ليس من المدهش أن الولايات المتحدة والصين على خلاف محتدم، حتى مع اقتراب قمة العشرين من الانعقاد في العاصمة الكورية سيؤول، فهناك «صدام في الأنظمة»، حيث ينزع المنهج الأميركي إلى الاقتراض والاستهلاك، بينما ينزع الصينيون إلى الادخار والإنتاج.
وهذا التناقض بين المنهجين أوجد نوعاً من الاختلال في الاقتصاد العالمي، وما لم يتم تصحيحه فإنه سيهدد السلام والازدهار الذي حققته العولمة حتى اليوم، وهذا التصحيح لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، كما أنه ليس تصحيحاً اقتصادياً فحسب، إذ أنه يقوم على إعادة تقويم الديمقراطية في الغرب والشرق.ففي الصين، فإن المزيد من الإيغال في إضفاء الديمقراطية معناه تأسيس نقابات عمالية حرة، وتوسعة نطاق مظلة الحقوق للطبقة المتوسطة الحضرية الآخذة في التوسع، كما أن تخفيف صرامة الرقابة على الإعلام، وبناء نظم مساءلة سياسية ذات مصداقية سيسهمان في المدى البعيد في تعديل النهج الصيني من النزعة التصديرية الإنتاجية إلى النهج الاستهلاكي المحلي، وهذه التغيرات ستقود حتماً إلى وضع رفاهية العائلات في وضعية تنافسية مع المصانع، كأولوية سياسية.
دروس لبكين
يمكن للصين أن تتعلم من سياسات الدول الآسيوية الرائدة في التنمية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، فالطفرات الإنتاجية في هذه الدول ترافقت مع توزيع عادل للدخل ليغطي كل فئات المجتمع ويحقق تحسناً للدخل الفردي، وتم اعتماد أنظمة ضمان اجتماعي وصحي لتشمل الجميع، مع استثمارات كبيرة في مجال التعليم لتمكين الأجيال المقبلة من النهوض بسلم القيم المضافة.
كل هذه الدول المجاورة للصين نجحت في تحقيق الانتقال إلى دخل متوسط عن طريق إقرار حكم القانون الذي يعتمد عليه، والذي يحقق مساءلة الحكومة، وكذلك رفع سقف حرية التعبير عن الرأي، وتعزيز نظام الضمان الاجتماعي، وغالباً، فإن وتيرة الاستهلاك ترتفع في الأسواق النامية عندما يطمئن الناس إلى آلية سير المجتمع.
وهذا ما أشار إليه «راغورام راجان»، أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين البارزين السابقين في صندوق النقد الدولي، حيث قال إن الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة لحل مشكلة التباين المالي بين الأميركيين، وسد الفجوة الآخذة بالاتساع بسبب سياسة تسهيل القروض التي تبناها البنك الاحتياطي الاتحادي بالإضافة إلى شراء الصين لكميات كبيرة من ديون الخزانة الأميركية، كل هذا كان وراء فقاعة الإسكان.
في ظل اقتصاد يمثل الاستهلاك فيه 70% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الفجوة بين الحلم الأميركي والواقع الأميركي لم يكن ممكناً ردمها إلا عن طريق الديون، وباختصار فقد مكنت القروض السهلة.
وليست المبالغ المدخرة، الطبقة المتوسطة في أميركا، التي انحطت مكانتها، من مجاراة الأميركيين الآخرين، وبحلول عام 2007، ارتفعت ديون المستهلكين في الولايات المتحدة لتعادل الناتج المحلي الإجمالي، لهذا يحذر راجان من أن السياسات التي قد تسعى لإعادة تنشيط النمو بتشجيع شراء البيوت والسيارات عن طريق سياسات الإقراض السهل ستلقي الولايات المتحدة مرة أخرى إلى فقاعة لا يمكن احتمواؤها، حتى وإن نجحت في تجنب الانكماش الاقتصادي.
نهجان مختلفان
في الولايات المتحدة، يمكن تجاوز التباينات والتناقضات التي أشار إليها راجان عن طريق تعزيز سياسات الضرائب والتعليم الصحيحة، وتبني سياسات تدعم الاستثمار في البنية التحتية والإنتاج المحلي، كما أن توزيع الرواتب والدخل بطريقة أكثر عدالة سينعش الطبقة المتوسطة مرة أخرى بفضل ما ستجنيه وتدخره، لا بفضل ما تقترضه.
