تخصص الأجندة الرسمية الروسية يوم 30 أكتوبر من كل عام ليكون يوم احتفال بالسجناء السياسيين، لكننا نحن الروس لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ففكرة الإقرار بجرائم العهد السوفييتي لا تزال مرفوضة من قبل المجتمع الروسي، ناهيك عن المؤسسة السياسية الروسية.

لا يزال العديد من الروس يؤمنون بأن المسألة برمتها مستوردة من «الغرب»، وأن الغرب هو الذي فرض هذه الفكرة على روسيا، وأن مواجهة الماضي ستثير الفرقة، والخلاف الذي يمكن أن ينشأ عنها لا يتعلق باتهام هؤلاء الروس بالستالينية، ولكن لأنهم يرون أن التنديد بالجرائم التي حدثت في العهد الشيوعي وشجبها يعتبر نوعاً من الانتقاص من قدرهم.

ونوعاً من التحقير للآباء والأجداد من المعتقدين بالشيوعية، وهذا سيسبب تعكيراً لذاكرتهم، ويحرمهم من قيمة يعتبرونها مهمة في حياتهم، كما أن هناك حالة من عدم الثقة بطبقة النخبة من المثقفين والليبراليين والمصلحين والمدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يرتبطون بالتنديد بالماضي.

هذه المشاعر من الممكن أن تتبخر وتزول مع الزمن، إن لم يتم المحافظة عليها بشكل مصطنع، ويمكن للكثير من الروس أن يلاحظوا أن البحوث التاريخية التي كتبت حول ستالين أجراها باحثون ولدوا وعاشوا في روسيا، وأن الكتب حول هذا الموضوع المنشورة في روسيا تزيد على مثيلاتها في الخارج، ولقد تجاوزنا الوقت الذي يمكن لنا أن نرى فيه أن وجود دراسة محايدة للتاريخ الروسي ممكن فقط خارج الحدود الروسية.

غير أن صناع القرار في الكرملين لا يزالون يميلون إلى إضافة الوقود للنزعة الدفاعية، فإذا حدث وأن أشارت دولة من دول البلطيق لماضي روسيا من قريب أو بعيد، يرد عليها القادة الروس بسرعة بالقول إن الأستونيين واللاتفيين قد خدموا في ظل النازي، وهذا يعتبر سلوكاً صبيانياً.

يعتبر التعامل مع الماضي، قبل كل شيء، تحدياً للروس أنفسهم، إذ ينبغي عليهم أن يثبتوا أنهم قادرون على التعامل مع ماضيهم، أما الغرب فلديه مشكلاته الخاصة التي تختلف عن مشكلات روسيا، ويمكن لجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة أن تبرر تاريخها بإلقاء اللوم على روسيا، أما روسيا نفسها فلا تتمتع بهذه الميزة، ولا يمكنها أن تلوم أحداً آخر.

ويبدي الروس، وخاصة جيل الشباب الحالي، استعداداً للمضي قدماً، ففي استطلاع للرأي أجراه، أخيراً، قسم الدراسات الإستراتيجية والدولية في مركز ليفادا في روسيا، كشف أن 45؟ ممن استطلعت آراؤهم يؤيدون أهمية دراسة الحقبة الستالينية، لتجنب تكرار أخطاء الماضي، أما 24؟ منهم، فقد رأوا أن على روسيا أن تمضي إلى الأمام، ولا تلتفت للخلف.

ولو نظرنا إلى محاولة استعادة الذاكرة بمنظار أوسع، لوجدنا أن المهمة أصعب، إذ على الدولة في المقام الأول أن تتحمل مسؤولية الظروف الصعبة التي يعيشها روس، لا يزال الكثيرون منهم يقيمون في بيوت متهالكة فتحتها لهم الشركات في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتلك الظروف نتجت عن سياسات التمدين القسري وعجلة التصنيع والإنتاج، التي انتهكت حقوق أولئك البشر، وينبغي أن يتم سداد الدين لهؤلاء الآن.

شهد العام الجاري إقراراً من جانب الحكومة الروسية يمكن أن نعتبره الإقرار الأكثر دراماتيكية في ما يتعلق بجرائم الحقبة السوفيتيية، حيث اعترفت بأن عناصر الأمن السوفييت قتلوا ألوفاً من الضباط البولنديين على مرأى ومسمع من قادتهم، وقال رئيس الوزراء الروسي «فلاديمير بوتين» في هذا الشأن : «لا يمكن تبرير هذه الجرائم.

وهناك إجراءات قانونية ستتخذ في ما يتعلق بها»، غير أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء قانوني حتى الآن، ولم تجر محاكمة واحدة في روسيا في هذا الشأن، لهذا ينبغي على الساسة الروس أن يعلموا أن الاعتراف بجرائم السوفييت لا يعني نهايتهم، بل على العكس فهو بداية جديدة، لحياة جديدة.

الذاكرة الجماعية

ينبغي تفعيل الذاكرة الجمعية للشعب الروسي في ما يتعلق بالحقبة السوفييتية، وينبغي أن تكون تلك الحقبة واضحة المعالم في السياسة والحياة العامة، فالنكهة السوفييتية لا تزال تتخلل تفاصيل الحياة الروسية المعاصرة، لكن القلة القليلة جداً من البنايات والسكك الحديدية والمصانع التي بناها المساجين تحظى بحيز في الذاكرة الروسية المعاصرة، فكل الشوارع والأحياء الروسية لا تزال تحمل أسماء القادة، وحتى الجلادين.

وهم في كثير من الحالات سواء، والآن يصعب التعرف إلى كثير من المقابر الجماعية والأماكن التي كانت تجري فيها الإعدامات التعسفية، وملايين الروس لا يعلمون أين تم دفن أسلافهم، كما أنه حتى اليوم لا يوجد في روسيا متحف قومي يعنى بالحقبة الستالينية.

أسماء الضحايا لا تزال غير معروفة بالكامل، وقد قامت مؤسسة «ميموريال»، وهي مؤسسة غير حكومية، بجل العمل المتعلق بإجلاء الحقائق حول الحقبة الستالينية، ونجحت في تكوين قاعدة بيانات لأكثر من 6 .2 مليون اسم، لكن هذا الرقم لا يزال بعيداً عن الاكتمال، ويؤكد «أرسيني روجينسكي»، رئيس «ميموريال»، على أنه من أجل رصد جميع أسماء الضحايا، بالسرعة التي يجري عليها العمل حالياً، فإن الأمر يحتاج لعقود مقبلة.

بقلم: ماكسيم ترودل يوبوف

ترجمة: يوسف جباعتة