بعد مرور تسعة أعوام على التدخل الأميركي في أفغانستان، تتكون لدى الأميركيين شكوك متزايدة إزاء هذا التدخل، ويبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يشاركهم تلك الشكوك. لكن، على الرغم من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تبقي على وجود كبير في أفغانستان لسنوات مقبلة.

فقبل نحو عقد، عملت واشنطن مع التحالف الشمالي في أفغانستان لإسقاط حكومة طالبان في كابول. كان العالم وقتها متحدا، وكان سبب الحرب واضحا، وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش يتمتع بتأييد 90% من الأميركيين على الأقل. كان هذا منذ زمن طويل.

اليوم، بات الصراع في أفغانستان مثيرا للجدل. أقل من نصف الأميركيين يؤيدون العملية الجارية، رغم أن قرابة 100 ألف جندي يواجهون الأخطار. ولا تزال قوات من 40 دولة تشكل قوام قوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف)، لكن أقل من عشر من هذه الدول تقبل تحمل قواتها مخاطر جوهرية في المناطق المضطربة في جنوب وشرق البلاد.

وبينما تغادر هولندا أفغانستان هذا العام، وتبقى كندا ملتزمة بخططها للانسحاب في 2011، فإن اثنين من هؤلاء الشركاء سيرحلان قريبا. وفي الوقت نفسه، تراجع التأييد للعملية العسكرية بين الأفغان إلى أقل من 50%، بعد أن كان وصل إلى 80% و90% في بدايات العقد.

أهداف غير واضحة

وبمرور السنين، فقدت العملية في أفغانستان وضوح أهدافها. وبرغم استمرار تمسك الناخبين وصناع القرار في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى، بمنع القاعدة من الحصول على ملاذ آمن في أفغانستان مرة أخرى، فإن هؤلاء بدأوا يشككون فيما إذا كان تولي طالبان السلطة من جديد سيعني عودة القاعدة إلى الأراضي الأفغانية، وفيما إذا كانت القاعدة لا تزال تسعى بحق إلى الحصول على ملاذ في أفغانستان.

مثلما فعلت قبل عقد من الزمان، وفيما إذا كانت القوات الأميركية قادرة على احتواء أي وجود مستقبلي للقاعدة، من خلال هجمات من نوع الهجمات بطائرات من دون طيار، التي تستخدم على نطاق شائع في باكستان حاليا.

السؤال الأكثر إلحاحا، هو ما إذا كانت الإستراتيجية الأميركية يمكن أن تنفذ، وبصفة خاصة، ما إذا كان الوجود العسكري بقيادة حلف شمال الأطلسي «ناتو» الذي يقترب من 150 ألف جندي، يناسب احتياجات أفغانستان للمزيد، وما إذا كانت حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على قدر التحدي المتمثل في ممارسة الحكم وحفظ النظام في مثل هذه الأرض ذات التعددية الواسعة والصلف الشديد.

مثل هذه الشكوك التي تحدث بشأنها جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، واعترف بعدم وجود استراتيجية بديلة، لم تكن لتصبح بهذه الأهمية، لو لم يكن الرئيس الأميركي باراك أوباما يبدو شاعرا بها هو الآخر.

فقد رفع أوباما عديد القوات الأميركية في أفغانستان بأكثر من الضعف، منذ تسلمه منصبه في البيت الأبيض، وكانت عملية صنع القرار طويلة الأمد التي طبقتها إدارته في الخريف الماضي، والتي أسفرت عن قرار الرئيس بإرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، مقصودة وجدية ومركزة.

لكن بالنسبة للبعض في واشنطن وكابول وأماكن أخرى، سبب طول عملية المراجعة لهذه المهمة نوعا من عدم اليقين، من قبل الرئيس نفسه. وساهمت في تكوين ذلك الانطباع التسريبات الصحافية، التي كشفت عن وجود خلافات بين كبار مستشاري الإدارة.

كان أهم شيء صاحب إعلان أوباما إستراتيجيته، في ديسمبر الماضي، هو تعهده ببدء سحب القوات الأميركية من أفغانستان بداية من يوليو 2011. مجرد جعل خطة الحشد العسكري مؤقتة في حد ذاته، لم يكن عملا مفاجئا ولا مضللا، فقد فعلت إدارة الرئيس بوش الشيء نفسه تقريبا بزيادة القوات الأميركية في العراق.

لكن أوباما بدا وكأنه يبشر بنهاية أسرع للحرب في أفغانستان. وفي الحقيقية، فقد بدا أن تلك كانت الرسالة التي أراد التركيز عليها أكثر من غيرها، وهو يخاطب الكونغرس الأميركي والناخبين الأميركيين. ومع علمه بمدى إرهاق أميركا من الحرب، حاول أوباما أن يبدو قويا بدرجة كافية لخلق فرصة لكسب الحرب بينما يبقي منتقدي الحرب هادئين، في الوقت نفسه.

