في الحملة الانتخابية التي أوصلت باراك أوباما للرئاسة الأميركية أثار إعجاب جماهيره لما امتلكه من رباطة جأش ورصانة قل نظيرهما، فلا شيء كان يخيفه، لدرجة أثارت نزق منافسه الجمهوري جون ماكين، بالإضافة إلى هذا، فقد كان بنك «ليمان بروذرز» ينهار، وبدا أن العالم كله سينهار بانهياره، لكن في تلك الظروف العصيبة كان أوباما يتصرف بمنتهى الهدوء، ما بدا معه أنه الرجل الأمثل الذي تبحث عنه الولايات المتحدة وبقية العالم.

لكن بعد مضي سنتين على انتخابه، بدأ الناخبون الأميركيون في مراجعة حساباتهم والتساؤل عن مدى صواب حكمهم عليه، وهم الآن يريدون لرئيسهم أن يتفهم الظروف التي يمرون بها، وأن يتعاطف مع آلامهم وغضبهم وشعورهم بعدم الأمان، وهم الآن فئتان، فئة من الخائفين من أن يفقدوا بيوتهم ووظائفهم، وأخرى من الغاضبين لأنهم فقدوها بالفعل، وما عادوا يريدون أن يحكمهم شخص يمتلك أسلوب أستاذ القانون في جامعة هارفرد، أو مستشار إداري.

في بداية فترة أوباما الرئاسية، كان هذا المنهج الهادئ والقائم على الحسابات ملائماً للكثيرين، حيث لم يكن مطلوباً من أوباما الإسراع في اتخاذ قرار فيما يتعلق بأفغانستان، وكان يملك الوقت الكافي لاستشارة الخبراء والإتيان باستراتيجية شاملة ومدروسة، لكن الوقت مر دون اتخاذ قرار حاسم، وبدا التفكير العميق أقرب إلى التعثر.

الأمر ذاته حدث في مسألة التسرب النفطي لشركة «بي بي»، فقد انتظر أوباما أسابيع قبل أن يذهب إلى لويزيانا ويستمع إلى مشكلات السكان هناك في تأثير التسرب النفطي على حياتهم ومعيشتهم، وباعتراف الجميع، فإن أوباما لم يستطع تحريك القوات الاتحادية لحل مشكلة إعصار كاترينا.

وفيما يتعلق بالتسرب النفطي، فالوحيدون الذين كانوا قادرين على وقف التسرب النفطي هم مديرو الشركة نفسها، الذين نجحوا في ذلك لكن على نحو سيئ، هذه المواقف وغيرها تكشف أن أوباما لا يزال يظهر نقصاً في الذكاء العاطفي في استجابته للمواقف المختلفة.

وبالنظر إلى ما كان يتمتع به من ذكاء عاطفي كبير أثناء حملته الانتخابية، فإن هذا الأمر يبدو غريباً، صحيح أن كل السياسيين يتكلمون شعراً في الحملات الانتخابية، وبعد انتخابهم ينقلب الشعر نثراً، لكن الفارق في حالة أوباما كبير جداً.

على ما يبدو فإن أوباما فقد هالة السحر التي كانت تحيط بشخصه، وعندما يشتكي الناس من بروده الحالي، وعدم تعاطفه مع قضاياهم، فهذا لأن الدفء العاطفي الذي أحسوا به في حملته الانتخابية ما عاد موجوداً، فقد بدا في خطابه الأخير، الذي تحدث فيه عن هزيمته في الانتخابات الأخيرة، وكأنه مدير تنفيذي لإحدى الشركات يهم بإعلان نتائج الربع الثالث لتلك الشركة.

وحتى على المستوى الشخصي، فإن أوباما يفتقر للدفء، وروى أحد الوزراء البريطانيين الذي تيسر له مقابلة أوباما، ومن قبله سلفه جورج بوش، أنه مصدوم بما رآه من برود في شخص الرئيس أوباما، فالرئيس السابق جورج بوش وضع يده حول ذلك الوزير، الذي رد بالمثل، لكن هذا الأمر، كما يرى الوزير لا يمكن أن يحدث مع أوباما.

في حقيقة الأمر، فإن من الصعب معرفة الأسباب بشكل دقيق، خاصة بالنظر إلى إنجازاته التي حققها على صعيد إصلاحات الرعاية الصحية، إلا أن ما لا نفهمه هو أن الرئيس الأميركي لا يجوز أن يتقمص شخص رئيس الوزراء، فهو الملك، ويمكن لرؤساء الوزراء أن يتعاملوا ببرود ما شاء لهم ذلك، طالما كانوا في عملهم من الأكفاء، أما رؤساء الدول فعليهم الاقتراب العاطفي والعقلي أكثر من الناس، وعلى رئيس الدولة، كما وصفه الرئيس الأميركي الراحل «رونالد ريغان» مرة، بأن يكون دوماً شامخاً وقوياً.

وتثير سياسة أوباما الباردة حنق مؤيدي حزب الشاي وإحباطهم، وكلما ازدادوا غضباً ازداد بروداً، ويمكن لأي فرد اختصم مع والده يوماً أو مع شريكه في العمل أن يتفهم مدى إزعاج هذه المسألة، ففي الوقت الذي تتوقع رد فعل ساخط ما من الطرف الآخر، تجده يكتفي بالابتسام.

غالباً، في عالم السياسة، تتحول نقاط قوة السياسيين إلى نقاط ضعف، مع مرور الوقت، بعد أن يفقدوا محبة ناخبيهم، فما اتسمت به رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر من عزم وإرادة حديدية أصبح الجميع ينظر إليه على أنه نوع من العناد، وتحول سحر توني بلير، في نظر البريطانيين، إلى عدم نزاهة، وقد تتحول رباطة جأش الرئيس باراك أوباما إلى وبال عليه.

قيادتان

طرح العالم السياسي «جيمس ماكريغور بينز»، الذي كتب سير رؤساء سابقين مثل روزفلت وكنيدي وألف كتباً من العيار الثقيل مثل كتابه «القيادة»، مصطلحين جديدين في عالم السياسة، ألا وهما القيادة التحولية والقيادة التعاملية، ويسعى القادة ضمن إطار النوع الأول لإبهار جماهيرهم وإلهامها، وتأطير رؤاهم بأطر أخلاقية.

أما القادة في النوع الثاني فيميلون للتعهد بتأمين فرص عمل وحوافز مقابل الحصول على الأصوات، وبالنسبة لأوباما فقد كان في حملته الانتخابية قائداً تحولياً، وفي رئاسته أصبح قائداً تعاملياً، فقد أغرق نفسه في صفقات ومفاوضات مع الكونغرس الأميركي، بدلاً من السعي للنهوض بأميركا.

بقلم: ماري آن سيغارت