لم تكن تركيا أكثر شعبية، منذ أيام الامبراطورية العثمانية، منها الآن. لكن المشكلة تكمن في قدرتها على إرضاء الجميع. فتركيا اليوم قصة نجاح، لا يمكن للغرب إلا أن يرحب بها. فصورة التحديث والتسامح التي تقدمها لجماهير الشرق الأوسط لا تساهم في تعزيز القوة التركية «الناعمة» فقط بل في دعم السلام والأمن العالميين، على الأقل في المدى البعيد.

ولم يتأثر الاقتصاد التركي تقريبا بالأزمة المالية العالمية والركود، حيث نما بمعدل 7,11 % في الربع الأول من العام الحالي وبنسبة 3,10 % في الربع الثاني.

لكن تركيا ليست سعيدة بكونها النجم الأكثر إشعاعا في محيطها المظلم. وهي تريد أن تلعب دورا على الساحة العالمية. وهذا طموح ربما يجعل تركيا مضطرة لإيجاد توازن جديد بين هوياتها المتضاربة.

وفي وقت يشهد ما يشبه ميلادا جديدا للإمبراطورية العثمانية، ترعى أنقرة سياسة إلغاء التأشيرات مع كل من سوريا والأردن ولبنان، وهي تتحرك نحو تأسيس منطقة تجارة حرة أيضا.

وتركيا لا تمثل قوة مهمة في منطقتها فقط، ولكنها تبدو كذلك، على الصعيد العالمي، بشكل متزايد. وستكون تركيا الرئيس المقبل لمجلس أوروبا. كما أنها عضو مراقب في مجلس التعاون الخليجي. وترتبط بعلاقات صداقة مع دول رابطة «آسيان» ودول أميركا اللاتينية. ويتصارع العالم الآن للوقوف على بابها.

شأن مثيلاتها من القوى الناشئة، ومنها البرازيل وجنوب إفريقيا، كانت تركيا يوما ما، دولة يمينية يستطيع الغرب الاعتماد عليها باطمئنان خلال الحرب الباردة. وشأن هذه الدول أيضا، تشعر تركيا الآن بثقة كافية بأنها لم تعد بحاجة لأن تتبع أي أحد.

مثل هذه الدول تمثل قوى بحد ذاتها الآن. فقد سببت تركيا والبرازيل وإيران غما كبيرا لواشنطن، في مايو الماضي، بتوصلها إلى صفقة حول برنامج إيران النووي.

ومما يثير الانتباه أن كلا من تركيا ونيجيريا والبرازيل تشارك في عضوية مجلس الأمن، الذي ستنضم إليه الهند وجنوب إفريقيا العام المقبل. وهو ما يشير إلى أن العالم يتجه إلى نهاية عصر الهيمنة والعودة إلى تعدد المراكز والأقطاب.

لكن تركيا تمثل أهمية أكبر على المستوى الدبلوماسي. فهي الوحيدة بين تلك الدول التي بها أغلبية إسلامية، وتقع في الشرق الأوسط، على مقربة من كل بؤر التوتر في الكوكب الأرضي.

ولذلك تتسم مسألة تحديد مدى القوة والنفوذ الذي يمكن لتركيا الوصول إليه أهمية كبرى أيضا. ومع إدراك الدبلوماسيين الأتراك أن عيون العالم مصوبة إليهم، فهم يسارعون إلى إطلاق تطمينات بأن تركيا دولة ليبرالية، علمانية، وقبل ذلك، ذات نفوذ مسؤول في محيطها وما وراءه.

وتثير أحداث الربيع الماضي الكثير من التساؤلات حول التوجهات التركية. ففي تسارع مرعب للأحداث، عارضت تركيا قرارا دوليا رعته واشنطن لفرض عقوبات جديدة على إيران، قبل أن تشتعل غضبا، إزاء المجزرة الإسرائيلية ضد قافلة الحرية، التي وجهتها أنقرة في نهاية مايو الماضي لمساعدة أهالي غزة المحاصرين.

وبدا من الأحداث أن تركيا تعتبر إيران صديقة وإسرائيل عدوة. وقد اعتبر توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» أن أنقرة تنضم بذلك إلى معسكر المقاومة ضد إسرائيل. لكنني لا أحسب أن هذا كلام صحيح.

