يركز الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، في هذا المنعطف من كتابه «نقاط اتخاذ القرار» على ثلاثة جوانب مهمة، أبرزها زيارته للإمارات في يناير 2008، حيث يشيد بما أحرزته الدولة من نهضة علمية وثقافية بارزة، ويقول إنه رأى مستقبل الشرق الأوسط في ما تم إنجازه تحت آفاق الإمارات، التي يشيد بقيادتها وحرصها على مزيد من العمل والإنجاز.

ويلقي بوش الضوء على العلاقات الأميركية ؟ السعودية التي يحرص على أهميتها البالغة، ويقول إنه في لقائه مع ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز أدرك مدى حرص القيادة السعودية على القضية الفلسطينية واستنكارها للاعتداءات الإسرائيلية التي تحولت إلى واقع يومي في حياة الفلسطينيين قيادة وشعباً.

ومن جانب ثالث، يبادر بوش إلى الإشارة إلى أن دعوته لإقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين ترتبط بإيجاد قيادة فلسطينية جديدة، وقد رأى فيها قوة دافعة لاتخاذ القرارات الصعبة من جانب الفلسطينيين والإسرائيليين لتحقيق السلام، لكنه في غضون ذلك يكشف عن تأييده لبناء الإسرائيليين لجدار الفصل العنصري الذي يسلب جانبا كبيرا من الأراضي التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

لم يفكر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في كتابة مذكراته قط إلا في العام الأخير من رئاسته، ويقول إن كتابه «نقاط اتخاذ القرار» يعتمد في أجزاء كبيرة منه على ذاكرته الشخصية، وعلى بعض الوثائق، إضافة إلى بعض الدوريات المطبوعة التي كان يحتفظ بها، وبعض المصادر الأخرى. والمنهج الذي تقوم عليه المذكرات لا يعتمد على التسلسل الزمني للأحداث التي يرويها، كما أنه لا يعتمد على حادثة بعينها يحكيها ثم ينتقل إلى حادثة أخرى، وهكذا، وإنما يقوم على وجود قرار أو مجموعة من القرارات وعليه الاختيار بينها، فيضطر إلى استعراض مواقف متعددة دون رابط زمني أو مكاني بينها، والرسالة التي يريد توصيلها من وراء ذلك مفادها الصعوبة التي كان يجدها عندما يصل إلى مرحلة اتخاذ القرار. ويبرز في هذا المنعطف من الكتاب لقاءان، أشار إليهما بالتفصيل في مواضع متفرقة من الكتاب الأول مع «الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، واللقاء الثاني مع ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز».

إعجاب بالإمارات

ويبدي بوش إعجابا شديدا بالنهضة العلمية والثقافية التي تشهدها دولة الإمارات، ولا يخفي انبهاره بصفة خاصة بطلبة الجامعات في دبي، ويقول إنه بعد لقاء جمعه على العشاء مع «سمو ولي عهد أبوظبي في أحد المنتجعات الصحراوية: «أدركت أن الشرق الأوسط يسير إلى مصيره المحتوم، إلى الحرية، وإلى إقامة علاقات وثيقة مع أميركا».

ويتابع: «في يناير 2008، قمت بزيارة إلى دبي وأبوظبي، وكلاهما إمارتان احتضنتا السوق الحرة وتميزتا بانفتاح مجتمعاتهما، حيث تتلألأ ناطحات السحاب في وسط المدينتين، اللتين تعجان بمقار الشركات وأصحاب الأعمال من الرجال والنساء على السواء. وزرت في دبي طلاب الجامعات الذين يدرسون في مختلف العلوم والأعمال والتاريخ.

إطلالة على المستقبل

ويتابع: «في اليوم الأخير لزيارتي لدولة الإمارات، دعاني ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان إلى تناول العشاء في منتجعه الصحراوي، وأخبرني أن عدداً من المسؤولين في الدولة سوف ينضمون إلينا على العشاء».

