لا مجال بعد للفصل بين السياسة والاقتصاد: لا نتحدث عن اهتمام الدوائر الأكاديمية بتدريس علم الاقتصاد السياسي.. تلك بديهية ما برحت تؤكد نفسها وأهميتها في ميادين شتى.

إنما نتحدث عن تجلّي ظاهرة العلاقة الجدلية ـ التفاعلية بين دنيا السياسة وعالم الاقتصاد خلال ما تم في اجتماعات مجموعة العشرين التي اختتمت أعمالها في مدينة «جيونغ هو» ـ كوريا الجنوبية يوم 24 أكتوبر. والحق أن هذه الظاهرة سبقتها إرهاصات لم تكن لتفوت على اهتمامات المحللين والمراقبين، وعلى سبيل المثال لفت الأنظار التصريح الذي أصدره في أواخر يونيو الماضي «أنغل غوريا» رئيس منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي (د) ـ وهي الذراع الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، حين قال مخاطبا الاجتماع السابق لمجموعة العشرين في الشهر المذكور قائلا: «أيها السادة.. إن التعافي الاقتصادي هو السبيل إلى إتاحة الخيارات السياسية.

وعند الطرف الآخر من معادلة الاقتصاد ـ السياسة لاحظنا أن قمة العشرين الأخيرة في كوريا الجنوبية استطاعت أن تراوح أو تُزاوج كما قد نقول بين جانب الأداء الاقتصادي وجانب الأسلوب الديمقراطي؟

كيف؟

عندما سلمّ المجتمعون في كوريا بما بلغته الصين مثلا من مستوى بالغ الفعالية من الأداء والإنجاز الاقتصادي.. وهو ما دفع القمة المذكورة إلى أن تترجم هذا الإنجاز الاقتصادي إلى نوع من الاستحقاق السياسي، أو هو المكافأة الديمقراطية إن شئت التدقيق.

وهكذا تحولت الدول الصاعدة من مضمار الإنجاز الاقتصادي إلى حيث أمكن ترجمته في مضمار الإنجاز السياسي.

ولقد كان على أوروبا أن تسلمّ بما حققته تلك الدول الصاعدة من نجاحات.. تحولت بها من خانة الأقطار النامية إلى خانة الأقطار الناشئة.. ومن ثم الصاعدة أو فلنقل الناهضة.. نتحدث باستمرار عن البرازيل وروسيا والهند والصين».

تنازل أوروبا

ونتحدث أيضا عن موافقة أوروبا خلال اجتماعات الأقطار العشرين على التنازل.. نعم التنازل، عن مقعدين كانت تشغلهما أوروبا في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي لصالح تلك الدول الناشئة ـ الصاعدة.. الناهضة.

هكذا حق لـ «دومينيك شتراوس» مدير الصندوق الدولي أن يصف اجتماع كوريا الجنوبية الأخير بأنه «تاريخي» ولم يكن يقصد بهذا الوصف مجرد إزجاء التهاني والتبريكات على طريقة شعاراتنا اليعربية البليغة بقدر ما كان يشير إلى أن هذه الخطوة تتسم بالطابع الديمقراطي، فمن شأنها توسيع قاعدة الشراكة في القرارات المحورية التي تتخذها المنظومة المالية الدولية ـ منظومة «بريتون وودز» كما تسمى في أدبيات الأمم المتحدة، وبحيث لا يستأثر بالقرار الخطير أطراف المحالفة المغربية ـ الأطلسية بالذات ما بين الولايات المتحدة إلى غرب أوروبا.

ولكن ها هي أطراف مستجدة تدخل في المعادلة لتصبح ـ كما ألمح شتراوس ـ كل من البرازيل (أميركا اللاتينية) وروسيا (أوروبا الشرقية) ثم الهند والصين (آسيا) من بين الدول العشر الكبرى المشاركة في الصندوق الدولي، موضحا أن هذه الإجراءات المستجدة إنما تأتي ضمن بنود أجندة الإصلاحات المقرر إدخالها على سياسات المنظومة المالية الدولية وعلى توجهاتها، وقد طال أمد مناقشتها على مدار سنوات على أن تدخل هذه التجديدات، كما أضاف، حيز التنفيذ مع مطلع عام 2011.

المهم هو فوز مجموعة الاقتصادات الناشئة ـ الناهضة كما أسميناها بنسبة لا تقل عن 6 في المئة من حقوق التصويت في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي البالغ عدد أعضائه 42 عضوا.

6 مقاعد فقط

من ناحية أخرى فإن تخلي أوروبا الغربية عن اثنين من مقاعدها الثمانية في المجلس المذكور لم يكن بالأمر السهل بقدر ما جاء ليعكس النظرة الواقعية الأوروبية في التعامل البرغماتي مع نتائج أزمتها المالية، فضلا عن تناقض الأوضاع الاقتصادية التي ما برح يعانيها الاتحاد الأوروبي ما بين بلدان الفائض مثل ألمانيا وبلدان العجز التي تتراوح أحوالها من حافة الإفلاس على نحو ما هددت به اليونان منذ فترة قريبة مضت.

