لم يعد الغذاء، مسألة اقتصادية أو اجتماعية، أو إنسانية، وإنما بالإضافة لكل ذلك، صار مسألة تتعلق بالأمن القومي العربي، فالشعب الذي لا يملك قوته لا يملك قراره، وتحول الغذاء إلى ورقة ضغط أساسية تلعب بها القوى الدولية وتضغط من خلالها على الأنظمة والحكومات لتضمن ولاءها وانصياعها التام لإرادتها، وانضمامها إلى سربها، ولذلك لم يعد الغذاء كما كان ترفاً، وإنما صار من أولويات ومتطلبات الأمن القومي.

ولما كان الأمر كذلك، فإن الدول العربية نظراً للظروف الأمنية والسياسية الدولية والإقليمية، فضلاً عن الجوانب الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، باتت قضية الأمن الغذائي أجندة محورية على مختلف الأصعدة، خاصة والعالم العربي بدلاً من أن يستغل موارده وثرواته ليصبح سلة غذاء العالم، صار يستجدي الغذاء من كل مكان في العالم من أقصاه إلى أدناه، بشكل يفقد الجميع الشعور بالأمان مع أقل حق من حقوقه والغذاء.

أكد الدكتور عادل البلتاجي مستشار وزير الزراعة المصري رئيس مركز البحوث الزراعية أن بلاده من الدول التي تواجه مشكلات كبيرة في قطاع الغذاء، رغم أنها دولة زراعية في الأساس تمتلك المياه والأراضي الخصبة والأيدي العاملة المدربة والماهرة، والخبرات الزراعية التي تمتد لآلاف السنين.

فضلاً عن الكوادر التكنولوجية والعلمية، مرجعاً ما تواجهه بلاده من مشكلات في القطاع الغذائي إلى تزايد عدد السكان الذي تعدى الـ 80 مليون نسمة في الوقت الذي ما زالت الرقعة الزراعية كما هي، وما يتم إضافته من خلال استصلاح الأراضي الصحراوية، يقابله تآكل في الرقعة الزراعية في الدلتا والوادي.

وقال البلتاجي انه لمواجهة تلك المشكلات أعلنت وزارة الزراعة مؤخراً عن استراتيجية التنمية الزراعية والتي ستستمر حتى عام 2030، وأن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي حددت احتياجاتها المالية اللازمة لتنفيذ خطة التنمية الزراعية حتى عام 2030 ب123 مليار جنيه يتحمل القطاع الخاص منها 49 في المائة بينما تتحمل الدولة 51 في المائة بواقع 63 مليار جنيه، مضيفاً إن الدولة ستسترد 54 مليار جنيه مما ستنفقه على الخطة كناتج من المساحة التي يتم استصلاحها وكذلك كعائد من تطوير الري، مشيراً إلى أن تنفيذ الخطة سيساعد المزارع الصغير على تحقيق عائد يصل به من 30 إلى 47 ألف جنيه سنوياً.

وأشار إلى أن الخطة تستهدف الوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية الرئيسية مثل القمح والوصول به إلى 74 في المائة، والذرة إلى 76 في المائة، والسكر إلى 82 في المائة، والألبان إلى 98 في المائة، إلى جانب توفير 6, 1 مليون فرصة عمل وتحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم والوصول بها إلى 77 في المائة.

مضيفاً ان الخطة التي وضعتها الوزارة تستهدف كذلك زيادة إنتاج الدواجن من بدار التسمين والوصول بها من 850 مليون إلى مليار طائر سنوياً وزيادة طاقة الإنتاج من البيض والوصول به من 6 إلى 2, 7 مليارات بيضة سنوياً.

وكشف البلتاجي أن الخطة الجديدة وضعت في اعتبارها زيادة المساحات الزيتية لتصل إلى 340 ألف فدان فضلاً عن النهوض بمحصول القطن وزيادة إنتاجيته إلى 10 قناطير بدل من 6 للفدان الواحد، كما تستهدف الخطة الجديدة زيادة إنتاجية محصول القصب إلى 55 طناً للفدان وزيادة مساحات بنجر السكر إلى 500 ألف فدان بدلاً من 250 ألف فدان؟ وذلك في خلال السنوات السبع القادمة؟ وكشفت الخطة عن رفع كفاءة الري من 50 إلى 75 في المائة في مساحة 5, 3 ملايين فدان بأراضي الوادي.

