يستمد هذا الكتاب أهميته من أن مؤلفه، جورج بوش، الرئيس الأميركي الثالث والأربعين، ينطلق على امتداد صفحاته ليقدم لنا جردة حافلة بالمفاجآت- والتناقضات أيضا- لأسرار العالم الخلفي الذي نبعت منه قراراته والملابسات التي أحاطت باتخاذ هذه القرارات، كل ذلك في إطار يتحدى الأشكال التقليدية التي درج السياسيون على صياغة رؤيتهم السياسية عبرها.
ومن المؤكد أن كثيرا من القراء سيهتمون بالجوانب الإنسانية في كتاب «نقاط اتخاذ القرار» ومنها ما يتعلق ببدايات بوش وتغلبه على محنة السقوط في حدة الإدمان على الشراب، لكن ذلك لا يقلل من عدد القراء الذين يسعون إلى معرفة المزيد من القرارات التي اتخذها بوش، وفي صدارتها قراراته عقب وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأيضاً قراره بغزو العراق، حيث يفاجئنا بوش بالقول: إنه لم يكن متحمسا لشن الحرب للقضاء على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وعلى الرغم من التناقضات العديدة والمغالطات الكثيرة التي يرتحل بنا المؤلف في كتابه عبرها، إلا أن القارئ لا يملك إلا أن يواصل الانطلاق لمتابعة القرارات المواكبة لغزو العراق وأفغانستان، ومعالجة آثار الإعصار كاترينا والحرب على الإرهاب وكثير من القضايا التي شكلت أبرز ملامح العقد الأول من الألفية الثالثة.
لا يعترف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في مذكراته التي نشرها، أخيرا، بأخطائه الرئاسية والشخصية قط، ويدافع باستماتة عن جميع قراراته، التي غيرت وجه الشرق الأوسط والعالم، ونشرت الفوضى والدم في العراق منذ دخول القوات الأميركية بغداد في ابريل 2003.
وعاد جورج بوش مجددا إلى دائرة الضوء، بكل أفكاره القديمة، وها هو في مذكراته الشخصية أو في كتابه الجديد، «نقاط اتخاذ القرار» يبدي دفاعا لا يلين عن جميع القرارات التي أصدرها من مكتبه بالبيت الأبيض.
ومنها الحرب على الإرهاب عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان والعراق، وإعصار «كاترينا» في أكتوبر 2005، والكساد الاقتصادي وخطط الانقاذ المالي في السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه، ويتعرض أيضا للعلاقات مع الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية، ويسجل في كتابه الإعجاب المتبادل الذي أبداه هو والرئيس الروسي بوتين إزاء كلاب كل منهما.
ولا يخلو الكتاب- الذي يضم 512 صفحة من القطع المتوسط- من مفاجآت مثل قوله إنه «كان ضد الحرب للإطاحة بصدام حسين، لم أكن أريد استخدام القوة، أعني كانت الحرب بالنسبة لي هي الخيار الأخير بعد أن منحت الدبلوماسية كل الفرص للوصول إلى الحل المنشود». ومع ذلك، مازال بوش يعتقد أن العالم أصبح مكانا أفضل بسبب الغزو، الذي أودى بحياة أكثر من نصف مليون عراقي وأكثر من 4 آلاف جندي أميركي، وفقا لأكثر التقديرات تحفظا.
ويدافع الرئيس الأميركي السابق في مذكراته- التي تأخذ شكل التأملات، أكثر مما هي مذكرات بالمعنى التقليدي- يدافع عن قراره بالموافقة على استخدام وسائل التعذيب بما في ذلك استخدام تقنيات استجواب قاسية على من يشتبه في أنهم إرهابيون، مثل طريقة «محاكاة الغرق» لانتزاع الاعترافات، ويقول إنه تم تطبيقها على ثلاثة فقط من قادة القاعدة، وأثمرت عن نتائج استخبارية ذات قيمة.
كما يستعرض أيضا اللحظات المهمة في حياته الشخصية، ومواقفه من القضايا الخلافية في الولايات المتحدة مثل الإجهاض، ويبدي إعجابه الشديد بالبابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان، وقبل كل ذلك رحلته الشاقة للغاية، كما يصفها، نحو الإقلاع عن معاقرة الخمر والشراب.
