يوجد في العاصمة الجزائرية شارع يسمى حالياً «شارع جيش التحرير الوطني» وكان زمن الاحتلال الفرنسي يسمى «طريق الأغنام» الطريق محاذية للميناء وعليها تمر قطعان الغنم وتتجمع قبل تصديرها إلى مختلف مناطق العالم. ومن هذا الشارع مرت قوافل محملة باللحوم المستوردة من الهند خلال رمضان الماضي لتموين أسواق مختلفة مدن الجزائر. فما الذي حول الجزائر من مصدر بامتياز للحوم إلى مستورد لنحو نصف حاجتها؟
طرحت السؤال على الكثيرين فكان البحث عن الجواب صعبا لان الأمر فيه «شيء من السيادة» فليس ثمة من يقول بأن زمن الاحتلال أفضل حالاً من نيل الاستقلال، فحتى وان كانت قدرات البلاد الإنتاجية من مختلف المواد، إضعاف ما ينتج اليوم فان الفائدة كانت كلها تصب في جيب المستوطنين الأوروبيين، ومسألة اللحم، مجرد مثال. فالجزائر كانت سلة أوروبا من الحمضيات والخضار والحبوب والألبان وغيرها.
لقد كان المستوطنون يسيطرون على أجود الأراضي ويجنون أرباحا أكثر مما يجنيه أي قطاع آخر. وكانت سلطات فرنسا تحصل منهم على ضرائب أكثر مما تحصل عليه من أي قطاع آخر. لكن القطاع الزراعي في الجزائر عاش خلال ما يقارب نصف قرن من الزمن على «صدقات» خزينة الدولة.
وقد تم مسح ديونه مرات عديدة لكن نهوضه كان بطيئا جداً ولم يسجل أي تطور حتى السنوات الأربع الأخيرة، حيث ضخت الدولة أموالاً ضخمة وسنت قوانين محفزة وأطلقت برامج مدمجة خاصة بالزراعات التي تحقق الأمن الغذائي وقد بدأت تأتي ثمارها من خلال تقليص هام في فاتورة الاستيراد.
حول أسباب الإخفاق خلال عقود من لزمن، قال العربي وشان وهو مزارع من ولاية البليدة «المشكل مشكل تدبير وإدارة.. فمن كان يشتغل زمن الاحتلال؟ كل العاملين جزائريون، والأوروبيون كانواً ملاكاً لا يعملون في الأرض بشكل مباشر. من كانوا يصنعون تلك الخيرات جزائريون لكن بتدبير وإدارة فرنسية.
وذلك التدبير والإدارة، ما ينقص الجزائر اليوم... ثمة تسيب عام منذ عقود، ونشأت أجيال لا تعرف العرق، وتريد أن تربح وتكسب بأسرع وقت وبأقصر طريق، وهي تعيش في الأوهام والأحلام. وان بقينا بهذه الذهنية أخشى أن يتحول الزرع والحصاد لمجرد حكايات ترددها الألسن.
الخبير عبدالملك سراي المستشار الاقتصادي السابق للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أكد أن التراجع في تأمين الغذاء يعتبر اخطر التحديات التي تواجه الجزائر وكل البلاد العربية.
وقال خلال 40 عاما من الآن سيتضاعف عدد سكان الجزائر تقريباً ويقارب 60 مليوناً، فيما سيتجاوز عدد سكان البلاد العربية 520 مليون نسمة، حسب دراسات تقديرية، لكن بالمقابل يستمر التأخر في تأمين فرص توفير الغذاء ونشهد تقلصا مقلقا للمساحات الزراعية بفعل التصحر وهجرة الأيدي العاملة الزراعية إلى المدن والى الأشغال الأسهل. هذا الوضع سيدفع إلى رفع حاجاتنا أكثر من الضعف، وهو ما لا تقوى عليه الدول، إن ظلت تابعة للسوق الأجنبية حتى في حال بقاء طاقاتها النفطية كما هي اليوم.
أما الدول التي لا تمتلك النفط والغاز فان الآتي كارثة». وقال إن القطاع الزراعي الجزائري يحتاج إلى تكييف عميق مع متطلبات السنوات المقبلة بتوسيع المساحة الصالحة للزراعة مليار و200 ألف هكتار على الأقل في غضون أربعين عاماً مقابل 800 مليون هكتار الحالية وتطوير المكننة وتعميم أنظمة حديثة للري وتأهيل الأيدي العاملة الفلاحة وتشجيع النشاط الزراعي من خلال دعم الإنتاج وفتح المجال للتصدير لزيادة الرغبة في الإقبال.
وأشار علي الكنز الخبير في علم الاجتماع، ان الوقت لم يفت لتدارك الموقف، والوضع اليوم ليس سيئا بما يدفع لإعلان الطوارئ، والوضع يحتاج إلى تدابير لتثبيت سكان الريف بمواقعهم، وتقليص النزوح إلى المدن قدر الإمكان، وتكوين مسببات الهجرة العكسية من المدينة لاستغلال أراضي الريف. وهي كلها أمور يمكن تحقيقها ببرنامج ترعاه الحكومة وتدعمه علي المدى الطويل.
وفي مقابل الآراء المحذرة من الانزلاق إلى زيادة العجز، يرى بعض الاقتصاديين في الجزائر أن البلاد يمكن ان تصبح مصدراً قويا للمواد الزراعية ويمكن بالتالي أن تغطي بعض حاجة اقطار عربية أخرى لا تتوفر لديها خاصيات تطوير القطاع الزراعي.
وفي حديث خاص قال نور الدين كحال المدير العام لديوان الحبوب في الجزائر، إن الدولة قطعت خطوة كبيرة نحو تحقيق حاجاتها من المواد الزراعية الاستراتيجية وفي مقدمتها الحبوب.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
