بعد أكثر من عقدين من المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، وصلنا إلى نقطة تحول في تاريخ المنطقة، بصفتي مفاوضاً فلسطينياً لأكثر من عشرين عاماً، فإنني أرى أن هناك قرارات صعبة ينبغي اتخاذها، كما أن المخاطر كبيرة ليس فقط بالنسبة للشعب الفلسطيني، بل بالنسبة لاستقرار المنطقة ككل.

منذ أن وافق الفلسطينيون على الحل الوسط التاريخي الذي يدعو إلى إقامة دولتين قبل 22 عاماً، دخلنا في عدد كبير من عمليات التفاوض على أمل أن ننهي الصراع بشكل تام، لكن المشاريع الإسرائيلية الاستيطانية المستمرة كانت دوماً تقف حجر عثرة في طريق أي اتفاق سلام يمكن أن يقوم بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وفي رفض إسرائيل الأخير لتمديد فترة تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإنها تبعث برسالة واضحة بأنها ليست جادة فيما يتعلق بالمفاوضات، وهذه الرسالة من شأنها أن تنسف جهود السلام برمتها.

لا يمكن للفلسطينيين أن يفاوضوا بأي ثمن، فالجلوس إلى مائدة المفاوضات في ظل استمرار النشاط الاستيطاني الإسرائيلي يؤثر سلباً على مصداقية حكومتنا أمام الشعب الفلسطيني، وربما يفتح ذلك المجال للمتشددين الرافضين لعملية السلام، لهذا فإن حالة عدم الاستقرار في الأرض الفلسطينية المحتلة تعتبر أمراً سيئاً بالنسبة للمنطقة برمتها، ولإسرائيل أيضاً.

إن دعوتنا لتجميد الاستيطان ليست جديدة، حيث أن القانون الدولي والاتفاقيات السابقة بما فيها «خارطة الطرق المؤدية للسلام»، التي تبنتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، كلها تلزم إسرائيل بتجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، بما فيها تلك التي تم بناؤها من أجل النمو السكاني الطبيعي.

نحن نعلم، طبعاً، أن السلام يحتاج إلى تنازلات، ففي مفاوضات أوسلو عام 1983 قدم الفلسطينيون تنازلاً تاريخياً مراً، وهو الاعتراف بدولة إسرائيل، وحقها في العيش على 78% من أرضنا الضاربة في جذور التاريخ، التي انتزعها منا اليهود عام 1948، ومنذ ذلك الحين ركزنا جهودنا على نيل استقلالنا عن طريق تأسيس دولة على ما تبقى من الأرض، أي على 22% فقط من الأرض الفلسطينية.

لكن السلام يتطلب العدل والمساواة أيضاً، وكما قال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فإننا لا نسعى لعقد اتفاقية تحل جزءاً من قضايانا فحسب، وإنما نريد اتفاقية تحقق العدالة للفلسطينيين والإسرائيليين، وتقود إلى سلام دائم بيننا وبينهم.

غير أن إسرائيل كانت، ولسنوات طويلة، حجر عثرة في طريق الحرية والدولة الفلسطينية، بسبب مضيها في سياسات الاحتلال والاستعمار للأرض الفلسطينية، ودوماً كانت إسرائيل تفعل هذا من خلال تطبيق سياسة خاصة ما يسمى«الحقائق على الأرض»، وتتلخص أهداف هذه السياسة في إقامة المشاريع الاستيطانية الرامية إلى الاستيلاء على الأرض والمياه والمصادر الطبيعية الفلسطينية.

بالإضافة إلى هذا، فإن المستوطنات الإسرائيلية تقع وسط الأراضي الفلسطينية، وهي بهذا تحيل الأراضي الفلسطينية إلى قطع معزولة ونائية، ليس هذا فحسب، وإنما أنشأ الإسرائيليون بنية تحتية لدعم تلك المستوطنات وتثبيتها، فشقوا طرقاً يقتصر استخدامها على اليهود فقط، وبنوا جداراً ترفضه كل الأعراف والقوانين يفصل الفلسطينيين بعضهم عن البعض الآخر، ويفصل بين المزارعين ومزارعهم، والطلاب ومدارسهم.

بصفتي عضواً في الفريق الفلسطيني المفاوض لأكثر من عشرين عاماً، فغالباً ما كنت أشهد نجاح المفاوضات في تحقيق تقدم، كذلك الذي قاد إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة ومدن الضفة الغربية عامي 1994 و1996.

وأدى إلى تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار الاقتصادي والاعتراف لكلا الجانبين، لكني أيضاً رأيت عملية المفاوضات، في أوقات أخرى، وهي تتحول إلى حملة دعاية وعلاقات عامة، يردد فيها القادة الإسرائيليون كلمة «سلام» مراراً وتكراراً، بينما كانت أفعالهم من نشاطات استيطانية وخلافه تزيد الأمور على الأرض سوءاً.

من الناحية التاريخية، استخدمت إسرائيل كل مفاوضات السلام السابقة للتغطية على نشاطاتها الإستيطانية، فمنذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، ازداد عدد المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية بشكل كبير، متجاوزاً بذلك معدل التكاثر الطبيعي لسكان إسرائيل والضفة الغربية، وفي الحقيقة.

فإن الرقم قد تضاعف على الأقل، حيث يوجد اليوم أكثر من نصف مليون مستوطن على الأراضي الفلسطينية،وهذا لا يشكل تهديداً جدياً للفلسطينيين فحسب، وإنما يشكل إهانة كبيرة لمصداقية عملية السلام ذاتها.

كمفاوض، أعتقد بقوة أن السلام ممكن بين الطرفين، فثلثا الشعب الفلسطيني يؤيدون المفاوضات مع إسرائيل، كما أن أغلبية الفلسطينيين والإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين.

الاستغلال والتلاعب

تجري حالياً عمليات البناء الاستيطاني الإسرائيلي بوتيرة أسرع مما كانت عليه الحال قبل فترة التجميد، ولا ننسى أن فترة التجميد نفسها شهدت مئات الانتهاكات للاتفاقية، لهذا لا يمكن للاستغلال والتلاعب أن يساهما يوماً بالمضي قدماً في مفاوضات السلام.

بل ينبغي أن تنبني المشاركة في عملية المفاوضات على تبني أهداف السعي لتحقيق العدالة والسلام في المنطقة، ولا تشكل ادعاءات إسرائيل التزامها بالعملية السلمية، وتجاهلها للقانون الدولي في الوقت نفسه، سوى الحرقة في قلوب الفلسطينيين.

بقلم ـ نبيل شعث