لا يتردد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش هنا في إلقاء الضوء على موضوعين بالغي الأهمية، أولهما القصف الإسرائيلي للموقع العسكري السوري في دير الزور، الذي زعمت إسرائيل أنه مفاعل نووي سري، وهو ما يؤكده بوش هنا استنادا إلى معلومات مصدرها دولة صديقة لأميركا، فيما نفت دمشق ذلك بشدة، ويزيح بوش عن نسيج هائل من التفاصيل التآمرية التي تكشف تعصبه الأعمى لإسرائيل على حساب الحقوق العربية.
ونتابع المداولات بين صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب حول قصف المفاعل النووي السوري ومن الذي يتعين أن يقوم به وآليات العمل لتحقيق هذا الهدف، حيث يكشف بوش عن ثلاثة خيارات كانت مطروحة في هذا الصدد انتهى النقاش المكثف بين الجانبين حولها إلى قيام الطيران الإسرائيلي بقصف الموقع، وهو التحرك الذي لا يخفي بوش النصيب الوافر الذي ساهم به في اعتماده وتنفيذه.
أما الموضوع الثاني الذي يتطرق إليه الرئيس الأميركي السابق هنا فهو متعلق بالعلاقات الأميركية- الباكستانية، وعلى الرغم من أن بوش يقر بأن إسلام أباد دفعت ثمنا باهظا لما يسميه بعلاقتها مع الإرهاب، إلا أنه يرى أن باكستان ليست قادرة ولا راغبة في محاربة طالبان والقاعدة.
بقصد أو بدون قصد، يواصل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الكشف عن الدور الذي قام به لإشاعة ما سمته الدبلوماسية الأميركية حينئذ الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط وتحرير شعوبها ونشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، مهما كان الثمن.
وفي الوقت نفسه يكشف بوش أيضا وبوضوح شديد أنه فقد ثقته في المعلومات التي تقدمها له وكالة المخابرات المركزية «سي أسي ايه» وأجهزة الاستخبارات الأخرى.
المرة الأولى عندما أرسل قواته لغزو العراق بناء على معلومات استخبارية تبين لاحقا أنها غير صحيحة، والمرة الثانية كانت فيما يتعلق بمنشأة دير الزور في سوريا وما تردد وقتها- ولا يزال- بأنها مفاعل نووي سري تسعى دمشق لبنائه بمساعدة كوريا الشمالية. وقد قامت إسرائيل بتوجيه ضربة جوية للموقع في 6 سبتمبر 2007، وذلك حتى تحول دون حصول السوريين على السلاح النووي، وهو ما نفته ـ ولا تزال ـ سوريا بشدة، وأعلنت وقتها أن مجالها الجوي قد تم اختراقه، ولم تعط مزيدا من التفاصيل.
المبنى الغامض
يقول جورج بوش إن أجهزة مخابراته قدمت له: «معلومات تؤكد أنه لا يوجد لديها أدلة تشير إلى أن السوريين يطورون برنامجا للحصول على أسلحة نووية، لكن وفي ربيع 2007، تلقيت صورا غاية في السرية من شريك استخباري أجنبي.
وقمنا بالتدقيق في الصور التي كشفت عن وجود مبنى مثير للشك، ومخبأ بشكل جيد في عمق الصحراء الشرقية لسوريا» في.رمنطقة دير الزور لكن دمشق قالت وقتها إن المبني عبارة عن منشأة عسكرية قديمة.
وهنا لا يقدم لنا بوش أي إشارات حول جهاز الاستخبارات التابع لدولة صديقة للولايات المتحدة، والذي قدم له هذه «الصور عالية القيمة».
ويسرد بوش القصة قائلا: « كان المبنى الذي دمره الإسرائيليون، يشبه إلى حد كبير منشأة يونغبون النووية في كوريا الشمالية. وعرفنا أن هذه المنشأة هي مفاعل نووي قادر على إنتاج البلوتونيوم اللازم لتصنيع السلاح النووي، ونظرا لأن كوريا الشمالية كانت هي الدولة الوحيدة التي بنت مفاعلا من هذا النمط على مدى 35 عاما، فلقد تأكدنا ساعتها أنه بإمكاننا الإمساك بسوريا، وهي تسعى لتطوير قدراتها لإنتاج سلاح نووي بمساعدة تقنية وعسكرية من بيونغيانغ».
