يقدم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ثلاثة محاور ربما كانت الأكثر أهمية في كتابه، من منظور كثير من القراء، فهو يلقي الضوء على رد الفعل الغاضب الذي اجتاحه لدى علمه بأولى وقائع الحادي عشر من سبتمبر.

ويبادر إلى إيضاح أن هذا الغضب الجارف قفز على أرضية التساؤل: كيف يجرؤ أحد على فعل ذلك بأميركا؟.

وفي المحور الثاني لا يتردد بوش في الإقرار بأنه أرسل جنوده لغزو العراق استنادا إلى معلومات استخبارية خاطئة، كما يشير إلى أنه شعر بالتقزز عندما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق.

وهو المبرر الذي اتخذته واشنطن لشن حربها على العراق، ويوضح أن علامة استفهام محددة قد سيطرت على ذهنه في اللحظة الشهيرة التي تابع فيها العالم كله مشهد سقوط تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في بغداد، وفحواها: ماذا ستفعل بعد ذلك؟

ويقرر الرئيس الأميركي الثالث والأربعون، في المحور الثالث، بأنه كان حريصا على إطالة أمد حرب صيف 2006 لكي يتيح لإسرائيل الوقت الكافي للقضاء على حزب الله، ويعرب عن أسفه الشديد لأن ذلك لم يتحقق حسبما كان يأمل.

بعد عامين من خروجه من البيت الأبيض وامتناعه عن الإدلاء بأي أحاديث أو حوارات صحافية أو تلفزيونية، يعود الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مرة ثانية إلى الأضواء، ويحصل على 7 ملايين دولار من دار النشر الأميركية كراون مقابل طبع وتوزيع الكتاب، ليبرر الكثير من قراراته التي جعلت منه أكثر الرؤساء الأميركيين تعرضا للكراهية على مستوي بلاده والعالم.

ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها الشهر الماضي، فإن 55% من الشعب الأميركي ينظرون إليه بمشاعر سلبية، كما أن 51% لايزالون يعتبرونه السبب في الأزمة المالية، التي ضربت الاقتصاد الأميركي في السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه (من عام 2005 إلى عام 2008).

لكن كل ذلك بالنسبة إليه لا يعني شيئا. «فالتاريخ هو الذي سيحكم على قراراتي ومدى سلامتها، ليس الآن، وإنما بعد عشرات السنين، فأنا لا أبحث عن التنظير الآن، إنني رجل المحتوى».

ولا يمل الرئيس الأميركي السابق من الحديث في أكثر من موضوع على امتداد الكتاب وهو يحاول تبرير قراراته، من استخدام العبارات والشعارات نفسها التي رفعها أثناء توليه الحكم في البيت الأبيض، من قبيل «الدفاع عن الحرية» و«نشر قيم الديمقراطية» و«حماية المبادئ الأميركية» و«محاربة الإرهاب».

معلومات خاطئة

يخصص جورج بوش جزءًا كبيراً من كتابه «نقط اتخاذ القرار» للحديث حول أسلوب تعامله مع هجمات 11 سبتمبر، والحربين التي أعقبتهما في أفغانستان والعراق. ويعود إلى ما قبل ذلك التاريخ، عندما يلقي الضوء على مذكرة وكالة المخابرات الأميركية «سي أي أيه» التي حذرت في أغسطس 2001، أي قبل هجمات 11 سبتمبر بشهر واحد فقط، من استعدادات يجريها أسامة بن لادن لتوجيه ضربة داخل الأراضي الأميركية.

ويقول بوش إنه لم يقم باتخاذ أي إجراء إزاء هذه المذكرة لأنه لم يجد أي «خطط ملموسة» يمكن الاستناد إليها».

ويتهم بوش بصراحة أجهزة المخابرات الأميركية بالتقصير إزاء ما حدث في 11 سبتمبر، ويقول: «من الواضح أن أجهزة المخابرات ضاع منها الخيط وفقدت شيئا كبيرا في هذه الحادثة».

ويواصل هجومه على أجهزة المخابرات في موضع آخر قائلاً: «لقد أرسلت الجنود الأميركيين إلى ارض المعركة اعتمادا على معلومات استخبارية ثبت أنها غير صحيحة»، ويقصد بذلك غزو العراق وثبوت عدم وجود أسلحة دمار شامل بها، وقد كان المبرر الرئيسي لاتخاذه قرار الحرب والإطاحة بصدام حسين.

لكنه ساعتها بعث برسالة إلى أبيه، الذي حارب صدام حسين واجبره على الانسحاب من الكويت عام 1991.يقول بوش الابن في رسالته «أعتقد بأنني فعلت الشيء الصواب، وسوف أصلي للجنود الذين سيفقدون أرواحهم في أرض المعركة من أجل تحرير العراق وجعل العالم أكثر أمناً».

مقارنة مع ريغان

وبالرغم من شعوره بالغضب لعدم وجود هذه الأسلحة، إلا أن بوش لا يشعر بالندم لاتخاذه قرار الحرب على العراق بناء على معطيات خاطئة، ويقول: «أستطيع أن أقول بالتأكيد إن العالم أفضل بدون صدام حسين في السلطة، كما أن 25 مليون عراقي لديهم الآن فرصة الحياة في حرية، إنني رئيس دولة لا يملك ترف النظر إلى الوراء».

