يرى الكاتب ديفيد برودر أنه رغم أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد يفقد السيطرة على الكونغرس، إلا أنه لا يزال يمكنه الفوز بولاية رئاسية ثانية في العام 2012. فكيف يرى برودر إمكانية ذلك؟
إنه يقول: «انظر إلى فرانكلين روزفلت والكساد الكبير. ما الذي حل الأزمة الاقتصادية وقتها؟ الحرب العالمية الثانية».
ويسلم برودر بأن احتمال نشوب حرب عالمية جديدة هو أمر «مرعب»، ويمضي في سرد الفوائد والجوائز التي يمكن أن يحققها أوباما، إن هو قلد فرانكلين روزفلت.
يقول برودر: «مع وجود تأييد جمهوري كبير في الكونغرس لتحدي طموحات إيران بأن تصبح قوة نووية، يمكن لأوباما أن يقضي معظم العامين المقبلين 2011 و2012، في التدبير لمواجهة مع طهران. وسيساعده ذلك سياسيا، لأن حزب المعارضة (الجمهوري) سيقوم بتحريضه على تلك الحرب. ومع تزايد التوتر، وتسارع استعداداتنا للحرب، سيتحسن الاقتصاد».
ويضيف برودر: «ستتوحد الأمة الأميركية حول أوباما في ضوء تصوير إيران بأنها أكبر تهديد للعالم في سنوات القرن الجديد الأولى. وإذا كان بوسعه مواجهة هذا التهديد، فسيكون قد جعل العالم أكثر أمنا وربما يتم اعتباره واحدا من أكثر الرؤساء نجاحا في التاريخ الأميركي».
وبعيدا عن السخرية، فما هو وجه الخطأ في تحليل برودر؟
أولا، كيف سيؤدي «الاستعداد للحرب» ضد إيران إلى تحسين الاقتصاد، على وجه الدقة، بينما تكلفت حربان أخريان أكثر من تريليون دولار وتركتا أميركا في أكبر كساد منذ الثلاثينات؟
ربما لم تكن هاتان الحربان كبيرتين بما يكفي؟
إذا كانت الحرب مفيدة للاقتصاد، فلماذا تباطأ معدل نمو أميركا، وهي في حرب منذ 10 سنوات، وتوقف عند 2%، بينما تزدهر الصين وهي التي تستثمر في الدول المارقة بدلا من أن تقوم بقصفها؟
علاوة على ذلك، فأي هجوم على منشآت إيران النووية سيتم بواسطة سفن وطائرات موجودة في الترسانة الأميركية بالفعل. ولن تحتاج واشنطن إلى عشرات الألوف من السفن والدبابات والمدافع والطائرات التي احتاجتها في الحرب العالمية الثانية، ولا إلى تجنيد 12 مليون جندي، كما في السابق.
ستكون أول نتيجة لهجوم أميركي على إيران هي سحب لانتاج النفط الإيراني من الأسواق العالمية. وإذا ردت إيران بتلغيم مياه المنطقة أو بإغراق ناقلة، فسيرتفع سعر النفط إلى 300 دولار للبرميل، وسيرتفع سعر البنزين إلى 10 دولارات للغالون. فهل يعتقد برودر أن ذلك سيعطي دفعة جيدة للاقتصاد العالمي.
لقد وحد الهجوم الياباني على بيرل هاربور الأميركيين، وأي هجوم على منشآت إيران النووية سيوحد الإيرانيين، وربما أقنع أي متشكك بأنها يجب أن تحصل على السلاح النووي لتردع أميركا.
عندئذ سيكون على واشنطن اللجوء إلى إجراءات متطرفة، لضمان كسب الحرب وإسقاط نظامها، ومنعه من الانتقام بكل الوسائل المتاحة لديه.
ولعلم برودر، فإن أميركا ليست لديها العدد الكافي من القوات لمثل هذه الإجراءات ضد إيران وهي أكبر مساحة من العراق بثلاث مرات.
وبينما يكمل أوباما «استعداده للحرب» كيف يقترح برودر حماية الدبلوماسيين والمدنيين الأميركيين في لبنان حيث هم على بعد خطوة من حزب الله؟
يزعم برودر أن:» إيران هي أكبر تهديد للعالم في القرن الجاري».
ولكن لأي جهة يتجه تهديدها؟
وإذا كان بإمكان جيران إيران التعايش معها، فلماذا نشعر نحن، بما لدينا من 5000 رأس نووي، وعلى بعد 6000 ميل، بهذا الخوف الشديد؟
تعتبر إسرائيل إيران خطرا على وجودها.