3 محددات

ويقول الدكتور ممدوح برعاص الأستاذ بمعهد صحة المياه والأراضي بمركز البحوث الزراعية، ان الأمن الغذائي في الوطن العربي محكوم بثلاثة محددات رئيسية وهي الموارد الأرضية الصالحة للاستزراع، والموارد المائية، والموارد البشرية، وكل تلك الموارد متوافرة في الوطن العربي، وتتركز الموارد الأرضية الخصبة في بعض الدول مثل السودان والعراق ومصر وسوريا والمغرب وتونس والصومال؟

والموارد البشرية فإن عدد سكان الدول العربية 400 مليون نسمة ودوله تعاني من البطالة، بالرغم من توافر خبرات ومهارات زراعية عالية، وتتواجد الخبرات الزراعية في مصر والعراق وسوريا، أما بالنسبة للموارد المائية فهي متوافرة وقابلة للزيادة من خلال تحسين وسائل الري وإقامة السدود والقنوات خاصة في السودان وتحلية المياه.

وأرجع برعاص عدم وجود تكامل عربي لسد الفجوة الغذائية العربية، لعدة أسباب منها، سياسية، حيث انها تدخل في معظم الأمور الحياتية بالنسبة للوطن العربي، وتؤثر على وجود تكامل فعلي في إنتاج الغذاء وسد الفجوة عربياً ، وتابع قائلاً «أضف إلى ذلك وقوع بعض الدول العربية تحت تأثير الضغط الخارجي، حيث إنه إذا ما تم تكامل عربي لإنتاج الغذاء وسد الفجوة الغذائية، فإن العالم العربي سيصبح قوة.

وهذه القوة ليست في مصلحة الغرب، لأن بعض الدول الغربية تستغل الغذاء كورقة ضغط سياسية على الدول النامية للتحكم في سياستها الخارجية والاستفادة من ثرواتها ومقدراتها المادية، والتحكم فيها».

وقال إنه من ضمن المشكلات التي تؤثر في القدرة على سد الفجوة الغذائية في الوطن العربي، وهي من صناعة الغرب، مشكلة جنوب السودان، لافتاً إلى أن وجود المساحات الشاسعة جداً بجنوب السودان بالإضافة للموارد المائية اللامحدودة، وفي ظل إنشاء بعض المشروعات المائية على نهر النيل والنيل الأبيض، يمكن توفير موارد مائية ضخمة لمصر والسودان، بالإضافة لبعض المشروعات الزراعية التي كان سيتم عملها في السودان بالاشتراك مع الحكومة المصرية لزيادة الغذاء، غير أنه بسبب مشكلة الجنوب انتهى كل شيء.

وأضاف انه لنفس السبب وبسبب الحرب على العراق، وما خلفته من عدم استقرار أمني وسياسي توقفت الكثير من العمليات الإنتاجية الزراعية نظراً لهجرة الملايين من العراق وعمليات النزوح الجماعي، وتدمير أشجار النخيل وملايين الأفدنة من المحاصيل الزراعية.

وأكد إمكانية سد الفجوة الغذائية في العالم العربي، مشدداً على إمكانية أن يزيد إنتاج الغذاء على حاجة العالم العربي، وإمكانية تصدير الفائض منه للخارج، مشيراً إلى أن مصر على سبيل المثال تمتلك أكبر مركز بحثي في العلوم الزراعية على مستوى الشرق الأوسط ويحتوي على أكثر من 19 معهداً بحثياً متخصصاً في شتى العلوم الزراعية ويعمل به نحو 12 ألف باحث في جميع التخصصات.

ونوه إلى أن وجود الخبرة في مصر، والموارد الأرضية والمائية في السودان وكثير من الدول العربية الأخرى، بالإضافة إلى الموارد المالية في دول الخليج، فلو تكاتفت هذه الجهود كانت كمية الإنتاج الزراعي قادرة على سد احتياجات العالم العربي وتصدير الفائض منه.

ولتحقيق الأمن الغذائي في الوطن العربي، قال إن ذلك يتطلب توعية الفلاحين والمزارعين بأهمية زراعة الحبوب لسد الفجوة الغذائية للمواطنين، وقيام الدول العربية بتشجيع زراعة المحاصيل الحقلية.

وذلك من خلال دعم المزارعين كما يحدث في كل دول العالم، ولابد أن يكون هناك مشاريع مشتركة بين الدول العربية لزراعة مساحات شاسعة من المحاصيل الحقلية وعدم اللجوء للاستيراد من الخارج، بالإضافة إلى رسم سياسة زراعية عربية ثابتة لا تتأثر بالخلافات السياسية.

القاهرة ـ عماد الأزرق