في الخامس والعشرين من اكتوبر 2009، في حفل صحافي نُظم على عجل، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو تجميد كل البناء الجديد في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) مدة عشرة شهور. وبيّن رئيس الحكومة ان التجميد لن ينطبق على البناء الذي قد بدأ (في حالة وضع الأسس)، وعلى 2900 وحدة سكنية حصلت على رخص، وعلى مبان عامة حيوية أو على بناء داخل حدود مدينة القدس. أنهى اعلان رئيس الحكومة الدراماتي ستة أشهر من المحادثات الصعبة تمت وراء ستار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وأضعفت التوتر بين الدولتين.

في الضفة الغربية

كان مصدر القرار الذي لم يسبق له مثيل على تجميد البناء في المستوطنات اللقاء الأول الذي تم بين رئيس الولايات المتحدة، باراك اوباما، وبين رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو، والذي تم في واشنطن في 18 مايو 2009.

طلب الرئيس في اللقاء إلى رئيس الحكومة تجميدا تاما لكل البناء القائم والجديد في المستوطنات في الضفة الغربية وشرقي القدس. فوجئ رئيس الحكومة جدا بالمطلب البعيد المدى، ولا سيما حقيقة أثارته في أول لقاء تم بين الرجلين، بل زعم أصدقاء من الدائرة القريبة لرئيس الحكومة أن رئيس الحكومة وقع ضحية كمين أعده له الرئيس.

أجاب رئيس الحكومة انه لا يستطيع قبول هذا المطلب، وأضاف انه لا يمكن أن يتوقع منه استجابة مطلب لم يستجب له أي رئيس حكومة في إسرائيل في الماضي، وإن كان مستعدا لقبول التفاهمات التي تم الاتفاق عليها في شأن البناء في المستوطنات بين الرئيس بوش ورئيسي الحكومة ارييل شارون واهود اولمرت.

كان موقف إسرائيل انه بحسب التفاهمات التي أحرزت في الماضي بين إسرائيل والولايات المتحدة، لن تنشئ إسرائيل مستوطنات جديدة ولن تصادر أراضي خاصة، لكن سيحل لها أن تبني في مستوطنات قائمة لتلبية حاجات «الزيادة الطبيعية»، وعلى أثر هذه التفاهمات سيركز أكثر البناء في القدس أو في الكتل الاستيطانية الكبيرة، المرشحة لأن تُضم آخر الأمر إلى إسرائيل. ينبغي أن نذكر انه ليس من الواضح انه أحرزت بالفعل تفاهمات من هذا القبيل.

تزعم أصوات كثيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه التفاهمات اذا أحرزت، تخضع لرسم «خط بناء» لكل مستوطنة ؟ وهذه خطوة لم تخطها إسرائيل قط. ويعتقد آخرون أن كل تفاهم يتعلق بنشاط في المستوطنات في المستقبل سيكون خاضعا لإزالة 26 بؤرة استيطانية غير قانونية بنيت بعد شهر مارس 2001. ولم تفعل إسرائيل هذا ايضا. على كل حال، رفض الرئيس اوباما موقف إسرائيل، وكرر طلب تجميد المستوطنات التام. وانتهى اللقاء بلا اتفاق، وبنغمة ناشزة.

كلينتون تنكر التفاهم

بعد اللقاء بين الزعيمين زاد التوتر بين الدولتين. أنكرت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون علنا أمر وجود تفاهمات ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتعلق بقضية البناء في المستوطنات. جر هذا الإنكار اتهامات أخرى بين الطرفين.

وأنكر موظفون كبار في الإدارة الأميركية السابقة وفيهم نائب مستشار الأمن القومي ايليوت ابرامز، كلام وزيرة الخارجية كلينتون علنا، وزعموا ان الولايات المتحدة تراجعت عن تفاهمات سابقة مع إسرائيل. ومع ازدياد الاختلاف عمقا ازدادت الأزمة بين الدولتين عمقا ايضا. تغلبت الأصوات المعتدلة في نهاية الأمر.

فقد أدرك الأميركيون أن تجميد البناء المطلق التام، بغير قيد سلفا، وفي ضمن ذلك في شرقي القدس ـ التي تُعد بنظر الإسرائيليين ارض إسرائيل ذات السيادة وجزءا من عاصمتها ـ خطوة لا يمكن ان ينفذها لا نتانياهو ولا أي رئيس حكومة إسرائيلي آخر. مع ذلك، أدرك الإسرائيليون أن الأميركيين جديون في هذا الشأن وأن تفاهمات سابقة أو استعداد ادارات سابقة لغض النظر عن استمرار البناء في المستوطنات غير مقبولة عند إدارة اوباما، وان إسرائيل ستضطر إلى الموافقة على نوع ما من وقف البناء في الضفة الغربية.

اتصالات سرية

وكان من نتاج ذلك ان وافق الطرفان على بدء اتصالات سرية بين صاحب سر رئيس الحكومة، المحامي اسحق مولكو، ومبعوث الرئيس اوباما الخاص إلى الشرق الأوسط، السناتور جورج ميتشيل، لصوغ تسوية.

استمرت محاولة تقديم تسوية يقبلها الطرفان ستة اشهر تقريبا. ولا عجب في هذا لانه لم يوجد حكومة أو رئيس حكومة في إسرائيل وافقوا على التصريح علنا بتجميد تام للبناء في المستوطنات في أنحاء الضفة الغربية. وكان الامر الشاذ الوحيد موافقة رئيس الحكومة مناحيم بيغن، في مقام التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد مع مصر في سبتمبر 1978، على تجميد كل البناء في المستوطنات في المناطق مدة ثلاثة أشهر. مع ذلك ينبغي الفحص عن هذه السابقة في سياقها .

فقد وقعت في الفترة التي كان فيها في أنحاء المناطق آلاف معدودة من المستوطنين، أما اليوم فيعيش في الضفة الغربية نحو من 300 ألف شخص، وافق بيغن على تجميد لثلاثة أشهر فقط على خلفية النشوة التي أثارها اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر. وعلى ذلك فان الموافقة على تجميد المستوطنات في المناطق تحد معقد جدا لإسرائيل عامة ولرئيس الحكومة والحكومة الحالية خاصة.

يهودا بن مئير ـ معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

اضاءة

سؤال مركزي في هذا السياق هو (ما الذي أحدث التغيير في سياسة الولايات المتحدة وما الذي حث الرئيس اوباما على أن يؤكد بهذا القدر قضية المستوطنات؟). ليس لهذا السؤال جواب واضح لا لبس فيه. فثمة من يعتقدون ان الأميركيين ضاقوا ذرعا بـ «الحيل» وعدم صدق إسرائيل فيما يتعلق بقضية الاستيطان وأنهم طمحوا إلى وضع حد لتسويف إسرائيل في شأن التزامها الذي صرحت به مرارا كثيرة، وهو اقتلاع 26 مستوطنة غير مرخصة.

ويعتقد آخرون أن الإدارة الجديدة أرادت بكون ذلك جزءا من برنامج عمل الرئيس اوباما لفتح نافذة إلى العالم الإسلامي، أن تعرض موقفا أكثر اتزانا في شأن الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني واختارت أن تحصر عنايتها في شأن آمنت بأنه ستحظى فيه بتأييد واسع من الرأي العام.