تعتبر زيارة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف الأخيرة للجزر الأربع المتنازع عليها بين طوكيو وموسكو، الأولى من نوعها التي يقوم بها رئيس روسي أو سوفييتي، ومن المؤسف أنه زار مكاناً لم يتم البت بشأنه من الناحية القانونية والقضائية بعد بين روسيا واليابان.
كما تتعارض زيارته ومقررات «اتفاق طوكيو»، الذي تم توقيعه عام 1993 بين رئيس الوزراء الياباني السابق «موريهيرو هوسوكاوا» ورئيس الوزراء الروسي السابق «بوريس يلتسين»، ونص ذلك الاتفاق على أن البلدين سيوقعان معاهدة سلام عن طريق حل النزاع الجغرافي، بالاحتكام إلى الوثائق المتوافرة لدى الطرفين، والقنوات القانونية والقضائية.
وفي فبراير عام 2009، اقترح مدفيديف انتهاج «نهج مبتكر» لحل الأزمة بين البلدين، ولم يتم تنفيذ ذلك المنهج حتى اليوم، فهل يحاول مدفيديف بهذه الزيارة تصوير نفسه كزعيم قوي لكسب الدعم الداخلي في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2012؟
ينبغي على الحكومة اليابانية أن تنتبه لاحتمال تنسيق روسيا والصين لفرض ضغط مشترك على طوكيو، فاليابان اعتقلت قبطان مركب صيد صيني، قرب جزر سينكاكو التابعة لمقاطعة أكيناوا، وروسيا تضغط على اليابان حول الجزر الشمالية لليابان، وخلال زيارة مدفيديف لبكين.
أخيراً، شجب، هو والرئيس الصيني «هو جينتاو»، المحاولات الرامية لتغيير تاريخ الحرب العالمية الثانية، وفي يوليو الماضي، أجرت القوات الروسية مناورات عسكرية واسعة النطاق في جزيرة «إتوروفو»، وهي إحدى الجزر الأربع المتنازع عليها، ثم وقع الرئيس الروسي «ديمتري مدفيديف» على وثيقة تعتبر يوم الثاني من سبتمبر من كل عام يوم تخليداً لنهاية الحرب العالمية الثانية، وهو اليوم الذي سلمت فيه القوات اليابانية أسلحتها عام 1945، واستسلمت لقوات الحلفاء.
كما ينبغي على الحكومة اليابانية، في مساعيها الرامية لحل النزاع الإقليمي بينها وبين موسكو، أن تنظر بعمق في سياساتها تجاه روسيا، وما إذا كانت قد ارتكبت أخطاء في تعاملها مع روسيا، فعلى سبيل المثال، منذ التغير الذي طرأ على الحكومة اليابانية في سبتمبر عام 2009، لم يزر أي زعيم ياباني روسيا، لهذا يتعين على اليابان أن تحاول معرفة الأسباب الكامنة وراء زيارة مدفيديف للجزر، وبناء استراتيجية متينة تمكن من تطوير الروابط المتبادلة القائمة على الثقة، وتعزز مبدأ اليابان الرافض للنزعة التوسعية.
وفي الوقت نفسه، استدعت اليابان سفيرها لدى موسكو، وقال وزير الخارجية الياباني «سيجي مايهارا» إن هذا الاستدعاء للسفير «مؤقت» للاحتجاج على زيارة الرئيس الروسي لجزيرة «كوناشيري»، ووصف رئيس وزراء اليابان الزيارة الروسية للجزر بأنها «مؤسفة»، فجزر كوريل، بالنسبة لليابان، تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الأراضي اليابانية، وفي روسيا اعتبر وزير الخارجية الروسي رد الفعل الياباني على زيارة مدفيديف غير مقبول.
تمتاز مياه جزر كوريل المتنازع عليها بتوافر ثروة سمكية كبيرة فيها، كما أن من المحتمل أن تكون أراضيها حاوية لاحتياطيات كبيرة من النفط والغاز والذهب والفضة، ولا تبعد هذه الجزر عن جزيرة هوكايدو، الواقعة في أقصى شمال اليابان، سوى عشرة كيلو مترات فقط، لكنها تعتبر جزءاً من سلسلة تمتد حتى البر الروسي.
وقعت هذه الجزر تحت يد الاتحاد السوفييتي في نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها عانت من الإهمال منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا أدى إلى تناقص كبير في أعداد السكان.
وفي عام 1956، وقع الاتحاد السوفييتي على اتفاقية يعرض فيها إعطاء اليابان الجزيرتين الأصغر من بين الجزر الأربع، لكن المحادثات لم تحرز تقدماً، في هذا الجانب، والخلاف حول الجزر منع البلدين من توقيع اتفاقية سلام لوضع نهاية رسمية للأعمال العسكرية التي نشبت خلال الحرب العالمية الثانية.
الجزر عن قرب
تتألف جزر كوريل من أربع جزر يابانية، احتلتها روسيا بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وتتمتع الجزر بثروة سمكية كبيرة، وكانت روسيا قد عرضت على اليابان إعادة جزيرتين صغيرتين من أصل أربع جزر، لكن اليابان رفضت العرض، وطالبت روسيا بإعادة الجزر كلها، كما أن اليابان تخلت عن التزامها بالاتفاقية بعد أن وقعت اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة.
تعود جذور قضية الجزر إلى مطلع القرن التاسع عشر، حين بدأت كل من اليابان وروسيا القيصرية في التنافس على هذه الجزر، ونجحت اليابان في ضم الجزر إليها في أعقاب الحرب الروسية اليابانية التي نشبت عامي 1904 و1905، ولكن موسكو عادت لتهيمن عليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية بموجب قرارات مؤتمر بوتسدام.
وتمتد سلسة جزر كوريل لمسافة 1050 كيلو متراً، من جزيرة هوكايدو في أقصى شمال اليابان إلى شبه جزيرة كامشاتكا في سيبيريا، وتضم هذه السلسلة نحو 30 جزيرة كبيرة و20 جزيرة صغيرة وتبلغ مساحتها الكلية 15599 كيلو متراً مربعاً.
يصدر أهل جزر كوريل الخشب والفراء والسمك، ويعيش على هذه الجزر الكثير من ثعالب الماء والفقمة، لكن هذه الحيوانات أصبحت نادرة لأن الصيادين قتلوا عدداً كبيراً منها.
ترجمة: يوسف جباعتة
