في نهاية المطاف، قالها أحدهم، وبأقصى درجات الوضوح والشفافية الممكنة: «إن المشكلة هي الصهيونية ولا شيء سواها، والحل هو أن يتم تفكيك الإطار الصهيوني، واستبدال نظام ديمقراطي مدني به، لا يفرق بين الفلسطينيين والإسرائيليين».
هذا الشخص هو «مايكو بيليد»، أحد نشطاء السلام اليهود، وهو مولود في إسرائيل ويعيش في أميركا، وابن «ماتي بيليد»، الذي كان ضابطاً صغير السن في حرب عام 1948 وترقى ليصبح جنرالاً في الجيش الإسرائيلي في حرب 1967، وبعد تلك الحرب، أدان بيليد الأب الصهيونية لتحريفها الحقائق، وقال إنه لا يوجد تهديد لوجود إسرائيل وأمنها.
كما تدعي، وأن الحرب كانت خياراً إسرائيلياً، أي أنها كانت عدواناً، ولم تكن دفاعاً عن النفس، كما ادعت، كما كان بيليد الأب من اليهود البارزين الذين دعوا بعد حرب 1967 إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل فوري.
مايكو بيليد يقول في مقالة له نشرت أخيراً إن حل الدولتين كان قائماً وعملياً قبل أربعين عاماً، لكن الضفة الغربية اليوم تعج بالأسواق والمصالح التجارية، التي بناها اليهود لهم على أراض فلسطينية، ويناقش أعضاء الكنيست بانتظام وعلانية مسألة تهجير السكان، أو بالأحرى السكان غير اليهود من المكان.
ويضيف مايكو: «إن الظلم والاضطهاد، الذي يمارسه اليهود ضد الفلسطينيين قد جاوز مداه، ومناقشة حل الدولتين في ظل هذه الظروف تكشف عن ضعف كبير في تقبل الحقيقة، ويسود وهم في الفكر الإسرائيلي بأنه يمكن يوماً أن تقوم حكومة إسرائيلية ليبرالية متطورة فكرياً، وسيصبح بعدها كل شيء كما يريد له الصهاينة، حيث سيمضي هؤلاء من حيث انتهى عرفات ورابين.
ويتحول بعدها الجو ليصبح ليبرالياً وديمقراطياً، كما يريد له الليبراليون الإسرائيليون، وكذلك الليبراليون اليهود في أميركا، وفي باقي دول العالم الغربي، الذي يشعر بالذنب لألفي سنة عانى فيها اليهود من الويلات. التمنيات كثيرة، لكن الواقع مختلف، فالصهيونية والسلام لا يتفقان أبداً، وأقولها مرة أخرى الصهيونية والسلام لا يتفقان أبداً».
ويضيف مايكو بأن من يدرس التاريخ الإسرائيلي المعاصر دراسة متأنية سيكتشف أن ظهور شخصيات مثل نتنياهو وليبرمان إلى الأضواء كان أمراً متوقعاً تماماً، وأنا أوافقه الرأي تماماً، فالصهيونية ليست مجرد حركة قومية يهودية بنت لها دولة على أراض عربية، عن طريق العنف والإرهاب والتطهير العرقي، بل هي عقلية مريضة، فالصهاينة يرون أن العالم كله كان معادياً لليهود، وسيبقى كذلك.
وهم مقتنعون أن الهولوكست أو المحرقة الثانية مقبلة لا محالة، كما أنهم مقتنعون تماماً بأن على الصهيونية فعل كل شيء من أجل بناء دولة إسرائيلية متطورة تتمتع بالتفوق النووي لتكون ملاذاً أخيراً لكل اليهود من مختلف الأماكن، عندما ينقلب العالم عليهم.
عندما كنت أتأمل الفكرة الرئيسة التي طرحها مايكو أن الصهيونية والسلام لا يتفقان تساءلت عن السبب الذي يدفع الرؤساء الأميركيون حقاً لغض الطرف وعدم مساءلة إسرائيل عن جرائمها، عندما تكون تلك المساءلة تصب في مصلحة أميركا.
لا أظن أن تأثير اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأميركي هو السبب الوحيد لذلك، لكني أسأل نفسي: «هل من الممكن أن يكون أن الرؤساء الأميركيين على علم بأنه لا يوجد ما يمنع القادة الإسرائيليين المتسلحين بالأسلحة النووي من فعل أي شيء إذا تم الضغط عليهم بشكل كبير لإجبارهم على توقيع اتفاقية سلام ضمن شروط يرون، من خلال عقلياتهم المريضة الواهمة، أنها ستعرّض أمن إسرائيل للخطر؟
وأستذكر دوماً ما كانت «غولدا مائير»، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة، قالته لي في مقابلة أجريتها معها في برنامج «بانوراما» الذي تبثه «بي بي سي» البريطانية فقد قالت إن: «إسرائيل، وفي حالة حدوث كارثة شاملة، ستكون مستعدة لأن تأخذ المنطقة كلها، والعالم أجمع معها إلى الهوة».
إذا كان جوهر الأمر أن الرؤساء الأميركيين يخشون من استفزاز إسرائيل، فإن الخلاصة هي أن الصهيونية وحش لا يمكن السيطرة عليه، وأن كل جهود السلام ستؤول إلى الفشل.
نقطة تحول
هناك من المراقبين من يرون أنه بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، فإنه هناك فرصة أخرى للرئيس الأميركي باراك أوباما لأن يسعى في طريق السلام للمرة الأخيرة، ويسعى لرد الإسرائيليين إلى رشدهم، وهذا الأمل الذي تجدد في الأفق ناتج عن تقارير تشير إلى استعدادات فلسطينية.
وربما عربية، لطرح مبادرة على مجلس الأمن تدعو من خلالها إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حدود 1967.في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية كتب الصحافي الإسرائيلي ألوف بين ما يلي: » وصلت الدبلوماسية الإسرائيلية إلى نقطة تحول، فبدلاً من السعي لحل تعثر المباحثات المباشرة.
سيكون من الأولى على القادة الإسرائيليين توجيه جهودهم الدبلوماسية لإعاقة المبادرة الفلسطينية الساعية لانتزاع اعتراف باستقلال الدولة الفلسطينية ضمن حدود 1967، مثل هذا القرار سيضع إسرائيل في صورة المحتل والغازي، وهذا سيمهد الطريق أمام قرارات دولية تصدر ضد إسرائيل».
بقلم: آلان هارتو
ترجمة ـ يوسف جباعته
