يعيش المجتمع الإنساني وينمو ويزدهر.. بفضل وجود الطبقة الوسطى.. هي تلك الشريحة الاجتماعية التي تحترم قيمة العمل وتكرّس جهود الإبداع..

وهي تمثل في التحليل الأخير طوق النجاة أو سور الحماية من أن يتحكم في مقاليد الجماعة البشرية جموع البسطاء كي لا نقول الدهماء القابعة عند القاع أو أن تهيمن على مقاديرها شرائح الطبقات المترفة التي تستهلك أكثر مما تنتج وتهدر من الموارد أكثر مما تصون وتحفظ.

من هنا فالثقافة العربية وكذلك مفردات التراث الإسلامي المستنير تولي مزيداً من الاهتمام والتقدير لمبدأ الوسطية في السلوك الفردي وأيضاً في إدارة الشأن الاقتصادي الاجتماعي.. حيث يحمد كتاب الإسلام الأعظم سلوك الذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا.. وكان بين ذلك قواما.

ويشهد التاريخ من ناحية أخرى كيف أن كثيراً من أفراد الطبقة أو الطبقات الوسطى.. وُلدوا وسط ظروف أقرب إلى الفقر.. ولكنهم استطاعوا أن يرتقوا درجات السلم الاجتماعي.. إلى حيث مستوى الطبقة الوسطى.. لا بفضل ميراث طائل تناهى إليهم من الأسلاف، ولا من خلال ضربة حظ واحدة ولا صولجان من الجاه أو النفوذ أو السلطان.

القاعدة والاستثناء

صحيح أن من حوليات التاريخ البشري ما يشهد بصعود البعض من أفراد المستوى الأدنى إلى المستويات الأعلى من خلال سلوكيات الزلفى والنفاق إلى من بيدهم الأمور من مال وجاه.. ومنهم أيضاً من حقق مكانة الطبقة الوسطى بإتباع أساليب يجّل عنها السلوك القويم والخلق الكريم، سواء باحتكار الأقوات أو استغلال عرق الكادحين أو خداع البسطاء من أفراد المجتمع.. دعك من السير في طريق الجريمة والكسب غير الشريف.

وعندنا أن كل هذه الاستثناءات إنما تؤكد القاعدة الذهبية التي طالما ارتبطت بوجود وسلوك الطبقات الوسطى في المجتمع الحديث.. فمن أفرادها جاء رواد التنوير وأساتذة الحداثة وأفذاذ المختصين وجموع المبدعين والمبتكرين والمخترعين.

وهناك من يستخدم مصطلحاً مرادفاً في هذا السياق هو مصطلح «البرجوازية» عَلَماً على الطبقة الوسطى. وهناك أيضاً من يعود بتاريخ اشتقاق هذا المصطلح إلى أصل عربي لعله مستقى من تراث الأندلس العربية الإسلامية دلالة على سكان الأبراج وهي المدن الحديثة التي شهدت التحول في أوروبا بالذات عن حياة أرياف القرى ودساكر الأرياف إلى حياة الحواضر والمدن والعواصم ذات الأبواب الحصينة والأبراج التي يسهر أربابها على سلامة المدينة وأمنها.

الإقطاع والتصنيع

والمعنى أن هذا التحّول البورجوازي جاء تجسيداً للتحول في حياة إنسان العصر الحديث، من النظام الإقطاعي القديم في أوروبا بالذات إلى نظام الاقتصاد التجاري، ومن ثم إلى الاقتصاد الصناعي حيث يدير دفة التجارة والصناعة تلك العناصر البورجوازية من سكان المدن وأمهر تجارها وأنبغ صانعيها.

والمشكلة على نحو ما بات يرصدها محللو الشأن الاقتصادي ؟ الاجتماعي هي مشكلة تخلي الطبقة الوسطى في زماننا عن القيم التي ظلت تتميز بها عبر عصور سبقت من التاريخ الحديث.

كانت تتميز بحيوية النشاط مقترناً بالميل إلى الادخار والى حياة تبدأ بتقدير لقيمة الموارد الطبيعية وهو ما ظل يدفع الطبقة الوسطى إلى انتهاج أسلوب أقرب إلى التقشف، لا بمعنى الزهد أو التقتير ولكن بمعنى صون الموارد بدل إهدارها..

