لا يمكن أن نعزو أسباب هزيمة الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي إلى سياسات أوباما الفاشلة وحدها، أو إلى القيادات في الكونغرس أو مستشاريهم الاقتصاديين، كما أن زوال ما بقي مما يمكن وصفه بـ «يسار الوسط» في الولايات المتحدة ليس ظاهرة أميركية خالصة، وإنما هو نمط سائد في كثير من دول العالم، مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وبريطانيا العظمى واليابان.
والسؤال المطروح هنا هو: لماذا تعاني أحزاب يسار الوسط الحاكمة من أزمة في كل مكان سواء في الوقت الحالي، أو على المدى المنظور؟
في الماضي، كانت أحزاب اليسار هي المستفيد الأكبر من الأزمات المالية، حيث كانت الأنظمة المحافظة الحاكمة تتعرض للوم، بسبب نكبات الركود الاقتصادي، أو الهزائم العسكرية، فكانت الأحزاب اليسارية تنحيها، وتحتل سدة الحكم مكانها، بهدف القيام بمشروعات استثمارية عامة واسعة النطاق وطويلة المدى، وكانت تتلقى الدعم السخي من الضرائب المتزايدة، وفرض برامج تقشف على الأثرياء والموسرين.
أما اليوم فإن أحزاب يسار الوسط هي التي تشرف على الاقتصادات الرأسمالية، التي تعاني الكثير من الأزمات الخفية، وتضع سياسات اقتصادية واجتماعية تقهقرية، تهدف إلى تعزيز وتيرة الانتعاش الاقتصادي للمشاريع الكبرى مع إجراء تخفيضات على الأجور والبرامج الاجتماعية ومخصصات البطالة والمخصصات التقاعدية.
ونتيجة لهذا فقد أصبحت أحزاب يسار الوسط هي الخاسر السياسي الأكبر في الأزمات الاقتصادية الحالية، فلم تعد تجني سوى العداء والرفض من قبل جماهير الطبقة العاملة والموظفين، الذين كانوا من المؤيدين لها في الماضي.
وفي كل المرات التي انتخب فيها اليسار، في السنوات الأخيرة، كانت هناك حالة من الانقسام والفرقة بين القاعدة الانتخابية والقيادة الحزبية، ولم تجرؤ تلك الأحزاب بتاتاً على انتهاك صلاحيات الطبقة الرأسمالية المكونة من كبار المصرفيين والمستثمرين، الذين كانوا سبب الأزمة، لكنها بدلاً من ذلك اتبعت منطقاً معاكساً في دعم السلطة القائمة عن طريق الخزينة التي أعادت تمويل رأس المال، وعن طريق الشرطة والقضاء التي ألجمت الطبقة العاملة، وعن طريق وسائل الإعلام التي راحت تبرر سياسات تلك الأحزاب التقهقرية.
في بريطانيا، وقبل هزيمة حزب العمال البريطاني في الانتخابات، فإن قيادته كانت تعد العدة لإنهاء خدمات الألوف من الموظفين، وإجراء تقليصات على برامج الرعاية الاجتماعية، وذلك بعد عشر سنوات قضاها في مضاربات مالية وعقارية فوضوية وغير محسوبة.
أما في الولايات المتحدة، فقد تم انتخاب أوباما وإدارته على أساس ما وعدا به في حل مشكلات العمال والموظفين، الذين كانوا الأكثر تأثراً بانهيار «وول ستريت»، لكن بدلاً منها قام البيت الأبيض بضخ تريليونات الدولارات من أموال الناس الضريبية، لإنقاذ المصارف الكبرى والمؤسسات المالية، المسؤولة في المقام الأول عن هذه الأزمة التي أدت إلى رفع نسبة البطالة والبطالة الجزئية إلى أكثر من 20%، وإلى أن يفقد أكثر من 10 ملايين من أصحاب البيوت بيوتهم نتيجة تخلفهم عن سداد القروض البنكية المتراكمة عليهم.
إذن، فإنه خلال الثلاثين سنة الماضية أصبحت أحزاب يسار الوسط متورطة في السعي لإدارة النظام الرأسمالي، بحيث أنها أوغلت في دعم المضاربات الرأسمالية المتطفلة وسريعة الزوال، بعد أن كانت رديفاً للطبقة العاملة والساعية لدعم الإصلاحات الخيرية في المجتمع.
لقد قررت أحزاب يسار الوسط منذ البداية أن كل شيء قابل للتفاوض والتنازل مع المصرفيين والمستثمرين، وأن لا تفاوض أو مساومة مع الطبقة العاملة، وكان الركود عميقاً جداً، لكن المؤسسات المالية كانت أكبر من أن تفشل، أما الطبقة العاملة، بنظر أحزاب يسار الوسط، فلا بأس من الضغط عليها، أو التخلص منها، وليخرج أبناؤها إلى الشوارع وينعقوا بما شاؤوا.
وهذا الأمر أدى إلى تفاقم معدلات البطالة والعمالة لبعض الوقت لتصل إلى أرقام مكونة من خانتين، وتعرض الوفاق القديم بين النقابات العمالية و أحزاب يسار الوسط إلى ضغط شديد في كل مكان (باستثناء الولايات المتحدة وبريطانيا) من جانب عمال المجمعات الصناعية، ومكاتب الموظفين الحكوميين، وفي أوساط المتقاعدين في المراكز المرموقة، لهذا فإن أحزاب يسار الوسط، بتضحيتها بالطبقة العاملة لإنقاذ كبار المصرفيين، ستدفع ثمناً غالياً يتمثل في خسارتها لجمهور الناخبين.
النموذج اليوناني
في اليونان، على سبيل المثال، أقدم الحزب الاشتراكي الحاكم على طرد عشرات الألوف من الموظفين الحكوميين، وأدت سياساته المالية التقشفية إلى رفع نسبة البطالة من 8% إلى 14%، كما قام برفع السن التقاعدية، وقلص مخصصات المتقاعدين، بالإضافة إلى أنه خفض المعونات الاجتماعية ورفع رسوم الخدمات العامة، أما المصرفيون المحليون والأجانب، وأصحاب البواخر والمستثمرون، فقد كانوا المستفيد الأكبر، حيث أقدموا على شراء الممتلكات والعقارات المأزومة بأثمان بخسة.
وحدث الشيء ذاته في أسبانيا والبرتغال، حيث تبنت أحزاب اليسار سياسات مشابهة، فيما يتعلق بإنهاء خدمات الكثير من الموظفين الحكوميين وتقليص رواتب الباقين، وتخفيض مخصصات التقاعد والمعونات الاجتماعية، مع إعادة صياغة قوانين الأمان الوظيفي، بحيث تسمح لصاحب العمل بتعيين من يشاء أو إنهاء خدماته في أي وقت كان.
بقلم: جيمس بتراس
ترجمة: يوسف جباعته
