يعكس متعهدو الأمن المنتمون للقطاع الخاص الذين لا يلبسون زياً عسكرياً، لكنهم يقاتلون ويموتون في العراق تغيراً كبيراً في الطريقة التي تخوض أميركا حروبها، والوثائق الأخيرة التي سربها موقع «ويكيليكس» تكشف أن موظفي الأمن الخاصين هؤلاء ارتكبوا الكثير من الفظاعات، بما في ذلك قتلهم للمدنيين، سواء في العراق أو في أفغانستان، لهذا فإن أفغانستان تعتزم إنهاء عقود الكثير من الموظفين الأمنيين من خارج البلاد كلياً.
وفي الأيام الأولى للحرب في العراق، التي عمتها فوضى بنكهة «الغرب البربري المتوحش» كان وجود أولئك الموظفين الأمنيين ضرورياً، لأنه لم يكن هناك ما يكفي من الجنود للقيام بالمهمات المختلفة، وكان الكل يعتمد عليهم من الجنود إلى الصحافيين وموظفي الإغاثة من أجل الحماية، وفي عام 2004، أصبح وجود الموظفين الأمنيين المدنيين رمزاً لسقوط العراق في هوة الفوضى، فحين قتلت عناصر المقاومة أربعة منهم في مدينة «الفلوجة»، تركت جثثهم مشوهة ومتفحمة.
وحتى الآن، فإن الجيش الأميركي لا يستطيع الاستغناء عنهم، ويفوق عددهم في الحرب في أفغانستان، عدد الجنود، وسيزداد عددهم مع اعتزام أميركا تقليص عديد قواتها هناك. وتكشف الوثائق التي نشرها موقع «ويكيليكس» عن فصول عديدة لم تظهر لعامة الناس في السابق، كما تكشف أن سوء التنسيق بين موظفي الأمن الخاصين وقوات التحالف والقوات العراقية، بالإضافة إلى العجز عن فرض قوانين محددة توحد الجهود أدى إلى تعريض المدنيين للخطر، وكذلك الموظفين الأمنيين أنفسهم.
وقد دأب العديد من هؤلاء الموظفين الأمنيين على إطلاق النار دون تمييز يذكر، على المدنيين العراقيين العزل، وعلى عناصر قوات التحالف، وعلى القوات الأمنية العراقية، وحتى على موظفين أمنيين آخرين، وغالباً لم يكونوا يتعرضون للعقوبة، ففي إحدى الفصول تتحدث تلك الوثائق عن معركة نشبت بين عناصر ثلاث شركات أمنية.
ويتضح من تلك الوثائق أن أولئك الموظفين لم يكونوا قادرين على حماية أنفسهم، والناس الذين دفعوا لهم المال، من القتل، لهذا أدى الغضب الشعبي العارم منهم إلى تقويض الكثير مما جاءت قوات التحالف لتبنيه في العراق.
كما أن معظم ما تسرب من الوثائق يوافق الحالات القليلة التي تم نشرها للعامة، وإن كان هناك بعض التفاصيل المخبأة هنا وهناك، وخلال السنوات الست التي غطتها التقارير، قتل أكثر من 175 موظفاً أمنياً خاصاً، وتمكن المقاومون من اختطاف 70 موظفاً على الأقل، تم قتل معظمهم لاحقاً، وهناك شركة أمنية بريطانية نالت حصة الأسد في عدد المفقودين من موظفيها الأمنيين، حيث فقدت 30 موظفاً.
وكانت سيارات أولئك الموظفين الأمنيين واضحة المعالم هدفاً مرغوباً لعناصر المقاومة والميليشيات، التي كانت تميزها بسرعة، فأحد تقارير «ويكيليكس» أورد حادثة تعرض لها موظفون أمنيون نتيجة مرور سيارتهم فوق عبوة يدوية ناسفة ضخمة شمالي العراق، حيث طارت سيارتهم 40 متراً إلى الأعلى، وهوت على الأرض مجدداً لتسحق من فيها.
لكن أياً كانت الأسباب، فإن تقارير «ويكيليكس»، تشير إلى أن موظفي الشركات الأمنية كانوا يطلقون النار كثيراً، دون وجود تبريرات لذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي أغسطس عام 2006، وعلى أثر انفجار عبوة يدوية ناسفة، روى شهود عيان أن موظفين تابعين لشركة أمنية عراقية بدأوا يطلقون النار بشكل عشوائي، ومن الواضح، بحسب الوثائق، أن العديد من تلك الشركات لم تكن تحس بوجود عواقب أو تبعات قانونية لما يفعلونه، فقد أقدم عناصر من شركة أمنية رومانية على قتل ثلاثة عراقيين في الفلوجة عام 2006، ورفضوا الإجابة عن الأسئلة المطروحة في القضية، متعللين بأن سياسة شركتهم تمنع ذلك.
في يوليو عام 2009، دخلت مجموعة من عناصر الأمن الخاص المحلي مدينة «أربيل» شمالي العراق بسيارتهم، وبدأوا يطلقون النار بشكل عشوائي، ما أدى إلى نشوب قتال بينهم وبين ضابط في الشرطة، أسفر عن جرح ثلاث نساء.
وفي حالات أخرى عديدة، كان استخدام القوة، كما تشير التقارير، مبرراً، مثل مواقف كانت السيارات العراقية ترفض فيها الانصياع لإشارة الوقوف عند نقاط التفتيش، لكن العراقيين الذين يتعرضون لإطلاق النار ينظرون للأمر بمنظور مختلف، وتشاطرهم هذه الرؤية العديد من الوحدات العسكرية الأميركية.
نيويورك تايمز