ويضيف بوش: «لقد توقعت أن أرى رجالاً في منتصف العمر، لكنني كنت مخطئاً، إن حكومة الإمارات ضمت شابات في مقتبل العمر ومتوقدات الذهن، وتحدثن عن تصميمهن على الاستمرار في الإصلاح والتقدم لتعميق العلاقة مع الولايات المتحدة، لقد رأيت في الصحراء في تلك الليلة مستقبل الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي تحتضن ثقافتها القديمة، وهي تتطلع إلى المستقبل.

سوف يستغرق إحداث التغيير عقوداً حتى يتحقق، سوف تكون هناك انتكاسات على الطريق، لكنني على يقين بالقدر المحتوم، وهو أن الناس في الشرق الأوسط سوف يتحررون، وأن أميركا ستكون أكثر أمناً نتيجة لذلك».

وبمزيد من السرد التفصيلي يحكي بوش عن لقاء جمعه بالملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد، وكان حول سبل تحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، فيقول: «كان من الواضح أن ولي العهد السعودي لم يكن يشعر بالارتياح إزاء رئيس الوزراء الإسرائيلي اريل شارون.

ومنذ اللقاء الأول الذي جمع بين الرئيس فرانكلين روزفلت بمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود، كانت علاقتنا بالمملكة واحدة من أكثر العلاقات حساسية. فالسعودية تجلس علي خُمس النفط الموجود بالعالم، كما أن لها تأثيراً هائلاً باعتبارها تضم الحرمين الشريفين في مكة والمدينة».

ويبدي بوش لولي العهد السعودي آنذاك، ويسوق لنا قصة لم يشرح مغزاها، لكنه عرضها بتفاصيلها كما هي، وتركنا نحن قراء مذكراته نستشف منها ما نشاء، وهي تدور حول طائر الديك الرومي الذي شاهداه معاً، وهو يسد الطريق أمامهما في مزرعة كراوفورد.

يقول جورج بوش «دعوت ولي العهد السعودي، إلى مزرعتي بكرافورد بهدف تعزيز علاقتي الشخصية به» ويتذكر الأجواء التي صاحبت هذا اللقاء فيقول: «كان هناك اجتماع القمة العربية ببيروت عام 2002، وأظهر ولي العهد قيادته وطرح مبادرة سلام جديدة. وتعتمد رؤيته فيها علي قيام إسرائيل بإعادة الأرض للفلسطينيين لإنشاء دولة مستقلة تعلن رفضها للإرهاب وتعترف بحق إسرائيل في الوجود. وكان هناك الكثير من التفاصيل التي تستحق المناقشة، لكن التصور نفسه الذي عرضه ولي العهد، لقي تأييداً مني».

ويواصل رواية القصة: «وفي مساء يوم اجتماع القمة الذي عقد في بيروت، اقترب احد عناصر حركة حماس، ودلف إلى أحد المطاعم المزدحمة بفندق في ناتانيا الإسرائيلية، وفجأة تحول المكان إلى الجحيم، على حد قول أحد الذين كانوا في المطعم آنذاك. وتم قتل 30 إسرائيليا وجرح 140 آخرين.

وكرد فعل، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون باجتياح الضفة الغربية، وفي وقت وجيز ألقت القوات الإسرائيلية القبض علي مئات من المشتبه بهم من حركة حماس، وحاصرت مقر ياسر عرفات في رام الله، وأعلن شارون أنه سيبني حاجزا أمنيا يفصل بين التجمعات الإسرائيلية والفلسطينيين في الضفة الغربية. لكن الجدار لقي إدانة واسعة، وكان أملي أن يتيح بناء الجدار الأمن للإسرائيليين من أجل اتخاذ الخيارات الصعبة لتحقيق السلام.

وطلبت في اجتماعاتي المغلقة من شارون إنهاء عمليته العسكرية في الضفة، وذلك بعد أن أجرى عرفات حواراً تليفزيونياً على ضوء الشموع. وفي تلك الأجواء وصل ولي العهد السعودي إلى مزرعتي، وكان غاضباً بسبب العنف الذي أظهره شارون، وبعدها علمت أنه كان محبطاً أيضا».

