حرصت إدارة أوباما على أن يكون لإعلان التوافق على تشكيل حكومة جديدة في العراق، وقعه الكبير. فهو من جهة، فتح أمامها باب الخروج من أزمة مضى عليها أكثر من ثمانية شهور.
ومن جهة ثانية، هي ساهمت إلى حدّ بعيد في ولادة صيغة الاتفاق، سواء بضغوطها أو بطرح تخريجته.
إن «المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية»، جاء بفكرته نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن؛ كما تردّد في واشنطن. وضعه كمخرج لتركيب معادلة ترضي «العراقية».
ثم الأهم من هذا وذاك، بالنسبة للإدارة، أنه أتى عشية بدء العد العكسي للسنة الأخيرة؛ الموعود لاستكمال الانسحاب الأميركي بنهايتها من العراق. حصوله في موعده، يتزامن مع انطلاق حملة انتخابات الرئاسة لعام 2012.
الأمر الذي يعطي ورقة رابحة للرئيس، في حملته الانتخابية لتجديد ولايته؛ باعتبار أنه أوفى بوعده. على الأقل، يسحب ورقة ضدّه. ولم يكن صدفة أن يسارع خصومه إلى تسييس موضوع الانسحاب من اليوم، وتصويره على انه يمثل «هروب الرئيس وحزبه الديمقراطي من العراق».
بالرغم من انشغالها بملفات كبيرة، من قمة ال20 في كوريا إلى تداعيات الانتخابات الأخيرة؛ حرصت الإدارة على تسليط الأضواء على الاتفاق وتقديمه كانجاز هام.
«تطور في غاية الأهمية»، كما جاء في بيان وزارة الخارجية؛ التي خصصت له لقاءات متتالية مع وسائل الإعلام، لتلميعه.
تجاوزت الفجوات والضبابية فيه، لتضعه في إطار العملية المتواصلة التي انطلقت بلا رجوع عنها. ولو أن طبختها لم تنضج بعد. تعاطت مع هشاشته وحلقاته الرخوة، بلغة التهوين والتقليل من أهميتها.
وبالذات مع انسحاب كتلة «العراقية» من جلسة مجلس النواب، باعتبارها «اعتراضا تقنيا» لا غير. مع أنها تفاجأت به. حصل في نفس اللحظة التي كان فيها الناطق الرسمي في البيت الأبيض يعرب عن ترحيب الإدارة بالإعلان ويشيد بتحقيقه.
كذلك الأمر كان مع موضوع صلاحيات «المجلس الاستراتيجي» المستجد وقانون «اجتثاث البعث». الزعم بأنه تمّ التفاهم بين الأطراف العراقية، على حسم الجوانب المعلقة فيهما قريباً؛ أثار الكثير من الأسئلة والارتياب، لدى المتابعين للملف العراقي في واشنطن. منها أن الكلام عن تشريع هذا «المجلس» بقانون قريب، لتحديد صلاحياته الرقابية، ملغوم.
قد يحصل التصويت في البرلمان على قانون من هذا النوع. لكن هذا الأخير لن يقوى على منح المجلس مثل هذه الصلاحيات إلاّ إذا حصل تعديل الدستور، الذي لا يقر بسلطة رقابية تعلو على سلطة الحكومة، كما قالت مديرة قسم الشرق الأوسط مارينا اوتاواي، في «مؤسسة كارنيغي للسلام» في واشنطن، ل«البيان».
ومثل هذا التعديل لا يبدو وارداً لا اليوم ولا في الأمد المنظور. وبالتالي فالمجلس الجديد محكوم بأن يبقى في حدود الهيئة الاستشارية، ربما المسموعة ولكن ليس النافذة.
استبعاد انهيار التسوية
لكن مع كل علامات الاستفهام المفتوحة، التي أثارها اتفاق المحاصصة والتباساته؛ تميل معظم التوقعات الأميركية إلى استبعاد انهيار التسوية. ولو أن عملية توزيع الحقائب تنتظرها مطبّات كثيرة. ومن المستبعد أن تنتهي خلال مهلة الشهر التي حدّدها الدستور. فليس من المرجح أن تبصر الحكومة الجديدة النور قبل بداية العام المقبل. فالولادة محكومة بالتعثر، بقدر ما الصيغة هشّة والثقة بين الأطراف مفقودة.
ولذا فالصراع متواصل، حتى بعد تأليفها. وواشنطن تتموضع لإدارته بالصورة التي تضمن لها تأمين الحد الأدنى من تماسك الحكومة لتحقيق أمرين: استكمال الانسحاب في موعده، عشية افتتاح حملة انتخابات الرئاسة.
الأمر الثاني، ضمان تطوير وترسيخ «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية» المعقودة بين العراق والولايات المتحدة، كأساس للعلاقة بين البلدين، في مرحلة ما بعد 2011. المعادلة التي رسا عليها التوافق، ترى واشنطن أنها تحقق لها ذلك بقدر ما تحقق محاصصة الأمر الواقع بالنسبة للداخل كما للخارج.
واشنطن ـ فكتور شلهوب