ابتداءً من يوم أمس، دخل لبنان رسمياً في إجازة الأعياد، والتي من المتوقع أن تستمر إلى ما بعد عيد الاستقلال الاثنين المقبل، علماً أن حكومته دخلت في إجازة «الأمر الواقع» غداة جلستها الأخيرة التي أخفقت خلالها في حسم ملف شهود الزور، والأرجح أنها ستظل على هذه الحال إلى حين الخروج من نفق الانتظار نحو التسوية المنشودة لأزمة المحكمة الدولية أو المواجهة الصعبة.

فخلال الأسبوع الفائت، ووسط مخاوف من أن تكون صفحة جديدة فتِحت في سجلّ الأزمة السياسية المتصاعدة في لبنان، شهد ملفّ شهود الزور فصلاً جديداً من فصول حكاية «إبريق الزيت» بعدما «نجا» مرة أخرى من اختبار التصويت، في آخر جلسة لمجلس الوزراء قبل عطلة عيد الأضحى، والتي انتهت بلا غالب ولا مغلوب بالمعنى السياسي، إلا أن الخاسر الكبير بقي البلد الذي سيظلّ إلى ما بعد عيد الأضحى «أسير» ملف شهود الزور الذي لم يقرّ حتى الآن لا بالتفاهم ولا بالتصويت، وذهب إلى جلسة مقبلة بقي موعدها في علم الغيب، لإفساح المجال أمام مزيد من المشاورات.

وإذا كان تأجيل ملف شهود الزور منع تفجير الحكومة من داخلها، تزامناً مع عيدها السنوي الأول، إلا أن هذا التأجيل ستكون له تداعيات سياسية مباشرة من نوع إصابة الحكومة بالشلل وعوارض التصعيد، إذ بدت أمام معادلة جديدة فرضها التوازن السلبي، وتتمثل في تحويلها رهينة لملف شهود الزور، بما يعني شلّها تحت وطأة الضغوط المتصاعدة لبتّ هذا الملف، ومنعها من معالجة أي جدول أعمال قبل حسم هذا الموضوع.

وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان طرح، وبصفة كونه صاحب الصلاحية في تقرير مبدأ طرح التصويت من عدمه، خلال جلسة 9 نوفمبر الفائت، تسوية قضت بإرجاء بتّ هذا الملف إلى ما بعد عيد الأضحى، فاستجاب لها «فريق 8 آذار»، ولكن في مقابل اشتراطه بقاء هذا الملف بنداً أول على جدول أعمال أيّ جلسة لمجلس الوزراء وعدم البحث في أي بند آخر قبل حسمه، مرفقاً بتلميح أوساط هذا الفريق لـ «البيان» إلى أنه لن يكون مجلس وزراء ولا مؤسّسات بعد اليوم إلا بعد حسم ملف شهود الزور، وذهبت إلى الحديث عن واقع يشبه الاعتصام السياسي إلى حين حسم هذا الملفّ.

وبين الانتظار والترقب، وفي ضوء ما آلت إليه مناقشات مجلس الوزراء، والتي أظهرت الانقسام الحاصل بين وزراء الأكثرية الذين يميلون إلى إحالة الملف إلى القضاء العادي، وبين وزراء المعارضة الذين يطالبون بإحالته إلى المجلس العدلي، مع التشديد على حسمه في الجلسة المقبلة، بالتوافق أو بالتصويت، تجدر الإشارة إلى أن ملفّ شهود الزور شهد محطات عدّة، كان أبرزها اعتراف رئيس الحكومة سعد الحريري، في 6 سبتمبر بهؤلاء الشهود وبالدور الذي اضطلعوا به في تخريب العلاقات اللبنانية السورية، ما أدّى إلى أن شقّ هذا الملف طريق الخلاف على مقاربته مع «قوى 8 آذار» داخل مجلس الوزراء وفي الشارع.

وإذا كان الاعتراف بشهود الزور قدّم لخصوم الحريري، في مجلس الوزراء وخارجه، ثمناً ذهبياً من أجل خوض معركة حمله على التخلّي عن القرار الظني، على غرار تخلّيه عن اتهام سوريا باغتيال والده، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري وضع يده على هذا الملف، بإصراره على أن يكون بنداً أول في جدول أعمال مجلس الوزراء، من غير أن يوصد أبواب التفاهم قبل اللجوء إلى التصويت، واستخدم وسيلة الضغط بخروج وزرائه من جلسة مجلس الوزراء، في 6 أكتوبر الفائت، كي يجزم بجدّية التمسّك ببتّ هذا الملف وإحالته على المجلس العدلي.

بدوره، أوجد رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط فسحة رمادية مشتركة، استمدّها من موقفَي سليمان بتفادي التصويت والتسليم بالإحالة على المجلس العدلي، ومن برّي بإتاحة المجال أمام الجهود السياسية قبل الوصول إلى خيار التصويت.

فوفق المعلومات، فإن جنبلاط قطع وعداً لمعاون نائب رئيس الجمهورية السوري، اللواء محمد ناصيف، بتصويت وزرائه الثلاثة في مجلس الوزراء مع قوى 8 آذار على إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي عندما يحين أوانه. كذلك، قطع الوعد نفسه لقيادة حزب الله.

وإزاء المواقف المعلنة هذه لسليمان وبرّي وجنبلاط، باتت المشكلة أكثر تعقيداً لدى رئيس الحكومة سعد الحريري لدوافع عدّة، أبرزها: أولاً، لا يسعه الموافقة على الإقرار بمبدأ التخلّي عن المحكمة الدولية، ذلك ما يجعله يتفادى رفض القرار الظني قبل صدوره عن المحكمة الدولية، ويسلّم بحصر موقفه من شهود الزور بتبرئة سوريا من اتهامها باغتيال والده، من دون تعميم تبرئة كهذه على أفرقاء آخرين، بمَن فيهم حزب الله. وثانياً، لا يعني قبول الحريري بالتصويت في مجلس الوزراء إلا تسليماً بانقلاب توازن القوى فيه رأساً على عقب، وانتقال الغالبية من «قوى 14 آذار» إلى «قوى 8 آذار»!.

المجلس العدلي

اتخذ رئيس الجمهورية موقف تأييد إحالة الملف على المجلس العدلي، من دون اللجوء إلى التصويت، كي لا يشهد انقسام السلطة الإجرائية، وإحراجه بحمل وزرائه الخمسة على الانضمام إلى خيار التصويت..

وبحسب الأوساط المتابعة، فإن تجربة السنتين ونصف السنة من ولايته، مع حكومتَي الرئيس فؤاد السنيورة والحريري، تجعله يتقيّن من أن رئيساً توافقياً بلا وزراء، أو بكتلة وزارية تسيطر على النصاب ولا ترجّح كفّته كحصّة إضافية، يمسي أحسن حالاً في أداء مهمة ناطها به انتخابه، فلا ينحاز إلى فريق دون آخر.

بيروت - وفاء عواد