بوصفها اختصاصية في الفيزياء، تفضل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التفكير بمقتضى القواعد والقوانين الطبيعية ومبادئ التصنيف. وكل من يخالف هذه المعايير يحصد الفوضى والتضارب. لكن في حقيقة الأمر يبدو أنها هي من يسبب الفوضى والتضارب، بتراجعها عن مواقفها أكثر من مرة.
في أعقاب تفجر أزمة اليورو، أوائل العام الجاري، قررت ميركل أن هذا لا يجب أن يحدث مرة أخرى. وقد حضت الدول الأخرى على استحداث نظام رقابة صارم وآلية معاقبة تلقائية بما لا يدع مجالا تقريبا للقرارات التقديرية.
وحتى أواخر سبتمبر الماضي كانت تصريحاتها تتفق مع ذلك، إذ قالت ردا على خطة للمفوضية الأوروبية لبت بالضبط ما تدعو إليه: «نحن نفضل أعلى درجة ممكنة من التلقائية».
ولكن، أخيرا، تراجعت ميركل عن كلامها، وأذعنت، مرة أخرى، لضغوط من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لعدم اعتماد الآلية التلقائية للعقوبات، مقابل «تنازلات» فرنسية لمصلحة ألمانيا.
فلطالما اختلفت وجهتا نظر الدولتين بشأن العملة الموحدة الأوروبية، ولطالما اصطفت فرنسا مع دول جنوب أوروبا الأقل ثراء، التي ترى أن مطالب ألمانيا بتطبيق معايير أكثر صرامة للاستقرار المالي أمر مزعج. بينما تقود ألمانيا دول الشمال، التي تفضل «العملة الصعبة» وفرض عقوبات على من لا يحترم القواعد.
لكن كل هذا يبدو أنه ذهب أدراج الرياح ، حيث وافقت ميركل على رأي ساركوزي القائل بأن يحدد وزراء مالية الدول الأعضاء، وليس المفوضية الأوروبية، مستقبلا، العقوبات ضد الدول التي تنتهك قواعد الاتحاد المنظمة لعجز الميزانية. وتؤكد هذه المساومات صحة موقف النقاد الذين شككوا في قدرة أوروبا على استخلاص النتائج الصحيحة من أزمتها المالية الوجودية.
لقد عانى اليورو منذ البداية من «عيب خلقي». فأعضاء منطقة اليورو لم يلزموا أنفسهم بسياسة اقتصادية ومالية مشتركة. وأدى ذلك إلى أن واصلت اقتصادات المنطقة التباعد بينما تزايدت التوترات.
ولجعل منطقة اليورو أكثر صلابة في مواجهة الأزمات، تجب مناقشة أوجه القصور التي صاحبت تأسيسها. فعلى دول المنطقة التنازل عن السلطة لرئاسة الاتحاد، حتى ولو كان ذلك ينتقص من سيادتها الذاتية. كما أن هناك حاجة إلى آلية لضمان الالتزام بالقواعد. هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة الثقة في العملة الأوروبية الموحدة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تبدي فيها المستشارة الألمانية عدم التزام صارم بالمبادئ عندما تواجه العملة الأوروبية اضطرابات. وكل مرة تغير مواقفها تبذر مزيدا من الشكوك والتضارب.
فقد قضت أسابيع من التردد بشأن مساعدة اليونان، وفي النهاية تحملت ألمانيا العبء الأكبر من خطة إقالتها من عثرتها المالية. وعندما تعمقت الأزمة المالية، عارضت خطة إنقاذ لمنطقة اليورو برمتها. ولكن في النهاية تحملت ألمانيا مرة أخرى العبء الأكبر في تلك الخطة.
والآن تذعن ميركل من جديد. هذه المرة خلال لقائها بساركوزي في دوفيل. ولا يخدم ذلك اليورو على الإطلاق، ولا يخدم المناقشات المقبلة لإنقاذ الاتحاد المالي.
وأثار عدم ممانعة ميركل اقتراحا إيطاليا بتغيير معايير تحديد العجز في الميزانيات، بما يحسن موقف الحكومات الأقل إنفاقا، هلع ودهشة مؤيدي تقوية اليورو داخل وخارج أوروبا. وأثار موقف ممثل ألمانيا في اجتماعات جرت أخيرا في لوكسمبورغ سخرية وغضب الكثير من الحاضرين، عندما أعلن تفضيل ألمانيا عدم تطبيق آلية العقوبات التلقائية، التي كانت تدعو إليها سابقا.
