انتهى في أربيل بكردستان العراق أمس مؤتمر «الطاولة المستديرة» استهدف العثور على حل للأزمة السياسية المستعصية منذ ثمانية شهور، لكن الاجتماع الذي بدأ بكثير من الكلام انتهى من غير أي تقدم أو اتفاق عدا الاتفاق على لقاء جديد اليوم في العاصمة بغداد، وسط «انسجام» كلامي على ضرورة الاسراع في الحل.. بعد أن اصطدم اللقاء بجدول الأعمال ونقطة البداية.

وأنهى كبار القادة العراقيين عصر أمس اجتماعهم في أربيل، الذي جاء بدعوة من رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، في اجتماع نادر أخفق في الخروج بتوافق أو خريطة طريق لحكومة جديدة، وإن كان الاتفاق على ضرورة التوصل إلى حكومة شراكة وطنية تكون بداية «خريطة طريق» لإعادة صوغ المشهد السياسي.

لكن اللقاء، الذي بدأ بكلمات لعدد من أقطاب السياسة العراقية دامت نحو ساعة ونصف الساعة، ألقى الضوء على القضايا العديدة التي لاتزال تفرق بينهم، ومن بينها خلاف على مناقشة جدول الأعمال. حيث طلب رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي عدم الخوض بالتفاصيل، وتأجيلها إلى ما بعد تشكيل الحكومة، التي رأى ائتلاف دولة القانون أنها محسومة لصالحه ولا تحتاج إلى مناقشة.

وقال المالكي ان «الكتل السياسية يجب أن تتفق على ما يمكن الاتفاق عليه للذهاب إلى مجلس النواب، وإلا إذا بقي الحال على ما هو عليه فلن يتحقق الاتفاق على كافة الأمور الخلافية، التي تتطلب سنة أو سنتين لحلها».

وأضاف أن «الأمور العالقة بين الكتل السياسية، سواء (كانت) قضائية أو تشريعية أو تنفيذية، يمكن ترحيلها إلى لجنة مركزية مهمتها متابعة كافة المفردات وإيجاد الحلول لها بعد تشكيل الحكومة»، مشيرا إلى أنه لا يمكن التنبؤ بما سيحدث، في حال عطل العمل البرلماني تحت ذريعة أننا لا يمكن أن نعقد البرلمان إلا بعد اتفاقنا على كافة الأمور.

«العراقية» على موقفها

وبعد فض الجلسة، أعلن القيادي في التحالف الكردستاني محمود عثمان عن أن الاجتماع اصطدم ب«اختلاف في وجهات النظر حول ما ستتم مناقشته».

وقال عثمان إن «بعض الكتل السياسية ترغب بمناقشة ما تريده، ومنها المناصب السيادية، فيما تريد كتل أخرى ألا تناقش بعض المناصب، وترى أنها حسمت، وهذا الاختلاف في الآراء سيتم بحثه».وكان ذلك أول خلاف يظهر بعد دقائق من بدء اجتماع قادة الكتل السياسية في أربيل.

من جانبه، قال القيادي في القائمة العراقية اُسامة النجيفي إن «هناك مشاكل تحتاج إلى توضيح، وتحتاج لإعادتها إلى اللجان التحضيرية للكتل السياسية». وأوضح أن «80 في المئة من الملفات أنجزتها اللجان التحضيرية وتم الاتفاق عليها، وان ال20 في المئة المتبقية تحتوي على مشاكل رحلت إلى قمة أربيل، وان 90 في المئة من المشاكل من ضمن ال20 في غاية الأهمية وتحتاج إلى توضيح». وتابع إن «هذه المشاكل تتعلق بمسائل خلافية مهمة مثل النظام الداخلي لرئاسة الوزراء والتوازن والإصلاحات القضائية والبرلمانية والأمنية».

«العراقية» على موقفها

إلى ذلك، قال عضو القائمة العراقية مشعان السعدي إن قائمته لاتزال على موقفها الرافض المشاركة في حكومة يترأسها المالكي، وشدد على أنه «لا صحة للأخبار التي جاءت في وسائل الإعلام حول قبول العراقية برئاسة المالكي للحكومة المقبلة».