ويمضي الرئيس السابق في كشف تفاصيل بقية القصة، ويقول «في اليوم التالي لتلقي التقرير من جهاز مخابرات الدولة الصديقة لنا، اتصل بي عبر الهاتف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وقال لي:
جورج أنا أطلب منك أن تقصف المنشأة. وقمت بالرد على رئيس الوزراء قائلا: «شكرا لإثارتك ذلك الأمر. اترك لي بعض الوقت للتدقيق في المعلومات الاستخبارية وسأقوم بمنحك ردا».
ثلاثة خيارات
ويستطرد بوش في رواية القصة بقدر كبير من التفصيل، فيقول: «عقب انتهاء المكالمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي،عقدت اجتماعا لفريق الأمن القومي وأجرينا نقاشا طويلا ومكثفا، فمن الناحية العسكرية، يمكننا قصف المنشأة السورية بسهولة متناهية، ولكن قصف دولة تتمتع بالسيادة من دون تحذير أو مبرر معلن قد يؤدي إلى رد فعل حاد وقوي للغاية».
يبدو أن هذا الخيار لم يجد قبولا من قبل المجتمعين، وهو ما دفع أحد أعضاء فريق الأمن القومي إلى طرح خيار آخر، وهو: «توجيه ضربة سرية للمنشأة، وكانت فكرة جيدة تمت دراستها بدقة، لكن جنرالات الجيش خلصوا إلى أنها ستكون مخاطرة كبرى أن يتسلل رجالنا إلى داخل الأراضي السورية، وهم محملون بالمعدات والمتفجرات الكافية لتدمير المنشأة، والعودة سالمين».
واهتدينا إلى خيار ثالث، وهو إطلاع حلفائنا على المعلومات الاستخبارية التي لدينا والكشف عن المنشأة بصورة جماعية ومطالبة سوريا بإغلاقها وتفكيكها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
ويتابع: «ومع الكشف عن تورط النظام السوري، فإنه من الممكن استخدام ما لدينا من أوراق للضغط على دمشق، من أجل إنهاء دعمها للإرهاب والتدخل في شئون العراق ولبنان. وإذا رفضت سوريا تفكيك المنشأة، فإنه سيكون لدينا مبرر واضح أمام العالم للقيام بتحرك عسكري».
ويشير الرئيس الأميركي السابق، بعد ذلك، إلى أنه تلقى تقييماً من رئيس الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» آنذاك مايك هايدن، أعرب فيه عن ثقته في أن المنشأة السورية هي في حقيقتها مفاعل نووي، لكنه أبدى شكوكاً في أن يكون لدى دمشق برنامج نووي.
وعليه رد بوش على أولمرت بقوله: «لا يمكنني أن أبرر هجوماً على دولة ذات سيادة، ما لم تعلن وكالات الاستخبارات الأميركية بأن الأمر يتعلق ببرنامج تسلح».
تفاصيل تآمرية
وعندما نقل بوش قراره إلى أولمرت، أصيب الأخير بخيبة أمل، ويقول بوش: «لكن صور المراقبة بعد القصف الإسرائيلي أظهرت المسؤولين السوريين وهم يبذلون جهودا مضنية لمحو آثار ما تبقى من المبنى».
ويضيف بوش: إذا كانت المنشأة فعلا ليست مفاعلا نوويا، فإن الرئيس بشار الأسد كان سينتهز الفرصة ويرسل صرخاته من منبر الأمم المتحدة، لقد كنت على يقين من النتيجة التي توصلنا إليها».
ولا يتوقف دور الرئيس الأميركي السابق عند هذا الحد، بل يقول إنه اقترح على أولمرت عدم الإعلان عن قيام الطيران الإسرائيلي بعملية القصف»، وبعد ذلك نكشف عن العملية بهدف عزل النظام السوري، لكن أولمرت طلب المحافظة على السرية الكاملة، واحترمت قراره.
وبقيت هادئا، رغم اعتقادي أنه فوت علينا فرصة». وينفي بوش أن يكون قد أعطى الضوء الأخضر لأولمرت لكي يقصف الطيران الإسرائيلي المفاعل، لكنه يعتقد أنه «فعل ما هو ضروري لحماية إسرائيل».
ويشير بوش إلى أن هذه التفاصيل التآمرية التي يكشفها بوش للمرة الأولى في مذكراته ودعمه الأعمى لإسرائيل على حساب الحقوق العربية يعود إلى معتقداته الدينية وإيمانه التوراتي «بحق إسرائيل في الدفاع عن وجودها وسط دول المنطقة».