وقد صب جان كلود تريخت رئيس البنك المركزي الأوروبي جام غضبه على ممثل ألمانيا، الذي وجه إليه وإلى ممثل فرنسا الكلام مباشرة قائلاً: «أنتم لا تفهمون خطورة الموقف. ألمانيا وفرنسا تعرضان للخطر استمرار وبقاء الاتحاد المالي الأوروبي».
ومضى تريخت قائلاً: «القواعد يجب أن تكون أشد بكثير، حتى يتمكن اليورو من العودة إلى مساره الآمن». ولم يزد دفاع المسؤولين الألماني والفرنسي، في مقابل تصريحات تريخت الغاضبة، على القول بأنهما ينقلان فقط وجهات نظر قادتهما السياسيين. ولم يزد ذلك تريخت إلا غضبا، حيث أمطر المسؤول الفرنسي بالشتائم.
المستشارة الألمانية: الاتحاد الأوروبي يتطلب آلية جديدة تدير الأزمات
أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية مقابلة مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركيل، 56 عاما، ناقشت خلالها أزمات أوروبا المالية الأخيرة وتأثيرها الكبير على ألمانيا، وأكدت حاجة أوروبا إلى أدوات جديدة لمنع تكرارها.
كما ناقشت الاتفاق الأخير المثير للجدل الذي توصلت إليه مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بشأن اليورو، الذي وصفته بأنه انجاز كبير بكل المعايير، وأدلت بدلوها في النقاش الدائر حول الهجرة والاندماج في ألمانيا. وفيما يلي نص المقابلة:
بعد مرور عام على حكم الائتلاف الذي تتزعمينه كيف تديرين خلافات الأحزاب المشاركة في الائتلاف؟
هذه ليست مشكلة بالنسبة لي. نحن الآن بصدد اتخاذ قرارات مهمة. والوقت الحالي ليس وقت التركيز على الاستطلاعات، ولكن على القرارات.
لقد تراجع تأييد حزبك إلى 30% فقط في الاستطلاعات، ما الذي حدث؟
في البداية لم يكن باستطاعتنا توصيل معاني وأغراض القرارات. لكن تلك الأيام ولت إلى غير رجعة. ونحن بصدد صياغة أجندة جديدة لن يرضى عنها الكل في البداية، ولكن بمجرد أن يرى الناس تأثيرها ونجاحها فسيقبلون بها.
سياسة حكومتك يسيطر عليها في المقام الاقتتال الداخلي. وفترة الانسجام لم تدم طويلا. أطراف الائتلاف تتشاجر من جديد. لماذا لا تقومين بإيجاد مناخ وئام وتجانس طويل الأمد؟
الائتلاف لديه بالفعل مناخ من الوئام والتجانس يتجسد في العلاقات الشخصية الطيبة جدا. ولكن اختلاف وجهات النظر بين الحين والآخر.
الآن يبدو أن الحزب الديمقراطي الحر شريكك في الائتلاف، يتمرد عليك ويتهمك بخيانة مبادئ استقرار اليورو. ولا يبدو أنه كان من الوئام ولا الانسجام ألا تتشاوري مع نائبك وزير الخارجية الألماني جيدو ويسترويل بشأن استراتيجيتك حيال التفاوض مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. لماذا تخطيت ويسترويل فيما يتعلق بهذه القضية؟
في دوفيل، ناقشت مع الرئيس الفرنسي في المقام الأول ما سيحدث عند نهاية خطة إنقاذ اليورو في العام 2013. ولدينا اتفاق داخل الائتلاف ومنذ بعض الوقت، على الحاجة إلى إدخال تعديلات على اتفاقيات الاتحاد الاوروبي من أجل تكوين آلية جديدة وومحسنة بدرجة مميزة لإدارة الأزمات. على أن تتضمن تلك الآلية مقرضين خاصين، مثل البنوك.
ونحن لا نريد لدافعي الضرائب في الدول الأوروبية أن يتحملوا الفاتورة بالكامل. وقد كان نجاحا كبيرا بكل المعايير إقناع ساركوزي بعدم معارضة إصلاح الاتفاقية. وهذه الاتفاقية تتماشى تماما مع أهداف الائتلاف.
أنت تجاهلت وزير خارجيتك، فهل ناقشت معه أنك أعطيت ساركوزي الخيار في إلغاء آلية تلقائية لمعاقبة الدول التي تتجاوز الحد المسموح للعجز في الميزاينة؟
وزير الخارجية على علم بكل شيء. والعملية التي ندرسها الآن تدعو إلى فرض عقوبات أكثر صرامة وسيتضمن ذلك آلية عقوبات تلقائية. وقد حدث اتفاق تام بيني وساركوزي حول هذه النقطة. وأنهى وزيرا المالية التفاصيل.
