كان من الأفضل للرئيس جورج بوش الابن، ألا يكتب مذكراته ولا يظهر على الشاشة للترويج لكتابه أو على الأقل أن يؤجل صدور هذا الأخير. فطوفان الردود التي ما زالت تتوالى، كان إجمالاً أقرب إلى المحاكمة. إطلالته نكأت الجروح وجدّدت التذكير بمآثره المدمرة وفتحت عليه، مرة أخرى، حنفية النقد اللاذع وعملته كالعادة، مادة للتهكم في برامج الترفيه والتنكيت.
المواقع الالكترونية حفلت بالتعليقات الجارحة، على سيرته منها ما صنّفه في خانة «خبير الحروب». ومنها ما دعا المكتبات إلى عرض كتابه في قسم «كتب الجريمة».
كما ان توقيت عودته إلى الساحة، لم يكن موفقاً. إما أن تقدير الرئيس السابق، كالعادة؛ تعيس. وإما أنه ما زال يستعين بمستشارين أتعس. كان عليه الاطلاع على نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، قبل أن يطل من جديد. 71 في المئة من الأميركيين يحمّلونه مسؤولية الأزمة الاقتصادية، حسب استبيان في سبتمبر الماضي. آخر، جرى قبل أسبوعين؛ يبيّن أن 53 في المئة من الأميركيين؛ ينظرون بسلبية إلى عهده. ثم هو بالكاد مضى على مغادرته الرئاسة سنتان.
وهي ليست كأي رئاسة أخرى. كانت مفجعة. تركته ما زالت حاضرة. في أميركا والعالم وبالذات منطقة الشرق الأوسط. بل هي مرشحة وبقوة لتبقى تجرجر حتى إشعار آخر؛ ليس بالقريب. مع ذلك، لا يتردّد الرئيس السابق في الإعراب عن أمله بأن يأتي الحكم عليه من النوع الذي يضعه في باب «الرئيس الناجح» !
ما قاله، خلال مقابلة تلفزيونية لتقديم كتابه «نقاط القرار»، أثار موجة من التعليقات الناقدة. بل أكّد الصورة النمطية عنه. حديثه كان في معظمه حول شخصه وسلوكه وحياته قبل دخول المعترك السياسي. ما كشف عنه، في هذا المجال؛ كان معروفاً. زاد عليه بعض التفاصيل، التي تعزّز الانطباع السلبي السائد. وبالتحديد معاقرة الخمرة. اعترافه بذلك ما كان من باب الشجاعة، أكثر ما كان من باب محاولة التعويض عن غيابها، حيث كانت مستوجبة. وبالذات في موضوع الحرب على العراق. هنا كان الاعتراف بالخطأ شجاعة.
وكان له أهميته لو حصل. لكن الرئيس لم يتزحزح. قرار حربه كان في محله، كما زعم. حتى في أميركا، سقط تسويغ غزو العراق. بضاعة كاسدة، لم يعد لها سوق؛ منذ أن بات واضحا ومؤكداً بأن الحرب كانت مفتعلة وذرائعها مفبركة. الإصرار على خلاف، مكابرة بائسة. لكن الرئيس متشبث بها. وحده مع نائبه تشيني، مصرّ على صوابيتها. موقف جدّد التمسك به في حديثه وكتابه.
ويمكن الرئيس لم يجانب الحقيقة عندما قال ان صدور كتابه «قد يصدم البعض». فعلاً هو كذلك. لأنه من نوع «عنزة ولو طارت». ولأنه خلا من النقد والتصحيح وليس لأن هذا البعض يعتقد بأن الرئيس «لا يحسن القراءة والكتابة»، كما قال مازحاً في مقابلته.
وإقراره بأنه كان بإمكانه أن يدير الأمور بشكل أفضل وبأنه وقع «في أخطاء»، لا يغطي هذا التملّص. فهو يفقد أهميته طالما استثنى الأخطاء بل الخطايا القاتلة.
من عادة الرؤساء الأميركيين كتابة مذكراتهم بعد مغادرة البيت الأبيض. في معظم الحالات تأتي سردية. تسلّط الأضواء على تفاصيل وخفايا، لم تكن معروفة. أو تأتي لتؤكدها. ولذلك يحصل إقبال عليها. لكنها ليست عموماً، من الصنف النقدي.
خاصة لصميم وجذور السياسات؛ ولا من النوع التقييمي أو الذي يطرح رؤى وأفكارا، بلورتها التجربة. أهم ما فيها، الاعتراف بالسقطات والأخطاء، ولو أنها تكون في معظم الأحيان، معروفة. أو مشتبها بها.
وعادة يفعلون ذلك من زاوية تسجيل موقف لكسب شهادة حسن سلوك ولو متأخرة. لكن عودة الرئيس بوش الباهتة، قد تحقق له أي شيء إلاّ مثل هذه الشهادة.
واشنطن - فكتور شلهوب