لكن إسرائيل تمتلك 200 رأس نووية. كما تمتلك الطائرات والغواصات والصواريخ اللازمة لإطلاقها. كما أن مفتشي الأمم المتحدة أكدوا أن إيران لم تحل أي جزء من اليورانيوم لصناعة الأسلحة النووية. ويقول مسؤولون أميركيون إن طهران لا يمكنها تجربة أي جهاز نووي، ناهيك عن صناعة قنبلة نووية، من دون علم واشنطن.
ثلاثة دروس مستفادة من نتائج الانتخابات الأميركية
كان من الواضح منذ بعض الوقت أن يوم انتخابات التجديد النصفي للعام 2010 لن يكون يوما جيدا للديمقراطيين. نتائج انتخابات التجديد النصفي في الغالب لا تكون سارة لحزب الرئيس.
وعندما تضيف إلى ذلك بطالة مرتفعة، واقتصادا متعثرا، يكون الأمر كله أشبه بتلة عالية صعبة التسلق. لذلك لم يكن لدي أي شك في نتائج الانتخابات وفوز الجمهوريين فيها. لكن لدي ثلاث نقاط أود أن أتناولها، وقد أغضبتني بشكل خاص، بشأن فوز الجمهوريين هذا العام.
أولا، من المحبط أن الإدراك الجمعي كان معتمدا على أكاذيب بشأن الرعاية الصحية، وخطة الإنعاش الاقتصادي، والإنفاق الحكومي.
وبالإضافة إلى تلفيقات كثر الترويج لها مثل «لجان الموت»، التي كان البعض يتحدثون عنها حتى الأسبوع الماضي، فقد بالغت إعلانات الحزب الجمهوري السياسية في تصوير نفقات وآثار العجز المالي الذي سينتج عن خطة الرعاية الصحية، التي اقترحها الرئيس باراك أوباما. كما بالغت الإعلانات أيضا بشأن طبيعة الإنفاق الفيدرالي منذ وصول أوباما إلى الحكم.
وكما أقول دائما، تسعدني مناقشة سياسة الحكومة، لكن النقاش يجب أن يرتكز على الحقائق الملموسة، وليس على أكاذيب صنعتها شبكة «فوكس» التلفزيونية وغيرها من آلات الدعاية اليمينية.
ثانيا، من المحبط أن تكون ذاكرة الأميركيين محدودة بهذه الدرجة. لقد كان الرئيس السابق جورج بوش والكونغرس الجمهوري هما اللذان أوقعا الولايات المتحدة، على مدى العقد الماضي، في أسوأ موقف اقتصادي منذ الكساد الكبير.
حيث زادت الفجوة بين الأغنياء وأبناء الطبقة المتوسطة إلى مستويات لم تحدث منذ ما يقرب من قرن. وكانت المبادئ المحافظة التقليدية القائمة على تكسير القيود وإطلاق نفوذ الشركات الكبرى، هي التي أنتجت «فقاعة الإسكان» وأوشكت على تحطيم النظام المالي.
لكن الناخبين يضعون ثقتهم الآن في أولئك الذين تسببوا في وصول أميركا إلى حالة يرثى لها، وأولئك الذين يعيدون اقتراح الاستراتيجيات الفاشلة نفسها، لحل المشكلات. وليس لهذا أي معنى.
ليس من المنطقي الاعتقاد أن بإمكان الديمقراطيين حل الخلل الكبير في أقل من عامين. وأقل منطقية من ذلك أن نعاقب الديمقراطيين الذين، على الأقل، بذلوا جهودا للبدء في إزالة الأضرار التي سببها الجمهوريون، بينما نكافئ أولئك الجمهوريين الذين مارسوا إستراتيجية معيقة، واضعين تحقيق المكاسب السياسية فوق إيجاد الحلول التي يمكن أن تساعد المحتاجين من الأميركيين.
وأخيرا، من المحبط أن الحملة المغرضة التي شنها الجمهوريون من «حزب الشاي» تم تمويلها، بملايين الدولارات، بأموال مشبوهة من مصادر خاصة وشركات مجهولة، حيث قام أشخاص مثل كارل روف والإخوة كوتش، وغرفة التجارة بشراء الانتخابات.
وكنت قد حذرت، في يناير الماضي، عندما أصدرت المحكمة العليا حكما، تحت مسمى «سيتيزنز يونايتد»، بعدم تقييد التمويل الذي تتلقاه الإذاعات السياسية المستقلة خلال الانتخابات بمقتضى التعديل الأول على الدستور الأميركي، من أن الحكم يعزز مصالح الشركات الكبرى، ومن أن ذلك سيغير وجه السياسة الأميركية.