ثم بلدان الاضطراب المالي على نحو ما شهدته فرنسا في أواخر أكتوبر خلال حوادث الإضرابات العمالية بالذات التي اجتاحتها في تلك الآونة إلى بلدان عجز الموارد وإعلان التقشف على نحو ما تردد في نفس الفترة في قاعة وأروقة مجلس العموم البريطاني حين أعلن وزير مالية الملكة، «جورج أوزبورن» عن خطة التقشف الجديدة تخفيضا للإنفاق بقيمة تكاد تعادل 150 مليار دولار على مدار السنوات الأربع المقبلة، بعد أن بلغ عجز الموازنة نحو 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي البريطاني.

وكان مرتقبا بالطبع أن يخّف حزب العمال البريطاني المعارض إلى وصف هذه الخطة التقشفية بأنها «مقامرة» لاسيما وأنها تنطوي على إلغاء نحو نصف مليون فرصة عمل في سلك الحكومة الإنجليزية، وهو ما وصفته جريدة «الفاينانشيال تايمز» بجلالة قدرها بأنه إجراء من شأنه أن يغيّر من صورة الحياة في انجلترا إلى الأبد..!

حرب العملات

من إنجازات «العشرين» في اجتماعات كوريا ما تم من نجاح الفرقاء الذين يمثلون أهم اقتصادات عالمنا في تجنب ما كان يخشاه مراقبو شأن الاقتصاد ـ السياسي تحت الشعار المطروح مجددا ضمن الحوليات الدولية الراهنة وهو: حرب العملات.

وبديهي أن تاريخ البشرية، على الأقل في العصر الحديث عايش حروبا ذات مسميات وشعارات شتى.. ابتداء من حرب داحس والغبراء عند العرب مرورا بحرب المئة سنة أو حروب الوردة في أوروبا أو حرب البوير في جنوب افريقيا.. ناهيك باثنتين من الحروب العالمية في النصف الأول من القرن العشرين.

والحاصل أن اجتماع كوريا تدارس بكل جدية اقتراحات ودعوات «تيموثي غيثنر» وزير الخزانة الأميركي وخاصة ما يتعلق منها بضرورة «إعادة التوازن» في مضمار الاقتصاد العالمي، لكن الاجتماع تعامل بتحفظ فيما يبدو مع دعوة المسؤول الأميركي الدول إلى خفض فوائضها عند نسب معينة من إجمالي ناتجها الوطني.

فيما وعد المؤتمر بالعمل على تقليص حدة الفوارق ومن ثم التنافس بين الفوائض وبين أسعار العملات، دون أن يتخذ قرارات حاسمة باترة أو ملزمة إزاءها مشيرا في هذا الخصوص بالذات إلى أن الدول من أعضاء مجموعة العشرين سوف تنحو نحو نظام تتحدد فيه أسعار صرف العملات حسب أحوال وقوانين وظروف السوق.

وعلى الفور لاحظنا، ولاحظ مراقبو اجتماع كوريا، أن البيان الختامي الصادر عن الاجتماع جاء خاليا من أي إشارة تحضّ الصين على خفض عملتها، ومن ثم فقد عمد البيان الى إبطال مفعول اللغم السياسي ـ الاقتصادي الذي كان يهدد بإشعال شرارة حرب العملات بين أطراف فاعلة ومؤثرة على اقتصادات عالمنا، فما بالك أن تشتعل مثل هذه الحرب في غمار أزمة مالية ـ اقتصادية لمّا تلتئم جراحاتها بعد في بنية الاقتصاد الدولي.

وربما أمعن بيان كوريا الأخير في لغته الدبلوماسية حين اكتفى في هذا المجال أيضا بالتأكيد على أن التوصّل إلى التوازن المنشود إنما يتمثل في تحقيق نمو قوي ومطرد ومتوازن وبأسلوب يصدر عن روح التعاون والتنسيق بين الأطراف ذات الصلة.

الاحتكام إلى السوق

وهكذا يبدي خبراء الاقتصاد الدولي وكبار مسؤوليه (في مجموعة العشرين بكل وزنها المعروف) موقفا من العزوف عن استخدام الأدوات الاقتصادية المعروفة. خاصة إذا كانت صادرة عن رؤى إدارية أو بيروقراطية أو عن أهداف بالغة التسييس: هم لا يتحمسون مثلا لقرارات فوقية تصدرها هذه السلطة أو تلك بخفض سعر صرف العملة الوطنية.

أو بتقليص حجم الفوائض الاقتصادية بدعوى إتاحة الفرصة للمنافسة على الصعيد العالمي، إن الأهم والأوْلى بالاهتمام في نظرهم وفي تصورنا أيضا هو التأكيد على مواصلة التنمية بوصفها المفتاح السليم والنهج الصحي والصحيح لمعالجة ما ألمّ بالنظام الاقتصادي، سواء بسبب عوامل خارجية أو داخلية.