وأشار السعدي إلى أن القائمة العراقية متماسكة حول استحقاقها الانتخابي، ولن تتنازل عنه، والدخول في المفاوضات هو إعطاء مجال لإنجاح مبادرة برزاني فقط.

من جانب آخر، قال القيادي في ائتلاف دولة القانون النائب علي العلاق إن «وفد دولة القانون لن يتحاور بشأن منصب رئاسة الحكومة في اجتماع أربيل كونه قد حسم». غير أن القائمة العراقية أعلنت أنها اشترطت عدم وجود منصب محجوز لكتلة أو شخص معين، كشرط للمشاركة في اجتماعات أربيل.

وقال الناطق باسم القائمة شاكر كتاب إن فلسفة العراقية للمشاركة بالحكومة تتمثل بمشاركة حقيقية في الحكومة، وبنسبة 50 في المئة، والمشاركة باتخاذ القرار الاستراتيجي الأمني والسياسي، بالإضافة إلى المشاركة بتنفيذه، ومتابعة التنفيذ في تقييم القرار ومراحل التنفيذ.

أولويات الخطباء

وكان هذا الخلاف بدا واضحاً في الكلمات الافتتاحية للاجتماع.. رغم أن الجميع توافق على أن حل الأزمة لا يكون إلا بتشكيل حكومة شراكة وطنية حقيقية.

واعتبر الرئيس العراقي جلال طالباني اجتماع أربيل «تاريخياً»، ورأى أنه سيدفع القادة إلى حالة من الوفاق والوحدة الوطنية والانتقال إلى بغداد متفقين على جميع النقاط.

وقال طالباني إن «الاجتماع التاريخي سيكون دافعا قويا لتحقيق الوفاق الوطني والوحدة الوطنية والاتفاق بين القوى التي ناضلت معاً من اجل عراق ديمقراطي اتحادي فيدرالي». وأكد أن المجتمعين في أربيل ستدفعهم الأحاسيس الوطنية والشعور بالمسؤولية إلى اللقاء قريبا في بغداد وهم متفقون على جميع النقاط، معربا عن ثقته المطلقة بأن الاجتماع سيتمخض عن تأسيس حكومة شراكة وطنية حقيقية بين جميع القوى الفاعلة.

تجاوز المصاعب

بدوره، أعرب رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني عن أن اجتماعات الكتل ببغداد تؤكد قدرة العراق على تجاوز الصعوبات لتشكيل الحكومة.وقال إن «الاجتماعات التي عقدتها الكتل السياسية ببغداد، والتي كانت تمهيدية لهذا الاجتماع أكدت قدرة العراق على تجاوز كل ما هو عسير ومستعص وصعب من الأمور باتجاه تشكيل الحكومة».

وأضاف برزاني أن الاجتماعات السابقة أفرزت أيضا تفاهمات وصياغات وإيجاد أسس مهمة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، معربا عن تمنيه بأن يسفر الاجتماع عن عقد اجتماع مجلس النواب الخميس المقبل وتسهيل مهمة تشكيل الحكومة.

الوحدة والمصالحة

أما رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي فشدد تطبيق مبادئ الوحدة والمصالحة والشراكة الوطنية. داعياً «السياسيين إلى النظر إلى شعبنا الذي يتطلع ويترقب اجتماعاتنا والإيفاء بالتزاماتنا ووعودنا التي قطعناها وان نقدم للشعب كافة الخدمات المطلوبة».

وأضاف المالكي أن لقاء اليوم بمثابة دفعة جديدة نحو الوصول إلى الحد المنشود من التفاهمات السياسية. وقال ان مبدأ الوحدة الوطنية يمكن تحقيقه من خلال التمسك بالقيم الوطنية التي يتم من خلالها الابتعاد عن المصالح الفئوية والحزبية وفي مضمار مبدأ المصالحة الوطنية.

وأشار المالكي إلى أن مبدأ الشراكة الوطنية يجب أن «يكون شراكة حقيقية تأخذ من خلالها الاستحقاقات الوطنية والمشروعة»، مشدداً ضرورة تحقيق مفهوم السيادة وبناء أفضل العلاقات مع المحيط الخارجي.