ليس من الدقيق القول إن تركيا فضلت الشرق الأوسط على الغرب. فرغبة تركيا بأن تصبح عضوا كامل العضوية في النادي الغربي، بما فيه الاتحاد الأوروبي لا تزال قوة محركة. لكن تركيا تطمح إلى تحقيق الكثير من الأمور، التي يتعارض أحدها مع الآخر.

وتريد تركيا أن تصبح قوة إقليمية في منطقة تنظر بارتياب شديد إلى الغرب وإسرائيل وأميركا. وهي تريد أن تكون وسيطا في لبنان والعراق، وأماكن أخرى.

كما تريد أن تكون عضوا مؤسسا لمجموعة قوى ناشئة حول العالم، وعلاوة على ذلك، أن تبقى حليفا يعتمد عليه بالنسبة للغرب. فهل تستطيع تركيا أن تحدد أولوياتها بين كل هذه الخيارات وترضي جميع الأطراف؟

أردوغان يحرز نجاحاً متواصلا يمهد طريقه إلى الرئاسة

مر على بقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم، في تركيا، الآن نحو ثماني سنوات. ويشير النجاح القياسي المتواصل لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بقوة، إلى انه ربما وجد الوصفة السحرية لجعل حزبه محصنا ضد عملية فقدان الجاذبية التي لا مفر منها، والتي غالبا ما تأتي عند الاستمرار في الحكم لفترة طويلة.

ومع نجاح أردوغان في حماية الاقتصاد التركي من الهزات المفاجئة، أو أي تطور مشابه غير متوقع، فإن سيطرته التي لا تقهر، فيما يبدو، على المشهد السياسي التركي تبدو مرشحة للاستمرار بانتصار ثالث متوقع لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامة المقررة في العام المقبل.

وهذا انجاز لم يحققه أي حزب سياسي تركي آخر، منذ الحزب الديمقراطي في فترة الخمسينات.

يمتلك أردوغان مزيجا من القيادة الكاريزمية ومهارات الاتصال والتنظيم، التي لم يستطع أي من منافسيه السياسيين حتى الآن مجاراته فيها. كما أنه أثبت كفاءة كبيرة في توظيف القدرات المالية للحزب، وبراعته التنفيذية الكاملة، على مستوى القاعدة الشعبية، بما يفوق كثيرا أحزاب المعارضة.

إضافة إلى ذلك، يواصل أردوغان وحزب العدالة الاستفادة من المقارنة التي لا تزال حية بوضوح في أذهان الناخبين بين الأداء الإيجابي للاقتصاد، في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، وسوء الإدارة والتراجع المتواصل للاقتصاد، قبل انتخابات نوفمبر 2002 مباشرة.

ورغم وجود قلق متصاعد من حقيقة أن معدلات النمو الاقتصادي الكبيرة الحالية تعتمد بشدة على الضخ الرهيب لتمويلات قصيرة المدى، جذبتها أسعار الفائدة المرتفعة، وأفضلية سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، فإن رجال الأعمال الأتراك الذين ظهروا، خلال السنوات الثماني الماضية، مؤيدون متحمسون لحزب العدالة.

وعلى القدر نفسه من الأهمية، تتمتع حكومة حزب العدالة بتأييد متنام من وسائل الإعلام التركية، مقارنة بالكثير من الحكومات السابقة، وهو اتجاه ربما يكون نتيجة الاقتناع الحقيقي بالحزب، أو ربما محاولة لتجنب التوبيخ.

وفي ظل قيادة أردوغان، عمل حزب العدالة على تدعيم شعبيته فيما بين الشريحة الأكثر تدينا داخل المجتمع، من خلال الحرص على تأكيد الدعم الفعال للحركة النافذة التي ألهمها الداعية التركي المعروف فتح الله غولين.

ويذكر أن دعوة غولين إلى الموافقة على التعديلات الدستورية الأخيرة، من مقر إقامته في الولايات المتحدة، لقيت ترحيبا كبيرا من جانب أردوغان ليلة الاستفتاء.

ومع ذلك، فقد حقق الحزب نجاحا في توسيع نطاق الدعوة لتخاطب نطاقا أوسع من نطاق الخطاب الإسلامي، بالعزف على أوتار القيم الدينية والمحافظة التي يحبها الناخبون في منطقة يمين الوسط الغنية التي ضمنت في السابق الفوز لكل من عدنان مندريس وحزبه الديمقراطي، وسليمان ديميريل وحزب العدالة، وتورغوت أوزال وحزب الوطن الأم.

