بالرغم من أن تمادي واشنطن في احتضان إسرائيل، سياسة مألوفة ومزمنة، إلاّ أنه كان من المستغرب بل المستهجن أن تنتهي محادثات الوزيرة كلينتون مع نتانياهو، في نيويورك، إلى مقايضة فاضحة بهذه الدرجة بل «مهينة».
الأسلوب كما التفاصيل، أثار الكثير من التساؤلات والدهشة. أوساط أميركية، من العيار الوازن والمعروف، لم تخف انزعاجها من الصفقة. فهذه لم تكشف فقط عن المزيد من إذعان إدارة أوباما لتعنت وصلف حكومة نتانياهو، بل أيضاً عن أن استعدادها في هذا الخصوص، يبدو لا قعر له.
الطريقة التي اعتمدتها من أجل حمل إسرائيل على القبول بوقف جديد ومؤقت للاستيطان، بدت أشبه بالرشوة المحرجة والباهظة الكلفة، في آن. فوقف الاستيطان، في الأساس، واجب كان يقتضي فرضه إذا عزفت إسرائيل عنه. وليس تطييب خاطرها والإغداق عليها بالتقديمات السخيّة لإرضائها. وكأن موافقتها على وقف قصير للاستيطان منّة منها، تستحق المكافأة المسبقة عليها.
ما استوقف في الموضوع، أن ثماني ساعات من محادثات كلينتون مع نتانياهو، انتهت إلى إغراقه بالتنازلات المجانية لإسرائيل، من غير إلزامه بشيء يتجاوز تمديد وقف الاستيطان لثلاثة أشهر. وهو بكل حال وقف مشوّه، لا يبدو أنه يرمي إلى أكثر من كسب جديد للوقت.
الأخطر هذه المرة، أن الإدارة تعهّدت بأن لا تطالب إسرائيل بعد اليوم بأي تمديد آخر. وعد مبطّن بإطلاق يد هذه الأخيرة في الاستيطان، بعد نفاد مدة الثلاثة أشهر، في حال عدم تحقيق تقدّم. وإسرائيل لا تعوزها النية ولا الخبرة، للتخريب على المفاوضات، إذا انعقدت، والوصول بها إلى الفشل، بالأحرى إلى التفشيل وتحميل الجانب الفلسطيني المسؤولية وبما يسمح لها باستئناف التوسع بلا قيود.
لكن أكثر ما أثار التعجّب كان وعد الإدارة بتسليم إسرائيل عشرين مقاتلة من آخر طراز، بالإضافة إلى معدات عسكرية أخرى. هدية أثارت تساؤلات وانتقادات غير مباشرة، كالتي صدرت عن وزير الخارجية الأسبق الجنرال كولن باول، الذي قال خلال مقابلة معه، انه لم يفهم الداعي لهذه الخطوة ولا علاقتها بموضوع المستوطنات.
كما أثارت ردوداً إعلامية أقسى، وضعتها في خانة «الإهانة الوطنية» التي تستوجب «سحب العرض الذي طرحته الوزيرة» على نتانياهو؛ على حدّ تعبير المعلق الشهير كريستوفر هاتشنسن. فإذا كان تجميد البناء، بصورة جزئية وإلى حين قريب، يقتضي كل هذا الإغراء والسخاء، فكم كان يمكن أن تكون قيمته لو كان الوقف شاملاً من غير استثناء القدس الشرقية منه ومن غير سقف زمني ؟
في حالتها الراهنة، توازي السلفة ما مقداره 33 مليون دولار يومياً، على حدّ ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» قيمة الطائرات والأسلحة موزّعة على فترة التسعين يوماً. صفقة مربحة، لا شك أن إسرائيل تتطلع إلى المزيد منها، طالما أنها من دون كلفة. ولا حتى من دون الحدّ الأدنى من الإلزام.
واشنطن- فكتور شلهوب