فضلاً عن العمل على وضع موارد الطبيعة وآلائها المختلفة في خدمة الحضارة الإنسانية وفي سبيل استخدام أجدى واستثمار أرشد للجهد البشري بدلاً من تبديده في أعمال ومنجزات كانت تستهلك من البشر في أزمنة غابرة ساعات نهارهم ولياليهم..

وربما كان أبلغ تجسيد لهذا الجانب هو تلك السلاسل الإيجابية من الإبداعات والابتكارات التي دفعت بتاريخ البشرية إلى الأمام.. وكانت خير ترجمة للمعنى الرباني الذي جعل الإنسان مستخلَفاً في الأرض بغرض عمرانها..

وذلك ابتداءً من سن اختراع العجلة مع كل تداعياتها ما بين العربة إلى القطار ثم السيارة والطيارة.. وصولاً إلى سفينة الفضاء.. والبقية تأتي في ركاب طموح الإنسان الذي لا تحدّه حدود.

مقياس النمو

من هنا فبقدر نمو واتساع وازدهار الطبقة الوسطى يُقاس نمو ورقي ورخاء المجتمع البشري في طول عالمنا وعرضه.

ومن هنا أيضاً بات يسترعي أنظارنا كباحثين تلك الأجراس التي ما برحت تدق مع تداعيات الأزمة المالية الراهنة، وعلى إيقاعها يتجلى شعار كالنذير يقول في إيجاز شديد:

- احذروا تداعي ذلك البنيان الاجتماعي الذي يحمل اسم الطبقة الوسطى.

ولقد يبلغ من وقع هذا النذير الحد الذي يدفع مثلاً الكاتب البريطاني «بول ماسون» إلى أن ينشر مؤخراً مقالاً مهماً في هذا الخصوص (جريدة الجارديان اللندنية، 20101012) يحمل العنوان التالي: «فقراء أميركا الجدد: نهاية حلم الطبقة الوسطى».

وفي المقال يشير الكاتب إلى أولى لبنات الانهيار الذي يرصده في حلم الطبقة الوسطى في المجتمع الأميركي وهذه اللبنة هي حلم امتلاك بيت، ولو صغير للأسرة.. البورجوازية سابقاً.

وبديهي أن ألسنة اللهيب التي كانت أول من اندلعت من أتون الأزمة الاقتصادية جاءت في قطاع الرهونات العقارية.. في الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وسط هذا الأتون المشتعل فقدت جحافل من أفراد الطبقة الوسطى الأميركية مساكنها.. وبحكم التواصل أو الترابط الشبكي بين قطاعات الاقتصاد وهو ما يمكن أن يوصف بأنه الأواني الاقتصادية المستطرقة.. أدت الأزمة إلى أن فَقَد الكثيرون من أفراد نفس الطبقة وظائفهم.. وكان أن عجزوا بالتالي عن استئجار مساكن جديدة.. فما بالك بشرائها.

تحذيرات لأميركا

ويمضي الكاتب الإنجليزي قائلاً: إن الطبقة الوسطى في أميركا تتلاشى: صحيح أن أفرادها ظلوا على مدار 30 عاماً أو نحوها ينعمون بأسلوب حياة يتسم برفاهية ولكن هذا كان على حساب ارتفاع مديونية الفرد والأسرة.. لكن ها هي مصادر الديون وقد جفت.. فضلاً عن نضوب الكثير من مصادر الدخل الأساسي.

والمؤكد ؟ يضيف الكاتب المذكور أن هذا الانهيار المفاجئ في مستوى حياة الطبقات الوسطى في أميركا (وربما في سواها من الأقطار) سوف تنجم عنه آثار اقتصادية وسيكولوجية طويلة الأمد حتى بعد أن تنجاب الأزمة الراهنة. إن نمو الاقتصاد الأميركي ظل منذ عقد الثمانينات مندفعاً بفضل القوة الشرائية التي كانت تتمتع بها هذه الطبقة من الأفراد العاملين من ذوي المرتبات أو الإيرادات المضمونة.. وفي المقابل كان الفرد المستهلك هو الدينامو المحرك لنمو الاقتصاد في العالم.

وإذا كان يتعين على أميركا أن تستعيد هذه الأوضاع التي كانت، فالأمر يقتضي إيجاد أو استحداث أو تهيئة 9 ملايين فرصة عمل.. وسد الثغرة الفاصلة بين الدخول المالية.