جوانب سلبية

محاولة أوباما للحصول على هذه الكعكة والتهامها، كانت له جوانبه السلبية أيضا. فبالنسبة للأفغان بدت كلمات أوباما، في خطابه الذي أعلن فيه استراتجيته الجديدة، وكأنها تعني أن القوات الأميركية يمكن أن ترحل، قبل أن تكون قد أكملت بناء قوات الأمن الأفغانية، أو حققت أهدافا أساسية أخرى.

مثل هذه الرسالة يمكن أن تحفز بعض الأفغان على تسريع الإصلاحات، مثلما تأمل إدارة أوباما، ولكنها ستجعل كثيرين آخرين يخفون رهاناتهم، تحسبا مما سيأتي لاحقا.

كما كان لخطاب أوباما، في ديسمبر الماضي، الأثر نفسه في باكستان، التي تقلص التأييد التقليدي لطالبان الأفغانية فيها ببطء أكبر مما كان يمكن أن يحدث في غياب مثل ذلك الخطاب.

بعض قادة الجيش الباكستاني يعتبرون أن وجود طالبان الأفغانية هو خير استعداد أمام العواقب المنتظرة لانسحاب مبكر أميركي، والتي يمكن أن تأتي في شكل فوضى، أو نفوذ هندي كبير في الشؤون الباكستانية. وكون الكثير من تلك المخاوف مبالغا فيه بشدة، وربما غير صحيح، لا يقلل من أهميتها.

ولكن تصريحات إدارة أوباما بشأن الانسحاب في يوليو 2011، والتقديرات الواقعية للفترة التي ستستغرقها العملية تشير إلى أنه لن يكون هناك انسحاب مفاجئ.

ومع الأخذ في الاعتبار طبيعة التنامي الكبير لقوة حركة التمرد الأفغاني، منذ العام 2005، والأسباب التي دفعت الرئيس أوباما في المقام الأول إلى زيادة عدد القوات بنسبة كبيرة، فإن الانسحاب سيكون في الغالب تدريجيا، وسيبقى ما لا يقل عن 50 ألف جندي في أفغانستان، إلى أواخر العام 2012.

عودة التمرد

في 2005، بدأت طالبان وجماعات تمرد أخرى إحدى أكثر عمليات العودة للنشاط إثارة للدهشة، في التاريخ، ضد تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي وصل أوباما إلى السلطة، كان على واشنطن أن تطور استراتيجية جديدة لحرب جديدة تقريبا، وكانت تتجه نحو خسارتها.

وبدأ التوجه الأميركي يركز على الجنوب والشرق، حيث يبلغ نشاط التمرد ذروته، وسط تأييد السكان للمتمردين. ويتسم هذا التوجه بالتمميز.

فمن بين نحو 400 منطقة في أنحاء البلاد، تركز القوات الاميركية إهتمامها العسكري والمدني على 81 منطقة فقط بينما تولي اهتماما أقل ل41 منطقة أخرى. يأتي ذلك بهدف إيجاد نموذج لمساحة آمنة للمدنيين، يمكن أن تطبق في مناطق أخرى لاحقا، بحيث تسير فيها مظاهر الحياة بشكل طبيعي.

وقد نجحت واشنطن في إيجاد بعض الجيوب من هذا النوع في هلمند بجنوب غرب البلاد. ولكن للتوضيح لا يزال التقدم بطيئا في منطقة مرجة التي شنت فيها أميركا عملية كبرى في فبراير الماضي.

لكن الوضع في منطقة هلمند ككل يتحسن، حيث بدأت المدارس والأسواق تفتح أبوابها، وابتعد المزارعون عن زراعة الأفيون، الذي كان محصولهم المفضل، كما قلت مستويات العنف. لكن هذه النجاحات لا يوجد لها مثيل في قندهار، مثلا، والتي تضاعفت فيها معدلات العنف ثلاث مرات منذ 2006 بحسب «إيساف».

وليس من المفاجئ استمرار تزايد نسبة العنف، فتراجعه مؤشر متغير وليس ثابتا على النجاح. ففي العراق، مثلا، تزايدت محصلة الضحايا في الأشهر الستة الأولى بعد زيادة القوات. وبينما يجري التحالف تعديلات عدة على تحركاته، كان حريصا على تقليل عدد الضحايا من المدنيين.

لكن هذا لا يعطي صورة كاملة للعملية الأميركية في أفغانستان. فهناك عاملان آخران مهمان في صميم العملية لتقوية الدولة الأفغانية وإضفاء الشرعية عليها، وهما تقوية أجهزة الأمن ومكافحة مشكلة الفساد، التي تبدو مستعصية على الحل.

ومن الجيد أن لا يكون الانسحاب الأميركي سريعا. فبعض التصورات ترى ضرورة البقاء ثلاث سنوات لمحاربة طالبان وتقوية قوات الأمن. وهناك أسباب استراتيجية وسياسية تجعل من غير المرجح ألا يبادر أوباما بتقليص الالتزامات الأميركية تجاه أفغانستان بشكل كبير.

