قبل أن تنتهي من قراءة أول سطر من هذا الموضوع سيموت ثلاثة أطفال من الجوع. وعندما تنتهي منه سيكون قد مات أكثر من مئة طفل في عالمنا جوعاً. وبحسب إحصائيات برنامج الغذاء العالمي فإن الجوع وسوء التغذية هما أكبر تهديد للصحة عالميا. فهناك طفل يموت كل ست ثوان بسبب الجوع وسوء التغذية.

الأمير الحسن بن طلال سبق أن خاطب قبل أشهر المشاركين في مؤتمر «الأمن الغذائي والتغير المناخي في المناطق الجافة عبر ندوة عقدت في عمّان قائلاً: «ما لم تتحرك منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا في عملية تشاورية حول القدرة الاحتمالية للمصادر الطبيعية والإنسانية، فإن المنطقة ستتعرض لظروف قاسية».

وبعد ثلاثة أشهر احتشد مئات الآلاف في الأردن، وحول العالم من المشاهير والشخصيات البارزة والمسؤولين في الحكومات، وممثلي الأمم المتحدة، وشركاء برنامج الأغذية العالمي، لينضموا إلى برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة بالتعاون مع شركائه لتنظيم مسيرة عالمية لمكافحة الجوع.

لم يكن الأمير الحسن الأول الذي حذر من ظاهرة «الجوع في العالم» وفقدان البشرية لأمنها الغذائي، ولن يكون الأخير. وينظر البعض إلى المعالجات التي تقوم بها الدول والمنظمات أنها «ترقيعية»، تقدم خلالها «وجبات الطعام اليومية، وهو ما يضمن ابقاء الفقراء على فقرهم».يقول نقيب المهندسين الزراعيين عبدالهادي الفلاحات إن الخطط التي اعتمدتها الهيئات الدولية في روما قبل سنوات لتقليص عدد الجياع على مستوى العالم فشلت.

فقد زاد عدد الجياع وانتشرت الظاهرة في مناطق أخرى فيما باتت بعض المناطق التي كانت آمنة مهددة، مشيرا إلى ان هذا ثبت في عام 2008، وهذا ما يلوح في الأفق في السنوات المقبلة من تهديدات ان تجتاح العالم ازمة غذائية. ويعزو الفلاحات ذلك إلى تحكم بعض الدول في مصادر الغذاء، واعتباره في كثير من الحالات ملفا سياسيا وليس زراعيا غذائيا.

ومن تعريفات الأمن الغذائي انه إنتاج الحد الأدنى من احتياجات الدولة على المستوى القطري. وهو الأمر الذي لم يتحقق عربيا في ظل عجز تام يقود لتوزيع الموارد في المناطق العربية، ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض الدول فقرا في الأراضي الزراعية، رغم امتلاكها للمال، تعاني دولا عربية أخرى فقرا في امتلاك الموارد البشرية رغم امتلاكها لمخزون كبير من الأرض الزراعية والماء، وفي المقابل تعاني بعض الدول فقرا ماليا لا يسمح لها باستغلال موارد الأرض، في ما تعاني دولا أخرى من فقر مائي رغم امتلاكها لمخزون من الأرض الزراعية جيد.

الفلاحات في هذا السياق يطرح سؤالا بديهيا: لماذا اذاً لا تستغل الدول موارد بعضها البعض في عملية تكاملية تدفع إلى تحسين ظرف الأمن الغذائي العربي؟ لا تبدو الإجابة عن السؤال سهلة في ظل التفتت الذي يعانيه القرار العربي الرسمي؟. فالواقع يشير إلى إن الجانب الرسمي العربي يرغب في الإبقاء على المنطقة مستوردة لأمنها الغذائي ،إذا كان البديل هو «التكامل العربي المشترك».

ويعرب الفلاحات عن استغرابه من كون معظم الدول العربية تتعامل مع القطاع الزراعي كونه قطاعا اقتصاديا. يقول: طالما نعتقد بأن على الشجرة ان تدر علينا الأموال مباشرة فإننا سنبقى في حاجة ليطعمنا الآخرون.

ويضيف ان المساحات الصالحة للزراعة المستغلة عربيا لا تتجاوز الثلث، فيما الإنتاج الزراعي العربي لا يتعدى الـ 50؟.وعليه يجب أن يتم تحييد القطاع الزراعي عن الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية.. ليس لمصلحة الأوطان وحسب، بل لمصلحة الأنظمة العربية ذاتها.. يجب ان تفتح الأسواق، ويتم دعم التعاون الزراعي بين الدول العربية.

الانكشاف الغذائي

وعلى حد وصف في ورقة عمل بعنوان «نحو بناء أمن غذائي عربي راسخ» التي قدمها د. إبراهيم العيسوي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومي بالقاهرة لمنتدى عبدالحميد شومان الثقافي مؤخرا، فإن «الوطن العربي لا يزال يعاني من الانكشاف الغذائي، وانه جزء لا يتجزأ من حالة التبعية الشاملة لدول المركز في النظام الرأسمالي العالمي.

وقدمت ورقة العيسوي ثلاثة عوامل تنذر بتفاقم حالة الانكشاف الغذائي العربي، أولها، متصل بالأزمتين العالميتين الأخيرتين في الغذاء والطاقة. وثانيها، مرتبط بالنتائج السلبية لتطبيق سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة في الأقطار العربية. وثالثها، متعلق بالصعوبات المتزايدة للتعامل في الأسواق الزراعية العالمية الناجمة عن تركز القوة السوقية بأيدي قلة من الشركات الاحتكارية العملاقة.

وتنتهي الورقة باقتراح تحول جذري في التوجهات التنموية العربية من أجل تأمين الغذاء للشعوب العربية وتحقيق تنمية شاملة، مستقلة ومطردة وعادلة للوطن العربي.

وقال استاذ الاقتصاد: إن «الأزمات التي تصيب إنتاج الغذاء وأسعاره، والمخاطر المتزايدة التي تحيط بالتعامل مع الأسواق العالمية لمستلزمات الإنتاج الزراعي والمنتجات الزراعية الغذائية، تجعل معالجة الانكشاف الغذائي العربي واستهداف تأمين الغذاء الكافي والآمن للشعوب العربية على نحو مستدام هدفاً لم يعد يحتمل التأجيل أو الفتور والتراخي في السعي لتحقيقه».

وأوضح إن هذا الهدف ممكن التحقيق إذا انطلق العرب نحو تحقيقه بجهد جماعي متناسق، يعزز ما يبذل من جهود على المستوى القطري من جهة، وما يبذل من جهود بالتعاون مع سائر دول الجنوب من أجل إحداث تعديلات في البيئة الدولية تعزز التنمية الشاملة والمطردة لهذه الدول، لا سيما في منظمة التجارة العالمية وغيرها من المحافل الدولية ذات الصلة بقضايا التنمية .

وفي الأردن، تتناقض البيانات التي تخرج بها دائرة الإحصاءات العامة حول الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي مع الأهداف الحكومية الواردة في خطتها التنفيذية المكونة من سبعة محاور، خامسها زيادة قدرة الأردن على تحقيق الأمن الغذائي.

وتشير نتائج الدراسات المعززة لبيانات الأمن الغذائي أن الأردنيين شعب مستهلك وليس منتجا، وعزز ذلك ضعف أدوات الإنتاج وانتقاصها للتنوع.

عمان ـ لقمان اسكندر