يتصارع في العالم العربي تياران صراعا شديدا، وهما أولئك الذين يؤيدون تصورا سياسيا قوميا علمانيا والحركات الإسلامية المتطرفة التي تريد إنهاض الأمة الإسلامية، ولا تولي في حالات كثيرة أطر الدول الموجودة أهمية كبيرة. تنتمي نظم الحكم في أساسها إلى التيار الأول. فهي تصرف سياسة براغماتية هدفها في المقام الأول بقاء النظام نفسه، وفي المقام الثاني تقديم مصالح الدولة كما يفهمونها. اختارت نظم الحكم في هذا الإطار إقامة علاقات قريبة بالغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة اعتمادا على فرض أن هذه العلاقات تخدم المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لهم.
دعم جماهيري
ينتمي إلى التيار الإسلامي المتطرف في الأساس لاعبات من غير الدول، لكنها تتمتع بتأييد النظام الإيراني الإسلامي. ولها تأييد كبير بين الجمهور في جميع الدول العربية. من الفروض المقبولة أنه في أكثر الدول العربية، إذا حدثت انتخابات حرة حقيقية، فستفوز فيها الحركات الإسلامية. وهذا ما وقع في الجزائر في سنة 1991 وفي السلطة الفلسطينية في 2006.
وفي الانتخابات في العراق تمثل الأكثرية الشيعية في الأساس أحزابا ذات صبغة إسلامية. يرى الإسلاميون المتطرفون الغرب عدواً، هو تهديد وجودي ولاسيما من الجانب الحضاري. وهم يؤيدون تصور المقاومة الذي يمثل تحريضا على الوضع القائم، وعلى الهيمنة الغربية ونظم الحكم العربية التي تؤيدها، والسعي إلى تقويضها التام.
يمكن هذا التصور المشترك من عقد الجسور فوق الهوة في العالم العربي بين الشيعة وأهل السنة، ويمكن من عقد أحلاف وائتلافات بين الشيعة وأهل السنة إلى جانب الاستمرار على العداوة الشديدة بينهم في أجزاء أخرى من العالم العربي. وهكذا يصبح من الممكن أن يوجد في الوقت نفسه مساعدة إيران وحركة حزب الله الشيعية لحركة حماس السنية إلى جانب الحرب الأهلية في العراق بين أهل السنة والشيعة.
سوريا العلمانية
هذا التقسيم بطبيعة الأمر تقسيم في خطوط ثخينة، ولا يمثل على نحو دقيق الألوان التي تميز كل مكان والألوان المتوسطة. يوجد على سبيل المثال لاعبون عرب غير موجودين في مكانهم الطبيعي على حسب هذا التقسيم أو لاعبون يريدون تنمية علاقات بجميع الأطراف. كذلك سوريا التي نظام حكمها نظام علماني خالص من تأسيس حزب البعث. يحكم هذا النظام الأقلية العلوية.
وانضمت سوريا مع كل ذلك إلى محور المقاومة لأن هذا يخدم مصالح النظام والدولة ويشتمل ذلك على لبنان وفي مواجهة إسرائيل. وعلى نحو مشابه ترى قطر ونظام حكمها ملكي قدرتها على الحفاظ على علاقات بجميع الأطراف عنصراً مركزيا في بناء مكانة سياسية لا تناسب حجمها الصغير.
شعبية المقاومة
إن وجود هذا التقسيم الثنائي بين التيارين في العالم العربي يؤثر تأثيرا كبيرا في النظرة إلى إسرائيل وفي القدرة على تصريف سياسة تفصيلية مع إسرائيل. إن الصراع الإسرائيلي ـ العربي، ولاسيما العنصر الفلسطيني فيه، يلعب دورا مركزيا في حض جماهير عربية عريضة على تبني تصور المقاومة لان ذلك يرى تعبيرا يوميا عن «غزو» الغرب للعالم العربي، وعن التهديد الاستراتيجي ـ الأمني والتهديد العقائدي ـالثقافي معا، وتجسيداً لـ «المظالم» التي سببها العالم الغربي للمسلمين.
هذا التصور عند نظم الحكم العربية هو من جهة عامل حافز إلى تأييد المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين عن رغبة في إلغاء التأثير السياسي للصراع في جماهيرها، وهو من جهة أخرى عامل يحد جدا حرية عمل نظم الحكم تلك عندما تريد اتخاذ سياسة ايجابية من إسرائيل لتشجيعها على التقدم في مسار السلام.
وهكذا أصبحت نظم الحكم العربية من جهة ترى الصراع الإسرائيلي ـ العربي في السنين الأخيرة، ولاسيما الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، مع الهبات العنيفة المتوالية فيه، تهديدا شديدا ويراه بعضها تهديدا وجوديا لها.
ومن جهة أخرى يصبح هؤلاء الحكام أحيانا عاجزين غير قادرين على الأخذ بسياسة ربما تستطيع أن تساعدهم على إزالة هذا التهديد. إن هذا العجز هو تعبير آخر عن ضعف الدول العربية في مواجهة الدول غير العربية في الشرق الأوسط ؟ إيران وتركيا.
مظاهرات ضد إسرائيل
أثبتت زيادة الاقتتال في غزة في نهاية 2008 وفي بدء 2009 (عملية «الرصاص المصبوب») للدول العربية مرة أخرى مبلغ تأثير التطورات السلبية في القناة الإسرائيلية ـ الفلسطينية في الجو العام عند جماهيرها، على نحو يضعف تأييدها ويزيد في تأييد محور التحريض.
في زمن هذه الأحداث كانت المظاهرات في العواصم العربية أكثر عصفاً وأكثر مشاركة مما كانت المظاهرات في الضفة الغربية. اتخذت السلطة الفلسطينية وسائل لخفض اللهب وتحديد المظاهرات لكن نظم الحكم في هذه الدول خشيت أن تخرج المظاهرات عن السيطرة وصعب عليها مع كل ذلك أن تحدها.
شلومو بروم ـ معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي
المبادرة العربية
ترى الدول العربية مبادرة السلام العربية هي الأداة الرئيسة التي تمكنها من مواجهة التوتر بين الحاجة إلى تقديم المسيرة السياسية وبين الحاجة إلى مواجهة الرأي العام في دولها. تريد المبادرة التي تم تبنيها في قمة الجامعة العربية في بيروت في مارس 2002 وتمت الموافقة عليها من جديد في قمة الجامعة العربية في الرياض في 2007، تقديم الاتفاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.
وبين إسرائيل وسوريا من طريق الوعد بأنه إذا عرفت إسرائيل التوصل إلى اتفاق في قناتي التفاوض هاتين (تذكر الوثيقة بخطوط عامة ماذا يجب أن تكون بنية الاتفاقات)، فسيلتزم العالم العربي كله إنهاء الصراع، والسلام والتطبيع مع إسرائيل، وضمان أمنها.