هل تعتقدين أن احد الدروس المستفادة من الأزمة المالية اليونانية تأسيس حكومة اقتصادية؟
نحتاج إلى أدوات لمنع تكرار مثل هذا الموقف، ومراقبة الدول في مراحل مبكرة، وتقليل التنافسية بين الدول الأوروبية، وفي ضوء ذلك فنحن نعمل بروح الحكومة الاقتصادية.
هل تعتقدين أن الأزمة لها تأثير بعيد المدى على ألمانيا؟
لقد هزت الأزمة ألمانيا. والكثير من الألمان قلقون بشأن قطاعات معينة من الاقتصاد.
لقد قدمت تنازلات للجناح المحافظ داخل حزبك، عندما أعلنت أن التعددية الثقافية في ألمانيا قد فشلت... لماذا غيرت رأيك؟
لقد كان ذلك موقفي الدائم، الذي كان يلقى الموافقة في البرلمان، لكنه حظي باهتمام أكبر هذه المرة.
فهل أردت إذن إزكاء النقاش قليلا؟
لا. لقد قلت ذلك وسأقوله في المستقبل. والنقاش ليس مشتعلا جدا على كل حال.
من الأوهام الكبرى لدى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن ألمانيا ليست دولة هجرة. ألم يحن الوقت لإعادة التفكير في ذلك؟
لقد فكرنا في ذلك طويلا، وخلصنا إلى أننا دولة اندماج.
أليست هذه واحدة من الكلمات التي يستحيل تحديد معناها؟
أنا أستطيع تحديده. في دولة اندماج، كل الناس من أصول أجنبية مرحب بهم، على أن يحترموا قوانين وقيم المجتمع، ويمكن أن يصبحوا مواطنين ألمانا.
أنت تعلمين حاجة ألمانية للمهاجرين؟
لقد أدخلنا تسهيلات عدة على نظام الهجرة، في الفترة الأخيرة، ولكن بطريقة مقننة.
ماذا تعتقدين بشأن نظام النقاط لمنح الهجرة للأجانب؟
لن يحل ذلك المشكلة. فنحن لدينا مقاييس أخرى مقننة لقبول المهاجرين حسب احتياجاتنا.
آن الأوان لكي يعمل الاتحاد الأوروبي بنصائحه للآخرين
لو أن أوروبا تعمل بنصائحها الخاصة الموجهة للآخرين وتنفق في حدود مقدرتها!. هذا هو ما يراود الكثير من المراقبين الأوروبيين في ضوء الأزمة المالية الطاحنة التي تعاني منها القارة البيضاء منذ شهور، ووسط خلافات حادة بشأن حجم ميزانية الاتحاد.
ففي سبتمبر الماضي دافع خوسيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية عن خفض الانفاق قائلا:«سيكون من الجنون بحق أن تقدم أوروبا على سياسات توسعية».
كان باروسو يتحدث عن الميزانيات الأوروبية. لكن هذه النصيحة لا تمتد إلى مفوضيته، فيما يبدو، حيث اقترحت زيادة في الإنفاق الأوروبي بنسبة 8, 5% للعام المقبل. الأكثر إثارة للحيرة هو اقتراح البرلمان الاوروبي زيادة بمعدل 2, 6% وهو ما يظهر «حساً كبيراً بالمسؤولية» بحسب رئيسه جيرزي بوزيك.
وتساوم الحكومات الأوروبية حالياً من أجل تقليل تلك الأرقام. ومع الأخذ في الاعتبار حجم الضغط الذي مارسته بروكسل، حيث مقر الاتحاد الأوروبي، على حكومات الدول المنكوبة بالديون لخفض نفقاتها، فإن حرارة الموقف ستزداد بشدة في الفترة المقبلة.
لم يحدث أن أيدنا النقاد الذين يرون أن الاتحاد الأوروبي ليس إلا مضيعة للوقت والموارد. فقد أصدر هذا الاتحاد عملة واحدة للقارة الأوروبية، وكافح من اجل إيجاد سوق واحد للبضائع والخدمات في أنحاء الدول ال27 الأعضاء في الاتحاد.
كما دافع الاتحاد عن حرية تنقل أكثر من نصف مليون شخص هم سكان دول القارة. وقبل فترة وجيزة، ساهم الاتحاد في هزيمة الوهم الخاص بأن الإنفاق الضخم بالعجز سيقود إلى الرخاء الاقتصادي. لكن هذا الاتحاد يمكنه الآن أن يضيف خدمة أخرى إلى خدماته الجليلة تلك، وهي أن يكون أول من ينفذ نصائحه الخاصة وتوصياته للآخرين.
بقلم ـ بيتر موللر- ترجمة ـ عصام بيومي