وسيكون الحرص على صورة وسلامة الأمن القومي الأميركي عاملا مهما، يعاكس ضغوط الكونغرس لتسريع الانسحاب. وتعكس تصريحات المسؤولين الأميركيين، الآن، أن عملية الانسحاب الفعلي ستتم على مدى سنوات، وليس باندفاع عند حلول يوليو المقبل.

وبينما يبقى أوباما على فرصة للتراجع وسحب القوات بسرعة، لتقليل الخسائر، في حال ارتأى فشل الاستراتيجية الحالية، فإن كل التصريحات العامة تقريبا تؤكد أن هذه ليست خطة للتنفيذ، وأن خفض القوات سيتم بشكل مسؤول، وفي ضوء الأوضاع على الأرض، وبشكل تدريجي على مدى سنوات.

كما أن الإشارة إلى أن مهمة «إيساف» ستنتهي في يوليو 2011 لا تتسق مع الظروف الحالية في أفغانستان.

ثمن النجاح، سيكون باهظا، لكن الولايات المتحدة وشركاؤها يمكنهم تحقيق قدر كبير من النجاح بإيجاد دولة أفغانية قادرة على السيطرة على أراضيها وتحسين معيشة الأفغان تدريجيا، بشرط تمكن «إيساف» واللاعبين الأساسيين الآخرين من احتواء الفساد المستشري في أفغانستان، وإظهار التصميم لسنوات أخرى عدة في ما بات أطول حرب أميركية على الإطلاق.

مراجعة الحرب

كانت نتيجة مراجعة إدارة أوباما للحرب في أفغانستان، في خريف 2009، هي ضرورة ايجاد إستراتيجية جديدة. الذين عارضوا زيادة القوات داخل الإدارة، كانت لهم تحفظات معقولة. وبعد أشهر قليلة من إرسال 30 ألف جندي إضافي كان الجيش يطلب المزيد.

وكان من بين التحفظات أن أفغانستان لم تكن مكانا مناسبا لشن عملية مكافحة تمرد تقليدية، نظرا لطبيعتها القبلية وضعف الولاء للدولة. واحتج هؤلاء بأن أهداف تلك العملية لا تتفق وتاريخ أفغانستان وثقافتها ومجتمعها.في النهاية رأى الرئيس ان المتحفظين وبينهم نائبه، جو بايدن، لم يقدموا إستراتيجية بديلة.

لقد جربت إدارة بوش من قبل سياسة التعامل بلطف التي أسفرت عن عودة طالبان، وزيادة العنف أكثر خمس مرات من السابق. وأصبحت طالبان بطرق مختلفة، قوة تمرد أكثر ذكاء، وتجنبت مهاجمة المدنيين، بينما تزايدت خطورتها على قوات التحالف، وقوات الأمن والمسؤولين الأفغان.

كما طورت طالبان حكومة ظل تمكنت من تشكيل نظام قضائي بديل في جنوب البلاد، وخاصة المناطق الريفية. وتعلمت طالبان أن تظهر وجها أكثر لطفا مما ظهر منها أيام كانت تحكم البلاد.

وقد دفع ذلك إدارة أوباما إلى استخلاص أن آفاق حدوث مصالحة مع المتمردين الأفغان، ليست جيدة، وقررت تطبيق توجه تقليدي لمكافحة التمرد. ورأت أن أرجح الاحتمالات هو المساعدة في إعادة بناء محدودة للدولة الأفغانية وبناء قوات أمن وطنية، لمنع طالبان من العودة إلى السلطة، ومعها القاعدة.

جدول زمني

مهمة حلف الأطلسي المكونة من جزأين في أفغانستان، لحماية الشعب، ريثما يتم تدريب قوات الأمن لتسلم المهمة، يمكن وضعها في إطار جدول زمني تقريبي. وتفترض مبادئ خطة مكافحة التمرد، الحاجة على نحو 600 ألف جندي لتوفير أمن قوي في أنحاء البلاد البالغ تعدادها 30 مليون نسمة.

لكن الحسابات تشير إلى أنه من الممكن تنفيذ ذلك بتوفير 400 ألف جندي فقط، من خلال تقليل كثافة الانتشار الأمني في المناطق التي لا يوجد فيها الباشتون.

وبحسب المعطيات الحالية « يمكن أن يصل عدد قوات الأمن الأفغانية إلى 400 ألف جندي بحلول منتصف لعام 2013. لكن هذه القوات ستظل تحتاج على دعم وتوجيه قوات من إيساف، وستكون في الغالب أميركية. وربما يطلب الرئيس أوباما من الناخبين الأميركيين إعادة انتخابه رئيسا، في وقت سيكون لا يزال هناك 50 ألف جندي أميركي في أفغانستان.

بقلم: مايكل أوهانلونو

ترجمة: عصام بيومي