ويقول إنه تحول إلى: «إنسان آخر بعد لقاء مع المبشر جراهام بيل على العشاء ذات ليلة، «وبدأت أقرأ الكتاب المقدس كل صباح من أيام رئاستي، وأصبح الإنجيل مصدر راحة لي». كما يعزو الرئيس الأميركي السابق المشاعر الدينية التي تملكت عليه حواسه إلى زوجته وابنتيه، وقبل كل ذلك إلى خياراته الشخصية.
نهاية قبيحة
ويتصور الرئيس السابق بوش ـ بوعي أو بدون وعي ـ أن الأزمات التي لاحقته في بداية توليه منصبه، مثل هجمات سبتمبر ـ أو التي شلت قدرته تماما في الأسابيع الأخيرة من ولايته الثانية، مثل توابع الانهيارات المالية وإعصار ايكا الذي ضرب ولاية تكساس،كأنها مجموعة من الابتلاءات التي يختبره الله تعالى بها.
يقول الرئيس الأميركي السابق: «في الأسابيع الأخيرة من ولايتي الثانية ساءت الأوضاع بصورة هائلة ونحن نشهد فشل أكبر كيانين اقتصاديين في الرهن العقاري، وإفلاس بنك استثماري كبير وبيع آخر، وتأميم أكبر شركة تأمين في العالم، والآن نضطر لأن نتدخل في آليات السوق الحرة بصور جذرية .
وبشكل لم يحدث منذ رئاسة روزفلت ، وفي الوقت نفسه، احتلت روسيا جورجيا، وضرب إعصار إيكا ولاية تكساس، وكل ذلك في الوقت الذي تخوض أميركا الحرب على جبهتين في العراق وأفغانستان، باختصار كانت هذه طريقة قبيحة لإنهاء الرئاسة».
علاقات معقدة
هناك الكثير في هذه السطور، وغيرها متناثرة على صفحات الكتاب، تشير بوضوح إلى شخصية الرئيس السابق، فهو يدرك حجم المخاطر التي يواجهها، ولا يبدو غافلا عنها، لكنه لايستسلم لها، ويتقبلها ويبدي استعداده لعمل أي شيء من أجل مواجهتها، وذلك كما يقول انطلاقا من إيمانه العميق الذي يشعر به. وبعد اعترافه بالنهاية القبيحة لرحلة رئاسته يضيف:
«لم أكن أشعر بالأسف لنفسي. فالرثاء للذات أمر مثير للشفقة خاصة إذا كان لقائد مثلي، فقد كنت أشعر بالارتياح لأن قناعاتي هي أن الله القدير لا يعطي المؤمن به أعباء لا يمكنه التعامل معها».
ويبدو أن هذه المشاعر نفسها هي أيضا التي كانت «تبارك الحرب ضد الإرهاب» في باكستان وأفغانستان.
يكتب بوش في مذكراته أنه أصبح مقتنعا بأن باكستان لن تتحرك ضد المتشددين المتطرفين، ويعترف بأن علاقته بهذه الدولة وبرئيسها السابق برويز مشرف كانت معقدة إلى حد ما، كما يعترف بأنه أصدر الأوامر لشن هجمات على أراضيها باستخدام الطائرات بدون طيار.
وأقر بوش أن باكستان: «دفعت ثمنا باهظا لاحتضانها الإرهابيين»، وقال إنها: «نجحت لسنوات في استهداف مقاتلي طالبان والقاعدة الذين يعبرون الحدود المشتركة المليئة بالثغرات مع أفغانستان، لكن مع مرور الوقت ، أصبح من الواضح أن مشرف لن يكن راغبا أو لم يكن قادرا على الوفاء بجميع وعوده».
ويؤكد بوش أن: «بعض كبار المسؤولين في أجهزة الاستخبارات الباكستانية تربطهم وشائج قوية مع طالبان والقاعدة، وبعضهم يريد ضمانات في حال مغادرة أميركا لأفغانستان، ومحاولة الهند كسب النفوذ هناك».
وقال إنه شعر بالإحباط قرب انتهاء فترة رئاسته، عندما اجتمع مع عدد من كبار المسؤولين العسكريين العائدين من أفغانستان، وقالوا إنهم يودون الحصول على تصريح يسمح بدخول قواتنا العسكرية إلى الأراضي الباكستانية وركل مؤخرات البعض هناك».
الكتاب: نقاط اتخاذ القرار
عدد الصفحات: 512
تأليف: جورج بوش
عرض ومناقشة: طارق فتحي ـ نيويورك
الناشر: كراون، نيويورك ـ 2010