الصين، بالمقابل، ونظراً لكونها نظام يحكم بالحديد والنار، تمتلك من الإرادة السياسية ما يمكنها من قلب الأمور رأساً على عقب، إذا اقتنع الحزب الشيوعي فيها بضرورة انفتاح المجتمع بحسب ما تنادي به الطبقة المتوسطة المزدهرة، فقد صرح رئيس الوزراء الصيني «وين جياباو» بأن: «أمنيات الناس ورغباتهم وحاجتهم للحرية والديمقراطية لا تقاوم».
قمة سيؤول تغير ميزان القوى في صندوق النقد
يسعى المسؤولون في الدول العشرين الأقوى اقتصادياً على مستوى العالم جاهدين لدعم التعافي الاقتصادي «الهش وغير المتوازن»، وهذا ما قادهم إلى التعهد، أخيراً، بالامتناع عن اتخاذ أية إجراءات من شأنها أن تضعف عملاتهم المحلية، مبدين موافقتهم على أن يتركوا للأسواق المزيد من التأثير في تحديد أسعار القطع الأجنبي.
كما قرر أولئك المسؤولون أن يمنحوا الدول متسارعة النمو صلاحيات أكبر داخل صندوق النقد الدولي، الذي يراقب سياسات الدول المالية والنقدية، وهذا يعني تمثيلاً أكبر وأكثر شمولية لتلك الدول في الصندوق، كما دعم المسؤولون دور صندوق النقد الدولي في تقييم أداء الدول العشرين الكبار الأعضاء فيه، وما إذا كانوا يؤدون التزاماتهم تجاهه أم لا.
تقارب في الأولويات
ركزت الاجتماعات التمهيدية لقمة العشرين التي عقدت، أخيراً، لمدة يومين في مدينة «غيونغجو» الكورية الجنوبية وحضرها وزراء المالية للدول العشرين بالإضافة إلى كبار المصرفيين العالميين، على السعي لتحقيق تقارب بين أولويات الدول الكبرى المتضاربة، وتخفيف حدة النزاعات بينها.
تلك المفاوضات الشاقة، التي ارتكزت في الأساس على أجندة عمل طرحتها الولايات المتحدة، أفرزت إجماعاً لم يكن يتوقعه هؤلاء المسؤولون، وبشكل عام، فقد أحجمت الولايات المتحدة عن فرض المزيد من الضغوط العلنية على الصين لإجبارها على رفع قيمة عملتها، مفضلة، بالمقابل، التركيز على فوائد تقليص الاختلالات التجارية.
ووافق المسؤولون على تبني أنظمة صرف للعملات، التي تغطي الأساسيات الاقتصادية، تحددها الأسواق، سعياً منهم لإيجاد أرضية مشتركة فيما يتعلق بتقييم العملات، كما تعهدوا بالامتناع عن محاولة تخفيض العملات المحلية بهدف التخفيف من التوتر الناجم عن موجات الحمائية التي تسعى الدول من خلالها لإضعاف عملاتها من أجل تعزيز صادراتها، مع العلم بأن تلك التهديدات بإشعال حرب العملات سببت قلاقل للأسواق، وهددت بإعاقة عملية التعافي الهشة للاقتصاد العالمي.
القرارات التي تمخضت عن هذه الاجتماعات كانت الأقوى من جانب دول المجموعة التي تعمل من خلال قاعدة الإجماع، لكن تلك القرارات تفتقر إلى السلطة الإلزامية لتنفيذها، خاصة أن الولايات المتحدة حذرت من أن الدول متسارعة النمو تسعى لمنع عملاتها من الارتفاع، هادمة بهذا سبل المنافسة الاقتصادية بين الأسواق العالمية.
ومن ناحيتها، وافقت الدول الغنية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة اللتين تعانيان من عجز كبير في ميزانيتيهما، على الانتباه لمنع حدوث تقلبات مبالغ فيها في الأسواق، وحركات غير منتظمة في أسعار صرف العملات.
وفيما يتعلق بالتجارة، فقد فشلت الولايات المتحدة في كسب الدعم لتأييد طرحها المتعلق بوضع سقف رقمي محدد لعجز أو فائض ميزان الحسابات الجارية للدول، وكانت أميركا تقترح أن يتم خفض الفائض أو العجز إلى أقل من 4% من إجمالي الناتج المحلي للدول بحلول عام 2015.