رغم ذلك، وبغض النظر عن كل تلك المزايا الكبيرة، لم يشأ أردوغان أن يقدم موعد الانتخابات البرلمانية ليستفيد من قوة الدفع التي يوفرها له انتصاره في الاستفتاء، وأكد أنها ستجرى في موعدها المقرر في الصيف المقبل.

وبدلا من ذلك، مد أردوغان يده إلى الذين قالوا «لا» للتعديلات، وهو يدعو في الوقت نفسه إلى أن يقوم حزبه باختبار دوافع أولئك الناخبين.

وبينما تتوفر له كل الأسباب التي تجعله واثقا من الآفاق السياسية قصيرة المدى لحزب العدالة، بوصفه سياسيا محنكا للغاية، فإنه ربما يجد بعض دواعي القلق بشأن الآثار المستقبلية المحتملة لمدى قوة واستمرارية المعارضة التي ظهرت من خلال الاستفتاء.

وفي ضوء إعلانه سابقا ان الانتخابات البرلمانية المقبلة ستكون الثالثة والأخيرة له، فقد قال أردوغان إن التحول إلى النظام الرئاسي سيكون في مصلحة تركيا، وسمح لأعضاء في حزبه بالإشارة إلى أنه سيكون أفضل مرشح لمنصب الرئيس في النظام الجديد. ويمكن في ضوء ذلك، الحدس بأن أردوغان سيرغب في النهاية بالانتقال إلى قصر كانكايا الرئاسي، في العاصمة أنقرة.

وربما تجرى الانتخابات الرئاسية في العام 2012، إذا قرر المجلس الأعلى للانتخابات التركية، أن تكون فترة رئاسة الرئيس الحالي عبدالله غول، خمس سنوات بدلا من سبع، حسب التعديل الدستوري الذي أقره استفتاء أجري عقب شغله المنصب في العام 2007.

وإذا أراد أردوغان أن يترشح للرئاسة، فسيكون عليه أن يقلل درجة الاستقطاب في تركيا، وأن يهدئ مخاوف العلمانيين من مواصلة إضعاف النظام العلماني التركي.

تركيا معرضة لعدم الاستقرار في المدى البعيد

صوت الناخبون الأتراك أخيرا بأغلبية 58%، لإقرار تعديلات دستورية تاريخية قدمها حزب العدالة والتنمية الحاكم. ومنذ وصول الحزب إلى الحكم في العام 2002، تزايد الاستقطاب بدرجة كبيرة في تركيا.

وبات السؤال المطروح هو: هل ستنجح التعديلات الدستورية في سد الفجوة بين الأقطاب المختلفة وفي جعل تركيا ديمقراطية ليبرالية أفضل وأي مؤشرات سياسية يجب على واشنطن الانتباه إليها لقياس مدى استقرار تركيا؟

تعد التعديلات، ال26، بتحسين وضع الحريات المدنية في تركيا. لكن في ضوء سجل تصرفات حزب العدالة والتنمية يجب على واشنطن أن تراقب إلى أي مدى سيلتزم الحزب بروح النصوص عند التنفيذ.

وفي ضوء العقبات الجديدة لطرد ضباط ملتزمين دينيا من الخدمة سينبغي على واشنطن أيضا أن تراقب عملية الاستقطاب المتوقعة داخل الجيش، الذي يمثل ثاني أكبر جيش في حلف «ناتو»، والحليف الكفء للولايات المتحدة.

ورغم أن الموافقة على التعديلات تعد بفترة استقرار سياسي في المدى القريب فإن تركيا ربما تواجه نوعا من عدم الاستقرار في المدى البعيد بسبب الصدامات المتوقعة بين حزب العدالة وخصومه.

هذه الصراعات المتوقعة ستتفاقم الآن بعد أن صار بإمكان حزب العدالة تشكيل المحاكم العليا كما يحلو له، وهو ما يزيح أحد الكوابح المهمة التي كانت تحد من سلطته.

وقد يثير ذلك مخاوف بين ال42 الذين لم يصوتوا للتعديلات من أن التزام الحزب بالديمقراطية ما هو إلا وسيلة لتدعيم سلطاته. ومن دون تغيير حقيقي داخل الحزب الحاكم فإن تركيا ستواجه استقطابا متزايدا خلال السنوات المقبلة، بينما تستعد لخوض انتخابات عامة في يوليو .

بقلم ـ جيمس تروب - ترجمة ـ عصام بيومي - بقلم ـ بولنت أرليتز - ديني كوينهيمسي