هنا أيضاً ينعي المحلل الاقتصادي الإنجليزي على أميركا أن ظلت شرائح طبقية تتبع أسلوب الطبقة الوسطى ولكن على أساس إمكانات مالية للطبقة العاملة.. وهكذا اقتضى أمرهم أن يسدوا هذا الفارق من خلال الديون الائتمانات.. الرهونات التي ظلت تتراكم بل تنتفخ إلى أن انفجرت على شكل فقاعة كارثية بكل معنى.

تلك حقيقة جوهرية، ينصح المحللون أن يصارح بها الساسة جموع مواطنيهم وهم على أعتاب انتخابات تشريعية في أميركا في القريب العاجل.. موضحين لهم بالأدق منذرين بأن الحفلة قد انتهت وأن شموس رفاهية الطبقة الوسطى كما تعودوا عليها قد آذنت إلى المغيب.

غضب الأغنياء

بيد أن المشكلة كما يراها محللون آخرون تزداد تفاقماً بسبب وجود طبقات في المجتمع الأميركي وربما في سواه لم تشعر بعد بوطأة هذه الأزمة المالية التي تكاد تعصف بالطبقة الوسطى بكل ما ألمحنا إليه من عطائها وثمار أعمالها من أجل المجتمع.

تلك هي الشريحة الأغنى في المجتمع الغربي المذكور.. ويطلق عليها البروفيسور بول كروغمان (الحاصل على نوبل في الاقتصاد) وصفاً طريفاً ولاذعاً في آن وهو: الأغنياء الغاضبون.

هذا هو بالضبط عنوان المقال الذي نشره بدوره هذا الاقتصادي الأميركي الكبير (نيويورك تايمز، 2010919) ويوضح فيه أن عمر الغضب الذي يستبد بأفراد تلك الشريحة من أغنياء أميركا ما برح ظاهرة موازية أو مواكبة لوصول باراك أوباما إلى سدة السلطة الأولى في الولايات المتحدة.

هذا الغضب بدأ ، كما يضيف كروغمان - على مستوى دوائر المال والأعمال في وول ستريت.. ولكن ظل يزداد اشتعالاً ومن ثم بروزاً وتأثيراً بفضل ما تملكه هذه الفئة، السوبر - موسرة من نفوذ وإمكانات رغم أن حجمها حسب الكاتب المذكور ؟ لا يزيد على نسبة واحد في المائة من مجموع الشعب الأميركي بأسره.

وفيما يمكن لطبقات العمال الدنيا أو للطبقات المتوسطة من مقدمي الخدمات.. ومَنْ في حكمهم من أصحاب الياقات البيضاء أن يساورهم مشاعر الغضب أو السخط إزاء تردي أحوالهم المعيشية، وبخاصة انخفاض الأجور أو انكماش المزايا المعيشية من قبيل التأمينات الصحية أو مظلة الضمان الاجتماعي وما إلى ذلك..

فالحاصل ، كما يوضح بول كروغمان - أن نسبة الواحد في المائة من أثرى أثرياء المجتمع الأميركي وهم بالطبع بارونات دنيا المال والأعمال.. يساورها الغضب إزاء ما اعتزمته إدارة أوباما من رفع معدلات الضرائب التي يدفعونها..

أو فلنقل من خفض لسقف الإعفاءات الضريبة، شديدة السخاء التي ظلوا ينعمون بها خلال إدارة بوش إدارة المحافظين الجدد التي ظلت متحكمة في مقاليد الأمور على مدار الأعوام الثمانية الأولى من هذا القرن الواحد والعشرين.

أوباما.. وهتلر!

ولقد بلغت ثورة الغضب المقيت التي استبدت بهذه الفئة أن عمد بعض أفرادها ومن خلفهم بالطبع ميديا الإعلام التي تتربح من ورائهم إلى الربط بين الرئيس أوباما وبين الزعيم الألماني أدولف هتلر (!) وهو ما قد نراه من منظورنا الإعلامي بمثابة «شيطنة» شخصية أوباما.. وبالتالي تدمير الأجندة الاقتصادية الاجتماعية التي يحاول الرجل تطبيقها وخاصة ما يتعلق بقدر لا يخفى من الانحياز للقوى المستضعفة في المجتمع الأميركي.