ونلاحظ من منظورنا العربي أن هذه الرؤية إنما صدرت بالأساس عن صندوق النقد الدولي، وأن اجتماع كوريا الأخير قد عمد إلى تبني هذه التوجهات التنموية بوصفها بديلا سليما وربما ناجعا عن القرارات السلطوية أو عن اندلاع حروب العملات.

الشرق الأوسط

ليس صدفة إذن أن يصدر أحدث تقارير صندوق النقد الدولي عن أداء منطقة الشرق الأوسط في عام 2009، الذي شهد ما قد نصفه بأنه ذروة الأزمة المالية العالمية، ثم نلاحظ من واقع التقرير الدولي المذكور اطراد مسيرة النمو في منطقتنا، وفي هذا السياق تنبأ الصندوق الدولي في تقريره الأخير بأن اقتصاد الشرق الأوسط من شأنه أن يحقق نموا خلال عام 2010 الحالي بنسبة تصل إلى 2,4 في المئة فضلا عن نسبة قد تبلغ 8,4 في المئة في العام المقبل، وهو ما يقارن إيجابيا بنسبة 2,3 في المئة حققتها منطقة الشرق الأوسط في عام 2009 حين كانت تواجه بصعوبة بالغة النتائج الناجمة عن الأزمة الاقتصادية العالمية من جهة وعن انخفاض أسعار النفط الخام من جهة أخرى.

مع هذا كله يحمد الخبراء لاجتماع العشرين في كوريا أن وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية ومعهم بالطبع أركان وفعاليات صندوق النقد الدولي أعلنوا رفضهم اتباع أساليب المراوغة الاقتصادية التي يجسّدها مثلا أسلوب التلاعب المصطنع في أسعار صرف العملات بدعوى تحفيز الاقتصاد أو بذريعة الانصياع لقوانين المنافسة على الصعيد الدولي.

وتأتي أهمية هذا المسلك الموضوعي من حقيقة أن اجتماع كوريا الأخير يشكل تمهيدا موضوعيا بحق لاجتماع قمة مجموعة العشرين المقرر انعقادها يومي 11 و12 نوفمبر ولكن هذه المرة في مدينة سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية، حيث تنظم جماعات من مواطني ذلك البلد الآسيوي مسيرات في شوارع العاصمة المذكورة معلنة احتفالها باحتضان القمة الاقتصادية المذكورة بوصفها حدثا عالميا يعتز بلدهم باستضافته، فيما يتوقع بعض المحللين احتمال أن تشهد نفس الشوارع مظاهرات احتجاج للعناصر الناشطة المناهضة لدعوات العولمة بكل ما يمثل ذلك في رأيهم من تعديات على الثقافات القومية والمصالح الوطنية.

وفيما جاء بيان «جيونغ هو» الأخير إرهاصا بوعود تومئ إلى استتباب نوع من السلام الاقتصادي بعيدا عن حرب العملات أو اشتعال حمى المواجهة الاقتصادية بين القوى الصاعدة ـ الناهضة والقوى التي نعمت بسيطرة طويلة على مقاليد الاقتصاد في عالمنا، فإن الإجماع يكاد ينعقد على أن قمة منتصف نوفمبر سوف تعكف على تقنين القواعد الجديدة التي تحّد من جموح التطرف في إدارة النظام المصرفي في العالم، مع تفعيل الإصلاحات التي لاحت بشائرها مؤخرا بالنسبة لأسلوب إدارة صندوق النقد الدولي، ولصالح القوى الناشئة والصاعدة التي تضم مئات الملايين من سكان عالمنا.

إضاءة

اليوان الصيني

إذا كان النصف الثاني من القرن المذكور شهد الحرب الباردة، فها هو ختام العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يوشك أن يشهد حرب العملات. والحق أن خيوط الحرب المذكورة ظلت تنسج داخل الأروقة الاقتصادية ـ المصرفية ـ السياسية في الولايات المتحدة، وفي مواجهة الصين بالذات، بوصفها منافسا مستجدا، ولكن بالغ الشراسة على الصعيد العالمي..

هكذا ظلت دوائر واشنطن تلح على الغريم الصيني في بكين أن يتلطف، ويتكرم برفع قيمة العملة الصينية «اليوان» باعتبار أن قيمتها المنخفضة حاليا تؤدي بداهة إلى رخص أسعار الصادرات الصينية التي تتدفق مثل شلال هادر في طول العالم وعرضه وبكميات غير مسبوقة، ثم بأسعار لم تعد تقبل المنافسة مع أي طرف آخر.. في أميركا بالذات.. حيث زاد الأمر سوءاً بالنسبة لاقتصادات واشنطن من واقع الهوة البالغة الاتساع بين أجر العامل الصيني ونظيره العامل الأميركي.

محمد الخولي