في أحد صباحات أكتوبر عام 1947، تركت ست راهبات في مدينة «نزاريث» في ولاية كنتاكي الأميركية ديرهن للسفر ،وقد غلب على ظنهن أنهن لن يعدن أبداً إلى وطنهن مرة أخرى، وقامت الراهبات الأخريات بوداعهن قبل أن ينطلقن في رحلة سفر طويلة صوب الهند، وتحديداً إلى ولاية «بيهار»، حيث كانت مهمتهن تقتضي إدارة مستشفى في بلدة صغيرة هناك تدعى «مكاما».


وكان الدافع الأكبر لإقبالهن على هذه المهمة هو الشعور السائد بالتعاطف العام في أوساط الأميركيين، في تلك الحقبة، تجاه فكرة صراع الهند السلمي لنيل الاستقلال، ويومها قالت إحدى الراهبات وتدعى «تشارليز مريم»، فيما كان يحتجب عن ناظريها تمثال الحرية: «نرجو أن يتم تحقيق الحرية التي يمثلها هذا التمثال إلى أقصى درجة في الأرض التي سنذهب إليها».

أما في الوقت الحالي، وتحديداً خلال زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للهند، فإن العلاقات بين واشنطن ونيودلهي تتسم بسمات وقيم مشتركة. يقول «راماتشاندرا غوها»، احد كبار المؤرخين الهنود: «العلاقات الحالية الآن بيننا وبين أميركا أكثر حميمية من الماضي، حيث يقدر كل منا قيم الآخر وفضائله أكثر من أي وقت مضى، ما عدا فترة الأربعينات، فهي فترة مهمة جداً، لأن الديمقراطيين حينئذ، وتحديداً الرئيس الأميركي «فرانكلين روزفلت»، كانوا متعاطفين جداً مع طموحات الهند إلى الحرية والاستقلال».

ويرى غوها أن هناك تقديراً مشابهاً لتلك الفترة من جانب أوباما وأعضاء إدارته الحاليين، الذين سعوا لأن يكون الرابط بين المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ محور الزيارة الأخيرة إلى نيودلهي، وهذا ما رحب به المؤرخ الكبير معلقاً بالقول: «هذه فكرة جديدة ونوعية، ولا شك أنها موضع ترحيبنا، فهناك الكثير مما يجمعنا بالولايات المتحدة، سواء على مستوى الطموحات أو الخبرات السياسية».

لكن هل هذا يكفي؟ أي هل تحالف أقدم ديمقراطية مع أكبر ديمقراطية يعتبر أمراً كافياً؟ لأنه على الرغم من هذه القيم المشتركة التي تسود بين البلدين، إلا أن مصالح الولايات المتحدة قصيرة المدى تتعارض مع مصالح الهند، وفي الوقت الذي سعت إدارة أوباما لتسليط الضوء على الروابط الاقتصادية القوية بين البلدين، ركزت الهند على دعوة واشنطن لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً مع إسلام أباد، ودعم مطلب الهند المتمثل في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.

بوجود هاتين الأجندتين المتضاربتين بين واشنطن ونيودلهي، لم يكن مستغرباً كثيراً أن تنتهي زيارة أوباما للهند دون تصريح دراماتيكي، بخلاف الرئيس الأميركي جورج بوش عام 2006، عندما أعلن عن صفقة نووية مدنية بين البلدين، وهذا ما قد يجعل الولايات المتحدة تفقد الكثير في علاقتها مع الهند، التي تعتبر حليفها الأكبر في تعاملها مع الصين وباكستان، لكن رغم هذا فإن البيت الأبيض قد يستفيد من الانطباع لدى نيودلهي حيال أوباما، فهم لايبنون عليه الكثير من الآمال، ويعلمون انه أقل وداً تجاههم من سلفه بوش، وكان بإمكانه في زيارته الأخيرة أن يغير هذا الانطباع، ويحقق الكثير من المكاسب لأميركا.

ومن أجل تغيير الانطباع الهندي كان على إدارة أوباما أن تسعى لتبني مطلب الهند في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وهذا هو أقصى ما كان يطمح إليه الهنود في زيارة أوباما الأخيرة، إلا أن المسؤولين الحكوميين الكبار في واشنطن في الماضي لم يسعوا بشكل جدي في هذا الأمر، ولم يقدموا للهند سوى الدعم العام، صحيح أن المقعد الدائم في مجلس الأمن قد لا يعدو كونه قيمة رمزية، إلا أنه سيحقق لرئيس الوزراء الهندي «مانموهان سينغ» الكثير من التأييد الشعبي في الداخل.

أما فيما يتعلق بباكستان، فإن الهند تعلم أن الولايات المتحدة تمارس ضغطاً من وراء الكواليس على إسلام أباد لسحق المجموعات المتطرفة التي تقيم على أراضيها، لكنها تريد تصريحاً علنياً شبيهاً بالخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لدى زيارته للهند عام 2000.

بقلم ـ جيوتي ثوتام - ترجمةـ يوسف جباعته