وقد ظهرت تجليات ذلك في الانتخابات الأخيرة، وما ألحقته المحكمة العليا بالديمقراطية الأميركية من أضرار. وبرغم النقاط التي تثير غضبي، والفوز الكبير الذي حققه الجمهوريون، فإن هناك ثلاث نقاط إيجابية تجب الإشارة إليها.
أولها، أن عامة الأميركيين رفضوا «حزب الشاي». وربما يتصور البعض أنني فقدت صوابي بقولي ذلك. ولكن هل فاز أي مرشح من حزب الشاي بمقعد لم يكن المرشح الجمهوري ليفوز به. العكس هو الصحيح.
فقد أبعدت كريستين أودونيل من حزب الشاي المرشح الجمهوري القوي مايك كاسيل في الانتخابات التمهيدية، لتفشل هي أمام الديمقراطي كريس كوونز في ديلاور. هذا المقعد لم يكن ليخسره كاسيل بأي حال. لقد رفض الناخبون مرشحة حزب الشاي.
ثانيا، أن الكلام ليس مثل الفعل. فقد تحدث مرشحو حزب الشاي الجمهوريون كثيراً وبقوة خلال الحملة الانتخابية، وقدموا وعودا لا حصر لها، من قبيل خفض الإنفاق والضرائب والعجز في الميزانية، وأهم من ذلك أكدوا أنهم لن يتنازلوا ولن يرضوا بالحلول الوسط.
الآن وقد فازوا، فهم يواجهون خيارين صعبين. فإما مع الانصياع للرئيس الذي قالوا إنه هو المشكلة، والتراجع عن تعهداتهم، وهو ما سيدمر النظام السياسي تماما، وإما أن يتحدوه ويتحملوا نتائج عرقلة الحكومة وإصابتها بالشلل.
وثالثا، أن الديمقراطية تؤدي مهمتها، حتى وإن لم تكن نتائج الانتخابات على ما يرام. وأن النظام الديمقراطي يثبت فاعليته، وإن لم تكن النتائج دائما تحقق أفضل الفوائد للمصلحة الأميركية.
الأميركيون سئموا الحزبين المتصارعين
يعتبر البعض أن خسارة الأغلبية الحزبية في الكونغرس أمر فظيع. وقد تسبب الناخبون في ذلك بالفعل للديمقراطيين عندما جردوهم من أغلبيتهم في مجلس النواب، في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة. لقد عاقب الناخبون الديمقراطيين لأنهم طبقوا أجندة لم يعلنوا عنها، ولم يقبلها الناخبون.
كان الاقتصاد هو القضية المسيطرة على النقاش وسبب الكثير من القلق والغضب، الذي شعر به الناخبون في واشنطن. ولكن حتى لا يساء فهم القضية، فقد كان هناك نوع من الرفض الأيديولوجي للأجندة الديمقراطية، على مدى العامين الماضيين.
وقد ثأر المستقلون من الديمقراطيين، الذين ساعدوهم قبل ذلك للفوز بالأغلبية في أواخر عهد الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، حيث رفضوا مبادرات الرئيس الديمقراطي باراك أوباما الاقتصادية الثلاث لإنقاذ وإنعاش الاقتصاد التي كلفت دافعي الضرائب الأميركيين 812 مليار دولار. وقد عبر 48% من الناخبين قبل التصويت الفعلي عن رأيهم بأن على الكونغرس إلغاء خطة أوباما للرعاية الصحية.
ولم يفلح أوباما في أن يصبح رونالد ريغان جديدا بإعادة تأهيل الحكومة في عيون الشعب. فقد كان من المفارقات الكبيرة أن إدارة أوباما التي ضخمت الحكومة إلى درجة لم تحدث حتى في عهد الرئيس الأسبق ليندون جونسون، قد أضرت بسمعة هذه الحكومة كثيرا.
وعلى العكس من ذلك، فقد ترك ريغان منصبه بعد ثماني سنوات في الحكم وسمعة الإدارة الأميركية في أحسن حالاتها، بقصر عمل الحكومة على دورها المشروع فقط.
لقد أظهرت نتائج الانتخابات أن الناخبين لا يزالون ينظرون إلى الحزب الجمهوري بالقدر نفسه من التحفظ الذي يتعاملون به مع الديمقراطيين، مما يعبر عن الاحتقان الذي يسود المزاج العام للأميركيين الذين سئموا ساستهم من الحزبين.
بقلم ـ باتريك بوكانان بقلم ـ ميتشل بارد-ترجمة ـ عصام بيومي