ويقارن بوش نفسه بالرئيس الأسبق رونالد ريغان، ويقول: «هيئة المحلفين الذين استنكروا ذات مرة ما قام به الرئيس رونالد ريغان ووصفوه بالغباء، هو الرئيس الأميركي نفسه الذي انتصر لبلاده في الحرب الباردة مع السوفييت».

ويؤكد بوش أنه بعد كل هذه السنوات السبع التي مضت علي قراره بغزو العراق أنه: «يعيش في سلام، وكان لي شرف خدمة هذه البلد، لقد قدمت كل ما لدي وأدرك تماما أن التاريخ في حاجة إلى وقت ليكون قادرا علي تحليل القرارات التي اتخذتها، إنني الآن أعيش في هناء مع زوجتي ولي العديد من الأصدقاء».

ويواصل بوش حديثه قائلا: «لقد شعرت بالصدمة عندما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ولا يوجد أحد كان أكثر شعورا بالصدمة والغضب مما كنت عليه، كان لدي شعور مقزز في كل مرة أفكر في الأمر.

ومازال هذا الشعور يراودني في كل مرة أفكر في الأمر، لكنني لست نادما على قراري، ولا أعتذر عنه، فالاعتذار يكون أساسا عن قيامك باتخاذ قرار خاطئ، وأنا لا أعتقد بأن قراري بالغزو كان خاطئا».

كلام عن الحرية

وفي فصل بعنوان «خطة نشر الحرية»، يكشف جورج بوش في مذكراته جانبا من خلافاته مع عدد من قادة دول العالم بشأن مستقبل الشرق الأوسط بعد الغزو وخططه الرامية، على حد تعبيره، إلى نشر الحرية والديمقراطية في المنطقة.

ويشير في هذا الصدد إلى اجتماع عقده مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، ويقول: «لقد كانت بيني وبينه خلافات كثيرة، فالرئيس الفرنسي عارض الغزو والإطاحة بصدام حسين، كما أنه وصف ذات مرة ياسر عرفات بأنه رجل شجاع، وفي اجتماع آخر قال لي إن أوكرانيا جزء من روسيا».

ومع ذلك يقول بوش إنه شعر بالمفاجأة عندما اتفق معه الرئيس الفرنسي في اجتماع بينهما عام 2004، حول موضوع نشر الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط، لكنه ـ أي الرئيس الفرنسي ـ تحدث عن وجود نظامين ديمقراطيين في المنطقة وهما:

ديمقراطية قوية في إسرائيل، والثانية ديمقراطية هشة في لبنان. ويعقب جورج بوش قائلا: «لكنه لم يشر مطلقا إلى الديمقراطية الوليدة في العراق»، وتجاهلها تماما.

إطالة حرب

وفي اعتراف صريح يدينه، لكنه يكتب عنه باعتباره عملا من أجل الحرية، يقر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في مذكراته بمسؤوليته عن إزهاق أرواح أكثر من 1200 لبناني في حرب صيف 2006 التي شنتها إسرائيل على قواعد حزب الله في لبنان. ويعترف ب«السعي لإطالة أمد الحرب حتى تتمكن إسرائيل من القضاء تماما على القدرات العسكرية لحزب الله».

وفي أكثر من موضع، أعرب بوش عن «أسفه الشديد» لأن إسرائيل لم تستفد من الفرصة التي أتاحها لتدمير حزب الله ومن يقف وراءه وذلك في إطار خطته الأوسع لنشر الحرية في منطقة الشرق الأوسط.

ويواصل بوش اعترافاته المثيرة قائلا: «أردت شراء الوقت لمصلحة إسرائيل لكي تتمكن من إضعاف قوات حزب الله. وأردت أيضا إبلاغ رسالة لكل من إيران وسوريا، مفادها أنه لن يتم السماح لهما باستخدام المنظمات الإرهابية كجيوش نيابة عنهما لمهاجمة الديمقراطيات من دون التعرض لعقوبة».

ولكن للأسف، فإن إسرائيل جعلت الأمور أكثر سوءا. ففي الأسبوع الثالث للحرب، دمرت المقاتلات الإسرائيلية بناية سكنية في مدينة قانا اللبنانية. ولقي 28 مدنيا مصرعهم، وأكثر من نصفهم من الأطفال. واستشاط رئيس الوزراء اللبناني آنذاك فؤاد السنيورة غضبا.

وأدان القادة العرب القصف بقوة، خاصة مع مواصلة شاشات التلفزيون في الشرق الأوسط عرض صور الدمار على مدار الساعة. وبدأت في القلق من أن الهجوم الإسرائيلي قد يؤدي للإطاحة بحكومة السنيورة الديمقراطية».

طلب تعذيب

كما لا يشعر الرئيس السابق بأي تأنيب للضمير إزاء إعطائه الضوء الأخضر لتعذيب المشتبه بهم، بل إن بوش لا يعترف أصلا بأنه أخطأ بسماحه استخدام وسيلة محاكاة الغرق مع ثلاثة من قادة القاعدة، من بينهم الشيخ محمد المتهم بأنه المخطط الرئيسي لأحداث 11 سبتمبر.

