يشبَه الفساد الإداري والمالي في مجتمعاتنا العربية بالسوسة التي تنخر العمود الفقري للمجتمع، حيث أن المفسد عادة ما يتخفى وسط منظومة كاملة، ويصعب التعرف على نشاطاته غير القانونية، حيث لا يوجد أسباب واضحة وصريحة للفساد الإداري والمالي، إلا أن أغلب الدراسات الاجتماعية عادة ما تقرن بين الفساد الإداري والوضع المالي المتردي، وبرغبة الشخص أو الأشخاص في العيش بترف، والبحث عن سبل خارجة عن القانون تكفل لهم العيش الكريم وهو الشيء الذي لا يتحقق إن اكتفى ذلك الشخص براتبه فقط.
يقول مالك الصقلي الخبير في علم الاجتماع: «لا يقترن الفساد الإداري بدولة بعينها، أنما أغلب الأنظمة العربية والغربية تعاني من وجود أشخاص يتجاوزون حدود عملهم، ويخرجون عن القانون، لأسباب عديدة منها تحقيق كسب مادي معين، أو مصلحة أو منصب أو ترقية، وهم منتشرون جدا في الإدارات الحكومية وحتى في المؤسسات الخاصة، كما أنني لا أحب أن يقترن الفساد الإداري بالمال فقط بل إن بطء تنفيذ مصالح المواطن تعد أيضا فسادا إداريا، وكلمة «أرجع غدوة» وهي كلمة باللهجة التونسية تعني «عد في الغد» التي كانت على مر سنوات عديدة شعار الإدارة التونسية تعد أحد أوجه الفساد الإداري أيضاً.
التخلص من عقدة «أرجع غدوة»
يعتبر الباحث التونسي عبدالرحمن بوكف الذي يمتلك شهادتين علميتين في مادتي الإدارة والاقتصاد، أن تونس كانت في السابق كغيرها من الدول العربية تعاني من التراجع في الخدمات الإدارية المقدمة للمواطنين وذلك بسبب كثرة الإدارات والعاملين فيها وازدواجيتها، إلا أن تونس من بعد عام 1987 تحسنت إداريا بنسبة ملحوظة.
حيث قررت الحكومة أن تتحرى عن السبب الرئيسي في سوء العلاقة بين الإدارة الحكومية والمواطن، ومن ثم عملت على تحسين كفاءات العاملين في الإدارات كبداية ومن ثم اعتمدت برنامجا طموحا للحد من عملية الفساد الإداري وتحسين علاقة المواطن بالأجهزة الحكومية وإرجاع ثقة المواطن بالمؤسسات الإدارية.
ويكفي أن نعرف أن بعض الأوراق الثبوتية كشهادات الحالة المدنية وغيرها أصبحت تستخرج في ظرف دقائق بينما مازالت دول أخرى تستخرج هذه الأوراق للمواطنين بعد أيام وأسابيع طويلة.
ولعل المواطن التونسي أصبح اليوم يتعامل مع الإدارة التونسية بكل ثقة واحترام حيث يعرف أن حقه محفوظ بفصول عديدة من الدستور التونسي كما أن كل إدارة أصبح فيها لوحة كبيرة ملصقة في إحدى الجدران مكتوب فيها حقوق المواطنين على الإدارة، فحتى الجاهل بالقانون والحقوق أصبح يعرف الآن ما يجب أن تقدمه له الإدارة دون تململ، وهذا حد من نسبة التجاوزات التي كانت تحصل في الإدارات بشكل كبير بين المواطن العادي وبين الإدارة، وقد تخلصت الإدارة التونسية من عقدة «ارجع غدوة» بنسبة 80 بالمئة بفضل النظم الإدارية العديدة التي وضعتها الحكومة، وهي نسبة مشجعة وسائرة في خط تصاعدي منظم.
الرقابة الإدارية أصبحت واجبا ملحاً
تقول نزيهة بن صالح الخبيرة القانونية والباحثة في علوم الإدارة والرقابة على المؤسسات: من الواضح أن الفساد الإداري والمالي موجود في كل المؤسسات وفي مختلف الدول بنسب متفاوتة، والجيد أن الحكومة التونسية تضرب بعصا من حديد على كل من يقوم بتجاوزات مالية أو إدارية وتعاقبه بالسجن وبغرامة مالية وبالطرد من الوظيفة في حال ثبوت التجاوزات.
وحتى ينال كل متعدى جزائه تضع أغلب الإدارات والمؤسسات الحكومية خلية مراقبة، تقوم على متابعة العاملين من أعلى السلطة إلى أصغرها وحتى ذلك الموظف البسيط تقوم بمراقبته، وتتابع بحزم كل شكوى قد يتقدم بها المواطن العادي، حيث توجد لجنة استماع وتقصي حتى لا يضيع حق المواطن من ناحية وحتى تتخلص الإدارة من عضوها المعطوب الذي قد يؤثر على سمعة المؤسسة وقيمتها.
وقد يعتبر البعض أن الرقابة الإدارية هي مجرد ترف إداري ولكنها اليوم أصبحت واجبا ملحا في كل مؤسسة بعد تنامي أعداد الباحثين عن وظائف والذين يكونون عادة هدف لبعض الطامعين، وأغلب الحالات المسجلة والشكاوى صدرت من متخرجين جدد من الجامعات يبحثون عن وظيفة، حيث يتم استغلالهم ماديا من أجل توظيفهم ولكن يكتشفون بعد مرور الوقت إنهم تعرضوا إلى عملية نصب لا أكثر.
اختفاء الوازع الديني من أبرز أسباب الفساد
ضعف العقيدة والفقر عند الناس يؤدي إلى ظهور الرشوة آفة المجتمع، هذا ما قاله الأستاذ في علوم الشريعة وأصول الدين ناجي معروفي، ويضيف:» أن الرشوة المالية هي من أبرز أوجه الفساد الإداري حيث تعتمد بعض الخدمات الإدارية على الرشوة إذ يعتمد المسؤول أو المدير إلى ابتزاز المواطن من أجل استخراج وثيقة أو غض النظر على شيء معين.
وصحيح أن الإدارة التونسية تجاوزت الأزمة بكثير عبر خلايا المراقبة المنتشرة هنا وهناك مما قلل التجاوزات إلا أننا لا نستطيع أن ننفي وجود هذه الفئة تماما وقبل أيام قرأت في إحدى الصحف اليومية عن موظف إداري مرموق تم طرده من وظيفته بسبب تجاوزه المهني وهاهو اليوم يقبع في السجن لحين الحكم عليه، أي أن القانون لا يعلو على أحد مهما كانت قيمته أو وظيفته ونحمد الله أننا اليوم أمام جيل جديد يعي القانون ويخاف من الله ويعرف أن العقاب الإلهي والبشري سيكون له بالمرصاد إذا ما حاول تجاوز مهنته واستغلال منصبه لأغراض شخصية.
تونس ـ ضحى السعفي
