ما كان يتردّد من باب التحذير صارت أوساط ودوائر أميركية عديدة تتحدث عنه بلغة التخوف والقلق الصريح. ومن هذه الأوساط من هم في قمة الهرم الاقتصادي والمالي والإعلامي.
فالوقائع والأرقام تؤشر إلى حصول تراجعات كبيرة في مجالات أساسية كانت الولايات المتحدة تحتل الموقع المتقدم فيها وبأشواط. واقع يشير إلى وجود أزمة عميقة ومتعددة الوجوه في البنية الأميركية.
ومنها ما بلغ أو قارب الخط الأحمر. تراكمات سلبية مختلفة ومزمنة أدّت بالوضع إلى هذه النقطة. النتيجة كانت تزايد مخاوف أصحاب هذه الأصوات من تنامي التآكل في المرتبة الدولية للولايات المتحدة على أكثر من صعيد. وبالتحديد في موقعها الاقتصادي. كان من المفترض أن تكون الملفات الكبيرة الداخلية والخارجية محور الحملة الانتخابية الأخيرة. لكن الخطاب السياسي المأزوم تجاهلها وقفز فوقها.
التفوق الأميركي
التفوق الأميركي الذي نهض أساساً على ركيزتي الاقتصاد والقوة العسكرية؛ بدأت معادلته تختل. شقّه الأول آخذ في الهبوط المتمادي. معضلاته الراهنة هائلة. النمو سلحفاتي. البطالة على حالها عند حدود العشرة بالمئة. المديونية العامة والخاصة فلكية.
إلى جانب بنية تحتية شبه متهالكة وشحّ في الاستثمارات. حتى العلمية منها. نجاح الصين مؤخرا في صنع أسرع حاسوب في العالم؛ يؤشر إلى أن الولايات المتحدة باتت مهددة بالمنافسة على موقعها المتقدم والممتاز في مجالات البحث العلمي. وقد أحدث هذا التطور الصيني شبه هزّة لدى الأوساط المعنية في أميركا لما ينطوي عليه من اختراق نوعي يعزز من قدرات بكين التكنولوجية في مختلف الحقول والقطاعات. فما كان شبه احتكار لأميركا صار منافسها الرئيسي يزاحمها في مجاله.
والسبب لا ينحصر في خفض مخصصات الأبحاث. فالنظام التعليمي الأميركي المعطوب ساهم هو أيضاً في ذلك. صحيح أن الجامعات الأميركية ما زالت في طليعة مؤسسات التعليم العالي في العالم. لكن الولايات المتحدة تحتل مرتبة تعليمية دولية متدنية: 52. وكذلك مرتبتها في الرياضيات. 20 والعلوم: 12. الصين نجحت في تقليص المسافة مع أميركا في أكثر من حقل. وهذا أحد مصادر القلق الأميركي في الوقت الراهن.
خاصة وان تسجيل النقاط على حساب التفوق الأميركي مرشح للاستمرار بل للتزايد؛ في ضوء انشغال واشنطن بأزماتها المستعصية في الداخل وحروبها النازفة في الخارج. وتبدو الأولى مفتوحة على المزيد من التصعيد والتشقق. وهذا ما ينبّه كثيرون من خطورة انفلاته وتداعياته. لاسيما وأن مساحة التباعد تتزايد ومنطق الإلغاء يستبد بمواقف الطرفين: الجمهوري والديمقراطي.
زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ صرّح علناً بأن الأولوية لدى فريقه من الآن وحتى انتخابات 2012؛ هي العمل على حرمان أوباما من تجديد رئاسته. يعني لا تعاون معه. زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب تعهد أيضا «بعدم المساومة على المبادئ».
يعني الوقوف بالمرصاد للرئيس. عناوين من نتاج أجواءّ وصلت فيها درجة الاحتقان والتعبئة إلى أقصاها غير المسبوق. أحد رجال الدين ـ ومن الأميركيين السود ـ في ولاية فلوريدا هدّد باللجوء إلى العنف والتمرد إذا اقتضى الأمر « للإطاحة بحكومة أوباما» بزعم أنه ينوي تطبيق اشتراكية ماركسية !! تهديد بالعنف ضد الدولة تعود نغمته لزمن الحرب الأهلية. هلوسات كثيرة شهدتها وما زالت الساحة الأميركية.
تدهور في الخطاب يعكس مدى حدّة الأزمة التي بلغتها الديمقراطية الأميركية بنتيجة سياسات الانفلات وكسر الضوابط؛ في الداخل والخارج. والخطير في الأمر أنه في هذه الأجواء المتوترة هناك من يعود إلى لغة الحرب باعتبار أنها تشكل المخرج ربما الوحيد في مثل هذه الحالات. خاصة للرئيس أوباما.
تحديات قاسية
والمستهدف هذا المرة إيران. بالرغم من أن معظم الأصوات تحذر من اللجوء إلى هذا الخيار. لكنه الشطط الذي تفرزه حالة التخبط السائدة.
المؤكد أن أميركا ما زالت القوة العظمى الوحيدة.
تفوقها العسكري ما زال على حاله. ولو أن محدوديته كشفت عن نفسها بوضوح في السنوات الأخيرة. والمؤكد أيضاً أنها مرت بظروف وتحديات قاسية خلال تاريخها؛ وتجاوزتها عبر صمامات أمان نظامها ومؤسساتها وخصوصياتها.
لكن الأكيد كذلك أنها تواجه حالياً أزمة مركبة غير مألوفة بتحدياتها وتضافر عناصرها المختلفة كماً ونوعاً؛ وأنها بالرغم من خبرتها الواسعة في استنباط الحلول لا تبدو قادرة هذه المرة على الخروج ر غير القريب بكل حال ؟ منها بلا خسائر إضافية تلحق بموقعها الدولي؛ الذي تبدو متعثرة في استرجاعه كما كان.
واشنطن ـ فكتور شلهوب