وفي انعكاس لرفضه الدعوة السعودية لعقد لقاء عراقي في الرياض، رأى المالكي أن «السياسيين يحتاجون إلى مثل هكذا لقاءات داخل ارض الوطن».

الشراكة الحقيقية أما الخصم الرئيسي للمالكي، رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي فدعا إلى تشكيل الحكومة وفقا للاستحقاق الانتخابي وسريعا، كما دعا إلى تحديد معنى الشراكة الحقيقية.

وقال علاوي إن «المطلوب تحقيقه هو تشكيل حكومة سريعا وفق الاستحقاقات الانتخابية تكون قادرة على تعديل مسار العملية السياسية». ودعا إلى «المساواة في الحقوق والواجبات والصلاحيات والا يكون لأحد اليد العليا على الآخرين، يجب الصلاحيات أن تكون موزعة ومتساوية وضامنة بعيدا عن الطائفية».

الخلافات العالقة

من جهته، عبر نائب رئيس الجمهورية المنتهية ولايته طارق الهاشمي عن اعتقاده بأن الاجتماع لن يتمكن من تسوية الخلافات العالقة.

وقال الهاشمي ان الكثير من النقاط الخلافية ما تزال عالقة ولا أرى إمكانية لحسم الخلافات خلال الاجتماع الذي يستمر ثلاثة أيام. وأضاف أن «هذه النقاط تستلزم الكثير من الوقت وأولى المسائل العالقة إعادة النظر في الدستور».

إبداء المرونة

من جانبه، بدا زعيم المجلس الأعلى الإسلامي في العراق عمار الحكيم متفائلا ولدية رغبة للوصول للاتفاق. وأعرب الحكيم عن أن النصر يمثل تحقيق جميع الطموحات والتخلي عن بعضها للآخرين، ومنتقدا غياب دور المرأة العراقية في الاجتماع.

وقال ان النصر يمثل أن تحقق كل كتلة سياسية طموحاتها، وتتخلى عن بعض منها لصالح شركائها لتحقيق الشراكة الحقيقية. وقال: «إننا نريد للجميع الخروج منتصرين من هذه الطاولة، ولا نريد خاسراً في العراق، لأن النصر يتمثل بان يحصل كل منا على طموحاته ونتخلى عن البعض الآخر لصالح شركائنا الآخرين وان يقبل بعضنا برأي الآخر وان يتفهم بعضنا هواجس الآخر».

تضحية في سبيل الوحدة

إلى ذلك، دعا رئيس كتلة الإصلاح المنضوية ضمن التحالف الوطني إبراهيم الجعفري إلى تحويل المصالحة الوطنية إلى مشروع حقيقي في كلمته التي انتقد فيها الضعف العراقي الحالي مبديا استياءه من رغبة الدول العربية والإقليمية في التدخل في شؤونه الداخلية.

ودعا الجعفري إلى تحول المصالحة الوطنية إلى مشروع حقيقي، مطالباً بعض الأطراف السياسية بالتضحية من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية. ودعا بعض الأطراف، إلى التضحية من أجل الوحدة الوطنية، التي يجب أن تكون تطبيقا عمليا، مشيرا إلى أن المصالحة لا توجد سوى في الخطابات والمؤتمرات. وأكد الجعفري ضرورة أن تتحول المصالحة الوطنية إلى مشروع حقيقي، وأن تكتب مشاكل أطراف المصالحة بورقة وتتم مناقشتها للتوصل إلى حلول بشأنها.

الأمن وغياب الديمقراطية

من ناحيته، اعتبر نائب رئيس الجمهورية القيادي في المجلس الأعلى عادل عبدالمهدي أن العراق يعاني مشاكل متراكمة وإحباطاً من تردي الأمن.

ودعا عبدالمهدي إلى تشكيل حكومة قوية يشارك فيها الجميع ولا تستبعد ولا تهمش أحداً، مشيرا إلى أن هناك إيجابيات كثيرة تحققت من حيث الدستور والانتخابات والديمقراطية وغيرها.

أربيل، بغداد - «البيان» و(وكالات)