أثارت زيارة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف الأخيرة لجزر «كوريل»، المتنازع عليها بين روسيا واليابان، أزمة دبلوماسية بين البلدين، فزيارته لتلك الجزر المعروفة في روسيا باسم «كوريل» الجنوبية، وفي اليابان باسم «المناطق الشمالية»، أضرت بالعلاقات بين البلدين، قبيل انعقاد قمة زعماء آسيا والباسيفيكي في طوكيو. بعد أن أصبحت الجزر طريقا آمناً لتحسين صورة الزعماء داخلياً.

كما أثارت الزيارة حفيظة رئيس الوزراء الياباني «ناوتو كان»، الذي يعاني من تدني شعبيته إلى مستوى 40% بعد خمسة أشهر فقط مرت عليه في منصبه الحالي، لأسباب عدة، منها طريقة تعامله مع الصين حول مجموعة من الجزر الأخرى، التي تدعي كل من طوكيو وبكين ملكيتها.

وقال كان في اجتماع لأعضاء مجلس النواب لبحث مسألة الزيارة الرئاسية الروسية للجزر : «هذه الجزر الشمالية الأربع جزء من الأراضي السيادية لليابان، وزيارة الرئيس الروسي لها تعتبر أمراً مؤسفاً»، وتعتبر هذه الزيارة الأولى من نوعها التي يقوم بها زعيم روسي للجزيرة، التي تعرف في اليابان باسم «كوناشير» وفي روسيا باسم «كوناشيري».

أما رد الفعل الروسي على خطاب رئيس الوزراء الياباني فقد جاء على لسان وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف»، الذي وصفه ب:»غير المقبول»، وأضاف، في حديثه الموجه لمؤتمر صحافي: «هذه الجزر لنا، والرئيس لم يزر سوى أرض روسية».

وتبعد سلسلة الجزر ثمانية نطاقات زمنية عن موسكو، حيث تمتد من الشمال الشرقي لجزيرة «هوكايدو» اليابانية إلى شبه جزيرة «كامشاتكا» الروسية، والجزيرة التي زارها مدفيديف تحديداً لا تبعد سوى عشرة أميال عن «هوكايدو» اليابانية.

وتشكل هذه الجزر قيمة عاطفية كبيرة لليابانيين، وتعتبر من بين القضايا الوطنية المهمة في روسيا، وتختلف طبيعة الخلاف حول تلك الجزر عن الخلاف الياباني مع الصين حول جزر بحر الصين الجنوبية، فالخلاف مع الصين تحركه رغبة الطرفين في السيطرة على احتياطيات الغاز والنفط، التي يحتمل وجودها في الجزيرة، أما الخلاف الياباني مع روسيا فيتعلق بإرث الحرب العالمية الثانية.

واحتل الاتحاد السوفييتي الجزر الأربع في نهاية الحرب، ومنذ ذلك الحين والعلاقات متوترة بين الطرفين، ما جعل من توقيع اتفاقية سلام رسمية بين الطرفين أمراً مستبعداً، وغالباً ما لجأ السياسيون في كلا الجانبين لاستخدام لهجة حادة في الحديث عن أزمة الجزر، لتعزيز مكانتهم أمام الرأي العام كوطنيين متحمسين، ويرى محللون كثر أن الزيارة التي قام بها مدفيديف هدفت لتحسين صورته داخل روسيا.

ووعد مدفيديف، في حديثه للصحافيين حول الجزر، بزيادة الاستثمار الحكومي في الجزر، قائلاً : «من المهم أن نؤسس للمزيد من المشاريع هنا، وستكون الحياة أفضل، كما هي داخل روسيا».

وأظهر التلفزيون الحكومي الروسي مدفيديف وهو يتذوق الكافيار في الجزيرة، ويتحدث مع السكان المحللين، وهم في محلاتهم التجارية.

وتعاني روسيا بشكل أكبر من نقص التنمية في المناطق الشرقية البعيدة التابعة لها والقريبة من الصين واليابان، فالبعد الجغرافي الشاسع، الذي يصل إلى ألوف الأميال، عن موسكو أسهم في تدني البنية التحتية والاستثمار في هذه الجزر، وقد جاءت زيارة مدفيديف قبيل انعقاد قمة آسيا والباسيفيكي الاقتصادية في اليابان.

ويذكر أن الجزر المتنازع عليها تقع بالقرب من مناطق إنتاج الغاز والنفط الروسية، لكن معظم سكانها يعيشون على صيد الأسماك، وبما أن اليابان من كبار المستهلكين للسمك، فإن الجزر ستشكل بالنسبة إليها، في حال تم استردادها، مصدراً ثميناً من مصادر الثروة السمكية.

قلق روسي

وعد الرئيس الروسي السكان المحلين في جزر «كوريل» بتحسين مستوى معيشتهم، وقال في اجتماع مع مسؤولين محليين معلقاً على مستويات المعيشة في الجزر : «بدأنا بتحسين الوضع هنا، ونحن نبني بيوتاً جديدة، وبدأت تظهر ملامح مؤسسات اجتماعية جديدة، وهذا أمر جيد، لأنه سيرفع مستويات المعيشة، وهذا يعني أنه خلال فترة معقولة من الوقت ستكون الحياة هنا شبيهة بما هي عليه في روسيا، أي متطورة وناجحة».

وزار كذلك حضانة للأطفال، ومحطة طاقة تعمل على الطاقة الحرارية الأرضية، وواحدة من المصايد السمكية، وكان يرتدي معطفاً ابيض اللون فوق بدلته الرسمية، عندما تذوق بعض الكافيار المحلي، وشرائح من السمك، مبدياً إعجابه بطعمها، ثم اشترى سمكة «هف» بقيمة 475 روبلا روسيا (15 دولارا)، وقضى آخر لحظاته في الجزيرة بالتقاط صور للبحر.

وكانت اليابان قد اعترضت على زيارة قام بها وزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» للجزر عام 2007، وقال «تاكيهيكو ياماماتو»، البروفسور في جامعة «واسيدا» في طوكيو، إن الزيارة كان القصد منها تأكيد التزام مدفيديف بدعم التنمية في المناطق الشرقية البعيدة عن روسيا. كما شكلت رسالة وعيد لليابان بأن روسيا جادة في ما يتعلق بالجزر.

وعلق «زينغ غوانغتشينغ»، الخبير في الشأن الروسي في «الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية» فقال إن الزيارة كشفت عن مدى القلق الروسي الاستراتيجي حول منطقة الشرق الأقصى، بالإضافة إلى عزم موسكو على حماية الأراضي التابعة لها، موضحاً أن هذا الأمر يعتبر طبيعياً بالنسبة لدولة بدأت في استرداد نفوذها.