الدبلوماسية والطريق

ويطلق جورج بوش على ولي العهد السعودي آنذاك مجموعة من الأوصاف الكريمة في مذكراته، فيقول عنه: «يتسم ولي العهد بأنه رجل مهذب، ومتواضع، وخجول، فهو يتحدث بهدوء، ولا يشرب الكحوليات، ويصلي خمس مرات في اليوم. وعلى مدار ثمانية أعوام لا أذكر أنني شاهدته بدون زيه التقليدي الذي يرتديه».

وبعد جلسة مباحثات قصيرة، طلب ولي العهد وقتاً ليجلس بمفرده مع وزير خارجيته وسفيره في واشنطن. لكن بعد عدة دقائق أقبل علي جمال هلال المترجم بوزارة الخارجية، وفي عينيه نظرة منكوبة وقال: «سيدي الرئيس، أعتقد بأن السعوديين يستعدون الآن للمغادرة».

ويتابع: «شعرت بالدهشة؛ فقد كنت المحادثات تسير بشكل طيب، لكن جمال هلال شرح لي أن السعوديين توقعوا مني أن أقوم بإقناع شارون بالانسحاب من رام الله قبل وصول الملك. وأصر السعوديون أن أقوم على الفور بإجراء مكالمة هاتفية مع شارون، وأطلب منه ذلك. لكنني لم أكن لأجعل دبلوماسيتي تسلك هذا الطريق. وأرسلت كولن باول إلى الغرفة الموجود بها ولي العهد السعودي لاستطلاع الأمر، فأكد لي أن الضيوف في طريقهم نحو الباب للانصراف».

علاقات محورية

يقول بوش: «أدركت ساعتها أن العلاقة المحورية التي تبنيها أميركا مع السعودية علي وشك أن تتمزق. لكنني اصطحبت (جمال) المترجم إلى الغرفة، وطلبت أن أجلس مع المسؤول وحدنا. فلقد قرأت شيئين مثيرين للاهتمام عنه. الأول هو أنه رجل متدين شديد الإيمان، والثاني هو حبه الشديد لمزرعته. وقلت له: «أريد أن أتناقش معك حول الدين. وتحدثت إليه حول معتقداتي المسيحية ودور الدين في حياتي، واعتقدت بأنه سيبادلني الحديث عن ديانته، لكن حالته المزاجية لم تكن مناسبة».

وتابع: «وفي محاولة أخيرة مني قلت: «هلي لي أن أريك مزرعتي؟، فأومأ بالموافقة. وخلال دقائق قصيرة ركبنا سيارة فورد بيكاب 250، واصطحبته بمفرده مع جمال المترجم لأريه معالم المزرعة، وأنواع الأشجار المختلفة والنباتات التي زرعتها لورا بنفسها. لكنه كان يستمع في صمت. ثم وصلنا إلى جزء ناء من المزرعة ووجدنا ديكا روميا يقف في منتصف الطريق مما دعاني إلى إيقاف السيارة».

وسأل ولي العهد السعودي : ما هذا؟ «فقلت له إنه ديك رومي، وإن فرانكلين روزفلت عشق هذا الطائر لدرجة أنه ود لو كان بمثابة الطائر القومي لأميركا. لكن فجأة، مد ولي العهد يده إلى ذراعي، وقال: هذا فأل طيب».

اضطرابات الشرق الأوسط

ويعلق بوش قائلاً إنه لم يفهم أبدا أهمية هذا الطائر، ويتابع: «لكنني شعرت أن حالة التوتر بدأت في الذوبان». وعندما عدنا إلى المزرعة، فوجئ الجميع عندما سمعوا أننا سنتناول الغداء معا. وفي اليوم التالي تلقيت مكالمة هاتفية من أمي وأبي، فقد توقف ولي العهد السعودي في هيوستن لزيارتهما.