مبررات الكتاب
لكن ما فائدة أن يكتب بوش مذكراته الآن، خاصة وأنه آثر الصمت منذ تركه البيت الأبيض في يناير من العام الماضي، وعزف تماما طوال عامين كاملين عن الظهور في المناسبات العامة إلا قليلا؟
يقول الرئيس الأميركي السابق في كتابه في معرض الإجابة عن هذا السؤال: «أردت أن أسجل هذه الفترة التي قضيتها في البيت الأبيض، وأن يعرف الناس شهادتي عليها، فالمؤرخون يحتاجون عادة إلى عشرات السنين لكي يكتبوا عما حدث، وساعتها من المؤكد أنني لن أكون على قيد الحياة، إنني أود أن يتذكرني الناس باعتباري الرجل الذي لديه مجموعة من الأولويات، ووهب حياته من أجل تنفيذها، أريدهم أن ينظروا إلي كرجل اتبع أفكاره دون تردد.
وقام بتغيير مسارها عند الضرورة، وأريدهم أن يعرفوني باعتباري رجلا استغل نفوذ أميركا لدفع عجلة الحرية في العالم بأسره، أما من حيث الانجازات، فقد كان الإنجاز الأكبر بالنسبة لي هو أنني حافظت على بلد آمن وسط خطر حقيقي».
أصداء البدايات
يبدأ الفصل الأول من الكتاب- الذي طبع منه حتى الآن مليون ونصف المليون نسخة -بعنوان «التوقف»، ويقصد به طبعا التوقف عن الشراب. ويستهل بوش هذا الفصل من الكتاب بالسؤال التالي : «هل تذكر آخر يوم لم تشرب فيه الجعة؟» لم يخجل بوش من الحديث عن معركته مع الخمر، التي أنهاها بالسؤال التالي: «هل بإمكاني أن أتقرب إلى الله القدير أم أن الخمر أصبحت هي معبودي؟».
في هذا الفصل يصف بوش عشقه المزمن لشرب الخمور والكحوليات بجميع أنواعها، ونجاحه في الإقلاع عنها وعدم الاقتراب منها طوال السنوات الثماني التي قضاها في البيت الأبيض، وحتى قبل ذلك بكثير.
يقول بوش إنه: «توقف عن الشراب في 1986، وأنه لم تحدثه نفسه مطلقا منذ ذلك التاريخ أن يعاود الشراب مرة أخرى، حتى في أسوأ اللحظات التي مر بها في حياته، بحيث أنه عندما كان يذهب إلى الكنيسة أيام الآحاد للصلاة، كان يرفض أن يتذوق الخمر في قداس التناول حسب ما تقتضيه الطقوس الدينية».
ويروي حكاية طريفة نوعا ما، عندما أكثر من الشراب على طاولة العشاء في بيت والده بولاية مين وفي حضور أشقائه وشقيقاته وزوجته لورا. وبينما كان بوش جالسا بجوار سيدة جميلة من معارف والدته، وجد نفسه بعد أن لعبت الخمر برأسه يصرخ قائلاً:
«ما هو شكل العلاقة بين الرجل والمرأة بعد سن الخمسين؟» يعقب بوش قائلا: ساد الصمت المكان إلا من همهمات الحضور وتبادل النظرات فيما بينهم، حتى رن في المكان صوت امرأة وهي تقول (حسنا يابوش، قل لنا أنت: كيف تكون العلاقة بعد الخمسين ؟)».
ذكريات مريرة
ويتذكر بوش أنه تلقى مخالفة مرورية بسبب قيادة سيارته، وهو في حالة سكر، وكان ذلك في عطلة عيد العمال عام 1976، وساعتها قرر ألا يخبر أحدا من أسرته، لكنه في كتابه يصف ذلك بأنه:
«كان من أغبى القرارات التي اتخذتها في حياتي، ومن أسوأ الحسابات السياسية التي قمت بها»، وذلك لأنه خشي أن تعلم ابنتاه بالمخالفة، وسوف يعطيهما ذلك الحق في قيادة سيارتيهما وهما في حالة سكر، «وإذا كان الأب قد فعلها، فلماذا لا نفعلها نحن».