ولقد بلغ من أمر هذه الشيطنة أن تكتب مجلة «فوربس» المعنية أصلاً بأمور المال ؟ لتشير إلى أن أوباما إنما يرجع في إجراءاته إلى أصله الكيني (!). والى ما سبق في كينيا من إتباع موقف سياسة - ضد إمبريالية..

وكأنما أصبحت أميركا كما تدعي المجلة المذكورة تُحكم على أساس مواقف اتخذها رجال قبيلة «لو» (الأفارقة السود) في عقد الخمسينات. إلى هذا الحد من تشويه الحقائق والانحراف بأحداث الماضي من أجل خدمة شرائح من أصحاب الاحتكارات وهوامير المليارديرات في أميركا.. ولدرجة لا يتورع البروفيسور كروغمان عن وصفها بأنها تنبو عن القواعد المعتادة للخطاب المتحضر التي درج الناس على إتباعها في خطاب الاستنارة والرشد.

تحت خط الفقر

وقد تهون الأمور إذا ما ظلت عقابيل الأزمة الاقتصادية مقتصرة على ساحة أميركا، التي يلزم الاعتراف بأنها مازالت تحتوي مساحات شاسعة من الأراضي البكر ومن الموارد السخية في البر والبحر، فضلاً عن احتوائها وهذا هو الأهم في رأينا على كوكبة لامعة بحق من العقول المبدعة والمواهب النابغة التي مازال بإمكانها أن تبدع وتخترع وأن تطور وتجدد.. وذلك هو أثمن رصيد يمكن أن تحظى به أي أمة تعيش على سطح كوكبنا.

المشكلة هي أن توسعت الأزمة المالية الاقتصادية كي تكتسب أبعاداً عولمية كوكبية كما قد نسميها. وهكذا حُق للباحثة الإنجليزية الجادة مادلين بونتنغ (الجارديان، 2010914) أن تكتب محذرة من أن هذه الأزمة جاءت لتدفع بالملايين من سكان العالم تحت خط الفقر..

ثم يزداد الأمر تفاقماً بفعل ظاهرة التغيرات المناخية ونوازل الكوارث الطبيعية التي لا تفتأ تصيب بقاعاً من عالمنا وخاصة في جنوب شرقي آسيا الذي ساد التسليم ومن ثم التحذير مؤخراً من أنه أشد مناطق الكوكب تعرضاً لهذه الآفات.

من هنا فمازالت تتردد بتكرار مؤكد الدعوة بألا تقتصر معالجة الأزمات الاقتصادية الراهنة على مجرد ضخ مبالغ جديدة في شرايين النظام المالي القائم في هذا البلد أو ذاك أو هي حِزَم التحفيز كما اصطلحت على تسميتها الأوساط الأميركية.

إن الأهم هي أن يقترن هذا كله برؤية أوفى تكاملاً لمنظومة الحياة الاقتصادية ؟ الاجتماعية في مجملها.. رؤية ترنو إلى تحقيق الإصلاح ولكن بمنطق العدل.. وتطمح إلى الحفاظ على التوازن بين الطبقات بحيث يتاح للطبقة الوسطى أن تمارس ؟ على نحو ما أومأنا إليه دورها التاريخي في تزويد المجتمع الإنساني بإمكانات التجدد والتحديث والإبداع.

قلق عالمي من تجريف دور رمانة الميزان

يحذر اختصاصيو الاقتصاد، ومعهم علماء السياسة من مغبة ما نجم عن الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة من تجريف دور الطبقة المتوسطة في المجتمع الحديث، وبالذات المجتمع الأميركي الذي كان أول ساحة شهدت بدايات الأزمة المذكورة، ابتداءً من قطاع الرهونات العقارية إلى حيث تداعيات نتائجها لتصيب سائر قطاعات النشاط المالي والاقتصادي على السواء.