ويؤكد بوش أنه مازال علي اعتقاده بأن استخدام وسيلة التعذيب هذه على وجه التحديد، لا تتناقض مع الدستور الأميركي الذي يحرم التعذيب، كما أنها لا تتناقض مع اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وهو هنا يتفق مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي كان قد أشار خلال حملته لانتخابات الرئاسة عام 2008، الى أن الولايات المتحدة استخدمت الأسلوب نفسه، بل وشنقت مجموعة من الرجال اليابانيين بعد إدانتهم خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الجديد الذي يأتي به جورج بوش في مذكراته هو أن التعذيب مسألة قانونية، ولا تندرج ضمن قانون مكافحة التعذيب، كما أن محاميه أخبره بأن استخدام وسيلة محاكاة الغرق أكثر من 180 مرة مع الشيخ محمد لا غبار عليها من الناحية القانونية.

ويقول: «إنني لست محاميا، وكان لزاما علي أن أثق في حكم الرجال الذين كانوا من حولي آنذاك، ويحدوني الأمل أن يحكم التاريخ على ما قمت به باعتباره قصة نجاح».

عن محاكاة الغرق

ويمضي بوش قائلا: «أعتقد بأن هناك حاجة إلى استخدام أساليب قاسية للضغط على الإرهابيين المشتبه بهم للحصول علي معلومات بشأن أي هجمات محتملة قد يقومون بها. ويشير إلى أن الشيخ محمد العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر انهار تماما بعد أن تم تعذيبه باستخدام وسيلة محاكاة الغرق لأكثر من 180 مرة، وينقل بوش هنا على لسانه قوله:

«انا سوف اقول لكم الآن، لقد وصلت إلى مرحلة تسمح فيها معتقداتي الدينية بأن أعترف لكم بما تودون السؤال عنه، وعليكم استخدام الأسلوب نفسه مع بقية الأخوة إن كنتم تريدون الحصول علي معلومات». ويعلق بوش على هذا قائلا: «كانت وظيفتي هي حماية أميركا، وهذا بالضبط هو ما قمت به».

ويتحدث جورج بوش عن مشاعره إزاء اللحظة الشهيرة التي سجلتها جميع قنوات التلفزيون حين قامت مجموعات عراقية بإسقاط تمثال صدام حسين إيذانا بسقوط النظام وبدء حقبة جديدة في تاريخ العراقيين.

ويقول: «ساعتها أدركت أن قرار الغزو لم يكن الشغل الشاغل لي في تلك اللحظة، وإنما كنت أفكر في اللحظة المقبلة، ماذا سنفعل هناك بعد سقوطه ودخول بغداد؟، تماما مثلما اتخذت قراري بإسقاط نظام طالبان في أفغانستان، فقد كان ذلك أمرا سهلا بالنسبة لقواتنا، لكنني كنت أفكر دائما، وماذا بعد ذلك؟».

وهو هنا لا يعترف أبدا بتورط بلاده في حربين في وقت واحد، أو بمسؤوليتها عن إزهاق آلاف الأرواح من المدنيين في البلدين.

ويعترف الرئيس الأميركي السابق في مذكراته بأنه لم يكن يتوقع أبدا حينما ذهب إلى غزو أفغانستان أو العراق أن تبقى قواته هناك حتى اليوم.

العزف على العواطف

وفي أسلوب يقرب إلى استثارة العواطف يتحدث الرئيس الأميركي السابق عن مشاعره في صباح يوم 11 سبتمبر 2011، عندما اصطدمت أول طائرة بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

كان بوش ساعتها في زيارة لمدرسة الأطفال في فلوريدا، عندما همس كبير موظفي البيت الأبيض، اندرو كارد، في أذنيه قائلا: لقد ضربت طائرة ثانية البرج الآخر لمركز التجارة العالمي في نيويورك.

ويقول بوش: «كانت أول رد فعل هي الغضب، كيف تواتيهم الجرأة على فعل ذلك بأميركا.ثم نظرت إلى الأطفال وأدركت معاني البراءة في عيونهم، وعلى النقيض أدركت معاني الشر في المهاجمين الذين ضربوا برجي مركز التجارة، وكنت أعرف تماما أن مهمتي هي حماية هؤلاء الأطفال وحماية الشعب الأميركي».

ويردف قائلا في موضوع آخر من الكتاب: «من المثير للاهتمام أن تتحول فترة الرئاسة إلى شيء آخر لم تك تتوقعه، والرهان الأرجح هنا بالنسبة لجميع الرؤساء هو تحديد ما إذا كانوا قادرين علي قيادة البلادة أم لا في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

وفي حالتي كان من غير المتوقع بالطبع هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية وإعصار كاترينا والانهيار المالي لبورصة وول ستريت».

الكتاب: نقاط اتخاذ القرار

عدد الصفحات: 512

تأليف: جورج بوش

عرض ومناقشة: طارق فتحي ـ نيويورك

الناشر: كراون، نيويورك ـ 2010