لكن المخالفة المرورية ظهرت للعلن قبل أيام من بدء الانتخابات الرئاسية في عام 2000، وكانت بمثابة فضيحة كبرى. ويعترف بوش بأنه لو عادت به الأيام إلى الوراء لما كان أخفى هذه القصة: «فلا يوجد شيء يستحق إخفاءه، لقد كنت سكيرا، وها أنا تعافيت الآن وأقلعت عن الشراب، لا شيء في ذلك».
ويعترف الرئيس الأميركي السابق بأنه في شبابه كان يحب شرب الخمر حبا جما، ويعتبر تعاطيها مثل أي قصة حب مرت به في حياته، ويقول: «لكن حب الخمر تحول إلى منافس لحبي لزوجتي وأولادي، فقد كنت معتادا على شرب زجاجتين من الجعة أو المارتيني قبل العشاء، وكانت زوجتي تسألني :هل يمكن أن تخبرنا عن يوم واحد في حياتك لم تشرب فيه ؟
وعندما بلغت الأربعين أذكر أنني في حفل عيد ميلادي كنت في حالة سكر شديد في تلك الليلة، وكنت ذاهبا إلى أحد الفنادق في ميدلاند، لكنني اكتشفت أنني غير قادر على صعود درجات سلم الفندق، وقلت ساعتها لزوجتي لورا إنني سأتوقف عن الشراب، لكنها لم تصدقني، وقالت إنها سمعت ذلك كثيرا.
أما أنا فقد أدركت ساعتها أن الخمر لها دور محوري أكثر من اللازم في حياتي، وأنها أصبحت مصدر خطر، لكنني عرفت أيضا أنني لست مدمنا كيميائيا، مثل بعض أصدقائي». ومن هنا بدأ مشوار التخلص منها والإقلاع عنها.
ويقر بوش بأن الفضل في توقفه عن الشراب يعود إلى ايمانه العميق بالله، والى زوجته لورا، وإلى صديقه بيلي جراهام، الذي ساعده على الخضوع لبرنامج الإقلاع عن الشراب.
حديث عن القيم
وفي الفصل الخاص بقراره المتعلق بحظر استخدام الخلايا الجذعية البشرية في الأبحاث العلمية، يقول بوش: إنه تلقى رسالة تفصيلية من نانسي ريغان زوجة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان حول «رحلة العائلة الموجعة»، في إشارة إلى مقاومة ريغان في رحلته الطويلة مع مرض الزهايمر.
ويعتقد كثير من العلماء أن أبحاث الخلايا الجذعية يمكن أن تساعد في السعي لإيجاد علاج لمرض الزهايمر، ولكن بوش يكتب في نهاية المطاف: «لم أشعر بمسؤولية ضم صوتي وقناعاتي المؤيدة للحق في الحياة، وهو ماقد يقود البلاد إلى ما يطلق عليه البابا يوحنا بولس « ثقافة الحياة».
ويشير بوش إلى أن المرة الأولى التي التقي فيها البابا يوحنا بولس الثاني كانت في يوليو من عام 2001، وكان البابا وقتها يعاني من مرض باركنسون لأكثر من 10 سنوات. وقد ذكره البابا بأنه إذا كان عليه أن يطمح لبلاده: «المجتمع الحر والفضيلة، فيجب علي أن أرفض الممارسات التي تحط من قيمة الحياة البشرية وتنتهكها في أي مرحلة بداية من الحمل وحتى الوفاة الطبيعية».
ويقول بوش إنه أعجب كثيرا بالبابا، وتأثر كثيرا بعباراته، ودفعه ذلك التأثر إلى معارضة إجراء أية أبحاث طبية من شأنها أن تنطوي على تدمير الأجنة في بطون الأمهات.
وأعلن بوش في 9 أغسطس 2001 أن الأموال الاتحادية لن تمول الأبحاث التي تنطوي على تدمير مزيد من الأجنة لأغراض بحثية، وظل هذا الحظر ساريا طوال فترة ادارته.