وخلال بقية فترة رئاستي، كانت علاقاتي بولي العهد الذي أصبح فيما بعد العاهل السعودي، علاقة وثيقة. ولم أر هذا الطائر من قبل في مزرعتي، لكنني لم أعد أراه بعد ذلك».

وينتقل الرئيس الأميركي مباشرة بعد هذا التقديم لعلاقاته بولي العهد السعودي، إلى ما يسميه «الاضطرابات في الشرق الأوسط». ويقول: «لقد خلصت إلى أن المشكلة الجوهرية في الشرق الأوسط هي غياب الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية، فحيث لا توجد دول يفتقد الفلسطينيون مكانهم المشروع والطبيعي في العالم.

وحيث لا يوجد مستقبل يصبح الفلسطينيون أداة طيعة في أيدي المتطرفين، وحيث لا توجد شرعية رئاسية ملتزمة بمقاومة الإرهاب، يفقد الإسرائيليون شريكا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق السلام، لقد اعتقدت بأن الحل هو في إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يقودها مسؤولون منتخبون، يلبون حاجات مواطنيهم ويرفضون الإرهاب ويسعون لتحقيق السلام مع إسرائيل».

رسالة دالة

ويشير بوش إلى أن دعوته إلى إقامة دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب في سلام وأمن مع إسرائيل، اقترنت دائما بإيجاد قيادة فلسطينية جديدة. ويقول: «بعد اندلاع العنف في ربيع عام 2002، شعرت بأننا في حاجة إلى لاعبين جدد، وكنت أعرف أنني ساعتها سأكون أول رئيس أميركي ينادي بإقامة دولة فلسطينية، وحداني الأمل في أن تكون رؤيتي هذه، بمثابة القوة الدافعة لاتخاذ القرارات الصعبة من كلا الطرفين لتحقيق السلام».

ويتابع: استند منطقي إلى أنه لا يوجد طريق نحو السلام سوى أن يقف جميع الأطراف صفاً واحداً في محاربة الإرهاب. ودعوت الفلسطينيين إلى إجراء انتخابات لاختيار قادة جدد، قادة يعتبرون الإرهاب كحل وسط، دعوتهم إلى بناء ديمقراطية تقوم على التسامح، وسوف تكون أميركا والعالم بأسره في جانبهم. لكن بوش يقول إن دعوته إلى إقامة دولة فلسطينية جعلت والدته تهاتفه علي الفور وتسأل: «كيف حال أول رئيس يهودي لأميركا؟»

ويعقّب: «انتابني ساعتها شعور غريب بأن أمي لا يعجبها سياستي الخارجية إزاء مشكلات الشرق الأوسط. وكان معنى مكالمة أمي أن والدي لديه أيضا الرأي نفسه الذي تردد صداه في مكالمة أمي علي الهاتف.

لكن ذلك لم يدهشني، ففي الوقت الذي كنت أعتبر ياسر عرفات قائداً فاشلاً، كان العديد من قادة العالم يرونه أفضل أمل لتحقيق السلام، لقد أضحكتني أمي من أعماقي، لكنني اعتبرت رسالتها مؤشراً لعمق المعارضة التي ألقاها».

المؤلف في سطور

ولد جورج واكر دبليو بوش في 6 يوليو 1946، وهو رئيس الولايات المتحدة الثالث والأربعون، وكان حاكماً لولاية تكساس قبل توليه رئاسة الدولة وذلك من 1995 إلى 2000. وقد انتخب رئيساً بعد انتخابات جاءت نتيجتها متقاربة مع منافسه الديمقراطي آل غور. وفي عام 2004 أعيد انتخابه للمرة الثانية لمدة أربع سنوات بعد تغلبه على مرشح الحزب الديمقراطي جون كيري، وذلك بعد حملة هي الأكبر في تاريخ الانتخابات الرئاسية لأكبر بلدان العالم حيث كان له ستة داعمين من رجال الأعمال والشركات.

عدد الصفحات: 512

الناشر: كراون, نيويورك, 2010

عرض ومناقشة: طارق فتحي, نيويورك