرفين، الشمال والجنوب، يظهر الاحترام للاتفاق، خوفا من أن يؤدي انتهاكه إلى تدخل دولي. لكنهما في الوقت نفسه يخوضان حربا سرية من الادعاءات والخصومات. عمق وخطورة تلك الازدواجية، والمخاوف بشأن فشل السلام، أصبح أكثر وضوحا بالنسبة لي في منتصف زيارتي للسودان، عندما اعترضني نصف دستة من رجال يرتدون بزات، في مطار جوبا، عاصمة الجنوب.

فقد دفعوني في شاحنة مليئة بالجنود مدججين بالبنادق الهجومية، واقتادوني إلى مجمع في المدينة. وهناك صادروا هاتفي وكاميرتي، وحرموني من شرب الماء، أو قضاء حاجتي، على مدى يوم وليلة من الاستجواب. كما أنهم رفضوا الاتصال بقنصلية الولايات المتحدة. وقد تبين لاحقا أنهم كانوا من عناصر الاستخبارات التابعة لجنوب السودان. وأن ما فعلوه كان بسبب الاعتقاد بأنني جاسوس لمصلحة الشمال.

يظهر ذلك مدى انعدام الثقة بين الجانبين، وهو ما يثير التساؤل: لماذا وسط هذا العداء لم يسمح الشمال للجنوب بالانفصال في هدوء.؟ ومرة أخرى تأتي الإجابة عن السؤال من الجغرافيا. فالجغرافيا تربط الجانبين الآن بطريقة أخرى، ولسبب آخر، هو النفط. فالكثير من النفط المكتشف في السودان يوجد في الجنوب.

لكن الشمال، حيث توجد مصافي النفط، يتحكم في توزيع الأرباح. وبعدما كانت الحروب تدور في الماضي بسبب حقوق الرعي، فإنها تدور الآن بسبب النفط، فهناك احتياطي كاف لإنتاج نحو ثلاثة ملايين برميل من النفط في اليوم، في منطقة متنازع عليها بين الشمال والجنوب.

الترويج لأفكار مغلوطة

عندما كانت الحرب الأهلية الأخيرة في بدايتها، كان الأميركيون الوحيدون الذين أبدوا اهتماما بمشكلات جنوب السودان هم المبشرون من الكنائس المسيحية الأميركية، الذين استغلوا حاجة الناس، وروجوا لفكرة غير صحيحة هي أن الحرب تدور بين مسلمين معتدين من شمال السودان وضحايا مسيحيين من الجنوب. وقد استغلوا أحداث 11 سبتمبر 2001 لتكريس هذه الفكرة غير السليمة.

فقد ضغطت الكنائس على صانعي القرار في الولايات المتحدة للتحرك والتدخل في جنوب السودان ضد الحكومة السودانية.

لكن هناك في صفوف الأميركيين أيضا من يعرفون إن هذه الحرب لا تمثل أي صراع بين الإسلام والمسيحية في السودان. من أولئك أميركي يدعى روجر وينتر، ينشط في مساعدة البائسين واللاجئين الفارين من أنظمة قمعية، في أوائل الأربعينات من عمره.

فجنوب السودان ملئ بخليط من القبائل التي لا تعرف شيئا عن المسيحية ولا الإسلام. ويعرف وينتر أن الولاء القبلي أقوى من أي عامل آخر، في تلك المناطق. لكنه يعتقد أن حشدا من الظروف عمل على عدم تقدم الجنوب اقتصاديا.

وفي ضوء إدراكه أن الناس في جنوب السودان لا يعرفون شيئا تقريبا عن الولايات المتحدة، وأن معرفة الأميركيين بجنوب السودان أقل حتى من معرفة السودانيين بهم، أراد وينتر أن يزيد الوعي في واشنطن بمشكلات تلك المنطقة، مستعينا بصحافيين وأعضاء بالكونغرس.

وفي 2001، عمل وينتر مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الدولية، وكان عمل قبل ذلك في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، في المجال نفسه. وهو يرأس حاليا اللجنة الأميركية للاجئين، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل على مساعدة الدول المنهارة، مثل رواندا وإثيوبيا والسودان.

وبعد جهود متواصلة، شارك فيها وينتر، مع مفاوضين آخرين من الولايات المتحدة وبريطانيا وكينيا، تم التوصل إلى اتفاق العام 2005، الذي تبدو هناك شكوك بشأن صموده، لحين إجراء استفتاء يناير المقبل. وما يفخر به وينتر هو أنه كان طرفا في انجاز هذا الاتفاق الذي بدا مستحيلا في وقت من الأوقات، والأكثر من ذلك أنه صمد لمدة خمس سنوات الآن. لكن يظل التساؤل مشرعا: هل سيجرى الاستفتاء في موعده؟

سلفاكير

في العام 1994، عقد قادة التمرد في جنوب السودان، من الجيش الشعبي لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، اجتماعا مشتركا، كان هو الأول من نوعه، في غابة قرب الحدود الأوغندية.

وحضر نحو 500 شخص من جميع أنحاء السودان الاجتماع الذي ألقى فيه الأميركي روجر وينتر محاضرة عن الديمقراطية. بعد ذلك الاجتماع قررت الحركة الشعبية تشكيل حكومتها الخاصة بزعامة جون قرنق.

وفي يناير الماضي التقيت مع سلفاكير الذي أصبح زعيما لجنوب السودان بعد مقتل قرنق في 2005، وبدا غير مرتاح في ذلك المنصب الذي يحيط به بريق السلطة. كان كير يعتمر قبعة سوداء تلقاها هدية من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وكان يتمدد على أريكة بشكل غريب حيث بدت وكأنها ضيقة عليه.

كما بدا أيضا انه يواجه صعوبة في ممارسة العمل السياسي. فهو لم يكن يتوقع أبدا أن تقحم عليه الرئاسة بهذه الطريقة. وقد قال إن رؤيته لجنوب السودان تجعله يريد تسليمها إلى شخص آخر. وإنه «يريد انتقالا سلميا للسلطة، لأن هذا هو الأساس للديمقراطية الجيدة».

على العكس، كان وجه سيلفا كير يتلألأ، عند الحديث عن حياة الطفولة وسط الأبقار، نائما بجوارها أو مرتشفا لبنها، قائلا: «كان طعمه لذيذا». ولكنه لم يكن ليصرح بعدد الأبقار التي يملكها قائلا: «لايوجد رجل يمكنه أن يصرح بعدد أبقاره أو أبنائه».

من أجل السلام

في أواسط العام 1986، بدأ الأميركي روجر وينتر جهوده لمحاولة إحلال السلام في السودان. وطار إلى إثيوبيا لمقابلة زعيم حركة التمرد في جنوب السودان، آنذاك، جون قرنق، الذي قتل لاحقا في حادث تحطم طائرة في جنوب السودان. أعجب وينتر بأفكار قرنق الذي كان يأمل بالتوصل إلى اتفاق سلام يبقي على وحدة السودان، وكان يتطلع لمساعدة الولايات المتحدة في تحقيقه.

شعر وينتر بأنه بمنزلة ناشط في مجال حقوق الإنسان وبأن عليه تحذير العالم من كوارث قادمة. فما رآه في السودان أذهله، معتبرا أن «الحرب بشعة للغاية»، وهو ما جعل أي مراقب لها بين خيارين، إما الابتعاد كلية أو الانخراط فيها. لكن وينتر لم يستطع الابتعاد. وظل يعمل حتى تم التوصل إلى اتفاق سلام في العام 2005.

بقلم ـ ماثيو تيجو

ترجمة ـ عصام بيومي