ويقول: «لقد أدركت أنه يمكن للولايات المتحدة أن تنير للعالم الطريق نحو مستقبل إنساني، ولا تكتفي بدورها فقط كمنتج للعلوم والتكنولوجيا». ويروي الرئيس الأميركي السابق مدى ارتباطه بأمه، وقصته عندما كان مراهقا وذهب لزيارتها في المستشفى بعد أن أجرت عملية إجهاض. يقول بوش إنه دلف إلى داخل الغرفة، حيث ترقد على السرير وبجوارها إناء صغير طلبت منه النظر بداخله.
ويتابع: «لقد كان الجنين الذي أجهضته وطلبت هي من الطبيب الاحتفاظ به، حتى يمكنني أن أراه». هذه الحادثة يتذكرها بوش بوصفها صاحبة التأثير الكبير على تفكيره، إزاء قيمة الحياة الإنسانية والمحافظة عليها ضد أي عبث أو انتهاك. ويقول إنه استأذن والدته وأبيه قبل أن ينشر هذه القصة في كتابه.
تناقض آخر
وعلى الرغم من هذه العبارات المفعمة بالإعجاب تجاه البابا يوحنا بولس الثاني، إلا أن جورج بوش لم يستمع لمعارضة ما عرف وقتها ب«عقيدة بوش» في شن حرب وقائية ضد دول يشتبه في تهديد أمن الولايات المتحدة، وفي 18 مارس 2003، قبل يومين من الغزو الأميركي للعراق، حذر البابا من «عواقب وخيمة» ستصيب الشعب العراقي في حالة الغزو.
وقال انه: «مازال هناك وقت للتفاوض» لتجنب الحرب. وفي اليوم نفسه، أعلن الرئيس بوش أن أميركا قد استنفدت خياراتها، واصفا الغزو كضرورة بسبب أسلحة الدمار الشامل المزعومة.
وأكد البابا عندما التقى الرجلان مرة أخرى في عام 2004، أن موقف «الكرسي الرسولي ضد الحرب لم يتغير ولا لبس فيه». ويدافع بوش في كتابه بقوة عن قراره بغزو العراق، ويقول إنه كان قرارا صائبا لأن: «أميركا أصبحت الآن أكثر أمنا بدون الديكتاتور القاتل، والشعب العراقي أصبح أفضل حالا مع حكومة تستجيب لمطالبه بدلا من تعذيبه وقتله».
تصفية حسابات
ومع تقليب صفحات الكتاب، ستكتشف أنه ليس من قبيل الكتابات التي تستهدف تصفية الحسابات، وذلك على الرغم من أن بوش على سبيل المثال يطلق بعض الأوصاف القاسية على الرجال الذين عملوا معه في إدارة البيت الأبيض.
فمثلا يقول إنه لم يكن أبدا على وفاق مع وزير الخزانة بول أونيل، كما انه «لم يكسب ثقتي». وقال أيضا إنه «كان غاضبا» على مستشار الأمن القومي السابق، برنت سكوكروفت، لنشر معارضته لغزو العراق في احدى الصحف الأميركية بدلاً من أن يخبره برأيه مباشرة.
وبطريقة غير مباشرة يصف بوش في كتابه زعيم الأغلبية الديمقراطية السيناتور هاري ريد من نيفادا، بعدم الاستقرار على رأي واحد من مسألة الغزو، ويقول إنه «خلال أسوأ أعمال العنف التي اندلعت في العراق عام 2006، اعتقد أننا خسرنا الحرب مما دعا نظيره الجمهوري ريد، والسيناتور ميتش ماكونيل من كنتاكي، إلى طلب سحب بعض القوات، حتى لا نخسر الانتخابات، لكن في النهاية وافق ماكونيل والجميع على عكس ما كان يطالبون به».
الكتاب: نقاط اتخاذ القرار
عدد الصفحات: 512
تأليف: جورج بوش
عرض ومناقشة: طارق فتحي ـ نيويورك
الناشر: كراون، نيويورك ـ 2010