مثل هذا الاقتراح معناه اضطرار دولتين عملاقتين، هما ألمانيا والصين، لتنشيط الاستهلاك المحلي، والاعتماد بشكل أقل على المستهلكين الأجانب، وفي هذه الحالة، فإن الصين، تحديداً، من الممكن أن تعاني من ضغوط جديدة في سعيها لرفع عملتها «رينمينبي» مقابل الدولار. بدلاً من هذا، فإن الدول العشرين تعهدت بتطبيق مجمل السياسات الرامية لتقليل الاختلالات الكبيرة القائمة حالياً.
وهذه خطوة للأمام، كما اعتبرها وزير الخزانة الأميركي «تيموثي إف غيثنر»، لكنه رأى أن لغتها لم تكن صارمة وإلزامية بما فيه الكفاية، وأوضح أن الأمر الأكثر أهمية، الذي نجح الوزراء في التوصل إليه في اجتماعاتهم، هو الاتفاق على إطار يتم من خلاله التصدي لمنع حدوث الاختلالات التجارية بشكل مبالغ فيه في المستقبل.
تطورات مهمة
وزيرة المالية الفرنسية كريستين لاغارد قالت إن غيثنر ربما يميل لتحقيق أهداف تفصيلية محددة، أما أولي رين، المفوض الاقتصادي الأوروبي للشؤون المالية فقال إن تحديد سقف رقمي ونسبة محددة سيؤدي إلى نتائج عكسية، لهذا فلم يلق الاقتراح الأميركي الارتياح المطلوب، وعارضته دول مثل ألمانيا وروسيا وإيطاليا.
ومن التطورات المهمة، كان الاتفاق على تغيير الكيفية التي سيدار بها صندوق النقد الدولي، حيث اتفقت الدول العشرين على أن يتم تحويل 6% من القوة التصويتية داخل الصندوق للدول الناشئة مثل البرازيل والهند، وذلك بحلول خريف عام 2012. وهذا ما أيده «براناب موكيرجي»، وزير المالية الهندي، الذي قال إن شرعية صندوق النقد الدولي آخذة بالازدياد.
سيؤول تقفز من الفقر إلى رئاسة قمة العشرين
ما الدور الذي تلعبه كوريا الجنوبية في تمثيلها للدول غير المنتمية إلى مجموعة العشرين؟ إن تاريخ كوريا الجنوبية، حافل بالمناسبات التي نالت فيها لقب «أول»، فهي أول دولة آسيوية تستضيف نهائيات كأس العالم عام 2002 مناصفة بالاشتراك مع اليابان.
كما أنها أول دولة تبث برامج تلفزيونية ثلاثية الأبعاد وعالية الوضوح باستخدام التقنيات الأرضية، وهذا غيض من فيض. وها هي تستضيف قمة مجموعة العشرين في سابقة لم تحدث في آسيا من قبل، الأمر الذي يضيف إلى إنجازاتها المتميزة.
وقد ظهرت مجموعة العشرين، المعروفة اختصاراً ب«جي 20»، والتي تضم الدول الثماني الكبار بالإضافة إلى الدول الناشئة مثل البرازيل والصين، كأكبر مؤسسة عالمية قادرة على رسم السياسات الاقتصادية للدول، ومنذ قيامها تبنت سياسات إصلاحية للأسواق المالية.
وسعت لإنشاء الأسواق الحرة، وإيجاد نظام مصرفي رصين، وكل هذا كان رد فعل على الأزمة المالية، التي أصابت العالم في العامين 2008 و2009، وبالأساس، فإن هذا التجمع الذي يضم الدول المتطورة والدول الناشئة يعني أن دول العالم الباقية جميعها نامية.
وتبقى كوريا الجنوبية، التي نهضت من رماد الفقر والفاقة لتصبح عضواً في لجنة الدول المانحة، مثالاً يحتذى للعديد من الدول النامية الساعية باستمرار لتقليد النجاح الكوري، حتى أن العديدين في دول مختلفة يظنون أن هناك سحراً خاصاً، في نهر هان، يساعد أبناء هذه الدولة على النبوغ والنجاح.
في السبعينات من القرن الماضي، تبنت سيؤول خطة اقتصادية تنموية طموحة، ساعدتها على تحويل نفسها من اقتصاد تقليدي منعزل إلى قوة صناعية ناجحة، وهو ما ساعدها أيضاً على احتلال مكانة دبلوماسية رفيعة، أهلتها لأن تترأس قمة العشرين لعام 2010 واستضافتها.
بقلم: ناثان غاردلز- بقلم: سيويل تشان-ترجمة: يوسف جباعته