يشير هؤلاء العلماء إلى الدور الحيوي الذي ظلت تضطلع به الطبقة الوسطى عبر التاريخ وخاصة في العصر الحديث باعتبار أنها تحوي ثروة المجتمع البشري وذخيرته من المواهب النابغة والقدرات الإبداعية وعناصر الابتكار والتطوير والتجديد والاختراع.. خاصة وأن غالبية المنتمين إليها جاءوا في الأساس من أوساط الطبقات الأدنى ؟ أصحاب الياقات الزرقاء كما يسمونهم ؟

ثم صعدوا مراقي السلم الاجتماعي بفضل كفاءتهم ومواهبهم وناتج عملهم ومثابرتهم التي وضعوها في خدمة المجتمع البشري فكان أن تحولوا به تاريخياً من عصر الإقطاع الزراعي المستبد إلى عصر البورجوازية التجارية ثم زمن الثورات الصناعية والتكنولوجية التي زوّدت الحياة فوق ظهر كوكبنا بإمكانات العلم والتكنولوجيا وهيأت المزيد من أسباب الرفاه لصالح البشر بشكل عام..

وتؤكد التحليلات التي تعرضت لهذا الموضوع ضرورة أن تصدر إجراءات الإصلاح الاقتصادي عن رؤية تجمع بين التحفيز وبين العدالة حفاظاً على هذا الدور المتميز الذي تضطلع به الطبقة الوسطى.

ويرى الكثيرون في الغرب أن الطبقة الوسطى تعاني من أعباء الفقر، وتعيش في مستويات قريبة من مستوى الأفراد في المجتمعات النامية. وأن أوضاعها المالية تقترب من مستوى الفقر.

ويرى البعض أن المجتمع الأميركي ينقسم اليوم إلى طبقتين هما الطبقة العليا والطبقة الدنيا. وفي الاقتصاد الجديد تصبح الطبقة العليا هي الطبقة الرابحة التي تعمل عمداً لتحويل الطبقة الوسطى والفقيرة في مجتمعها إلى شكل من أشكال الجماعات المعدمة والمقهورة في بلدان العالم الثالث. كما يريدون إعادة تشكيل الدول على نموذج جمهوريات الموز في أميركا الوسطى.

ويبدو أن هذا الأمر مستمر على هذا النحو في المجتمع الأميركي وسيؤدي إلى انقسامه إلى طبقتين هما الطبقة العليا المسيطرة على المال والسلطة السياسية. أما بقية السكان فيحتلون المستوى الأدنى. بما في ذلك الطبقة الوسطى التي تنهار وتكاد تزول من المجتمع.

وليس أدل على هذا الأمر من ملاحظة المستوى المعيشي لرب أسرة من الطبقة الوسطى، الذي كان في الماضي يكتفي بممارسة عمل واحد يضمن له ولأسرته دخلاً مادياً معقولاً يكفي لتلبية كل المتطلبات مع تخصيص مبلغ معين للادخار.

ألقت العولمة توترات وأعباء كثيرة على عاتق الطبقة الوسطى التي يعتبرها معظم علماء الاقتصاد في الغرب العمود الفقري للديمقراطية السياسية. وقد أفادت العولمة بحدود ضئيلة جداً الطبقة الفقيرة بما أتاحته من خدمات تعليمية وصحية أما الغنيمة الكبرى والاستثنائية فقد كانت من نصيب الطبقة الغنية، بما وفرته لها من فرص أتاح لها تكديس الثروات الطائلة. أما الطبقة الوسطى فلم تحظ بنصيب عادل من تلك الفوائد. بل على العكس من ذلك فقد واجهت صعوبات كبرى. وأدى ذلك إلى تدهور دورها الاقتصادي والاجتماعي.

يثير تراجع الطبقة الوسطى قلق المجتمع المعاصر، وذلك بسبب الدور التي تلعبه تلك الجماعة في المحافظة على التوازن بين مكونات المجتمع الحديث الذي يتألف من طبقات اجتماعية ثلاث، هي الطبقة الغنية والطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة.

وعند فقدان عنصر التوازن هذا لا بد من إعادة البحث في التيارات الاقتصادية والاجتماعية التي حملتها رياح العولمة إلى العالم. ولكن هل زالت الطبقة الوسطى من الوجود تماماً على ما تذهب إليه بعض الآراء؟

أم أن هناك أملاً في ان تسترد الطبقة الوسطى ما فقدته، وذلك بعد حين من الوقت. نعتقد أن الأمر يتطلب تغييرات جوهرية في بناء مجتمع الغد. لأن أي مجتمع غير مبني على المساواة والعدالة مجتمع معرض للسقوط حتماً.

محمد الخولي