من الصعب الحكم على شخصية رئيس يتمتع بتأييد شعبي تبلغ نسبته 70%، فهذا الرقم العالي من شأنه أن يحول أي سياسي، في عيون الناس، إلى رجل دولة من الطراز الأول، والعناصر التي تكشف شخصيته بشكل أكبر هي الأفعال التي يقوم بها عندما يواجه هزيمة مؤكدة.
بالنسبة لعدد كبير من المعجبين بشخصية الرئيس الأميركي باراك أوباما فقد كانت الأسابيع الماضية مؤلمة، وهم يتابعون تدهور الوضع في الحزب الديمقراطي، فالرئيس ما عاد قادراً على التركيز، ورسائله التي يطلقها غير واضحة، كما أن حزبه يائس، وبدلاً من أن يتابع الحملة الانتخابية على أساس الإنجازات التي حققها خلال السنتين الماضيتين، فإن أوباما وفريقه غارقون في مناكفات سخيفة لا طائل منها، فقد ضيع البيت الأبيض أسبوعاً كاملاً في مهاجمة رئيس الأقلية في مجلس الشيوخ «جون بونر».
وهذا الرجل لا ليست له أهمية تذكر بالنسبة للملايين من الأميركيين، حتى أنني أشك بقدرته على الحصول على علبة سجائر خارج حدود مقاطعة كولومبيا، كما هاجم أوباما وفريقه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، معتبرين أنه وجماعته «القوا بأميركا في هاوية عميقة»، لكن مسألة الهاوية هذه صارت قصة بالية ومستهلكة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الأميركيين يبلغون القائمين بتنفيذ استطلاعات الرأي بأنهم حائرون بين الشخص الذي قاد أميركا إلى الهاوية أو الشخص الذي يواصل الوعد بإخراج أميركا منها.
مهاجمة بوش وبونر لا تعتبر أمراً إيجابياً بالنسبة للناخبين الذين لم يحسموا أمرهم في ما يتعلق بالاختيار بعد، ممن يسعى الطرفان لاكتسابهم لصالحهم، لهذا غير أوباما وفريقه من تكتيكاتهم مرة أخرى، وبدؤوا يهاجمون خصومهم من الجمهوريين بالطريقة ذاتها التي يفعلها المذيع «غلين بيك»، حيث يتهمونهم بسرقة الديمقراطية.
قبل عامين برز أوباما بشخصية السياسي الملهم، وقال للأميركيين إن الأجيال المقبلة ستنظر لوصوله إلى البيت الأبيض باعتباره شبيهاً بانحسار التلوث العالمي وتوقف البحار عن الارتفاع وازدهار كوكب الأرض وتعافيه، لكن بعد انقضاء سنتين، اكتشف أتباع الحلم الزائف الحقيقة المرة، وهي أنهم كانوا يجرون وراء سياسي عادي جداً.
صحيفة «واشنطن بوست» كشفت أخيراً عن الاتهامات بتلقي أموال من خارج الولايات المتحدة لتمويل الحملات الانتخابية، واعتبرت الصحيفة أن أوباما يذكي بذلك روح العداء تجاه الغرباء من دون أن يستند إلى دليل مادي ملموس، كما هاجمت الصحيفة حملة البيت الأبيض ضد غرفة التجارة الأميركية، معتبرة إياها بأنها مبالغة في الحذر والتهويل من الأخطار الخارجية، مع افتقارها لمصادر المعلومات الموثوقة.
كما انتقد موقع «فاكت تشك بوك دوت أورغ» غير الحزبي التابع لمؤسسة يديرها مركز «أنانبيرغ للسياسة العامة»، أوباما لأنه يتهم الآخرين دون توافر أدلة ملموسة على صحة كلامه، أما الضربة القاصمة التي تلقاها أوباما فقد كانت على يد بوب شيفر، مذيع الأخبار الشهير في قناة «سي بي سي»، عندما اكتفى بالرد على اتهامات أوباما تلك بضحكة هازئة، موضحاً أن التهمة الوحيدة التي يمكن للحزب الديمقراطي كيلها في ما يتعلق بأموال الحملات الانتخابية هي أن يتساءلوا إن كانت تلك الأموال قد جاءت من مصادر خارجية أم لا، ثم طرح شيفر سؤالاً لاذعاً، بدأ يطرحه الكثيرون من أتباع أوباما، ألا وهو : « هل هذا هو أفضل ما يمكنك فعله؟»
كان الرئيس الأميركي الأسبق ليندون بي جونسون، الرئيس السادس والثلاثين للولايات المتحدة يردد: «إذا فقدت وولتر كرونكايت (مذيع قناة السي بي سي في فترة الستينات والسبعينات) فهذا يعني أنني فقدت وسط أميركا»، لكن أوباما قد لا يكون لديه الإحساس ذاته تجاه شيفر، غير أن هناك شيئاً واحداً مؤكداً، وهو إذا كان طرح أوباما في ما يتعلق بأحقية الديمقراطيين في قيادة الكونغرس يقابل بالهزء والسخرية من واحد من أكبر المذيعين الموثوقين في الولايات المتحدة في برنامجه الشهير «فيس ذا نيشن» فإن على البيت الأبيض أن يغير توجهاته وسياساته.
قد يكون البيت الأبيض، في الوقت الحالي، مستاء من «فاعلي الخير» المتبرعين للحزب الجمهوري من الخارج للعام 2010، لكن الممارسة نفسها، بحسب ما ترى صحيفة «واشنطن بوست»، حدثت مع الحزب الديمقراطي ومكنته من تولي زمام الأمور في الكونغرس عام 2006، وفي عام 2008 سعى السناتور أوباما مع سبق الإصرار والترصد للتمهيد لقيام متبرعين، يستحيل كشف هوياتهم، بإرسال الأموال لصالح حملته الانتخابية، ما يجعل المرء يقف مستغرباً ومتسائلاً عن اللحظة التي قرر فيها الرئيس الأميركي التوبة.
الجرح والملح
أضافت صحيفة «نيويورك تايمز» الملح إلى الجرح بالدفاع عن غرفة التجارة الأميركية، التي يتهمها الرئيس الأميركي باراك أوباما باجتذاب رؤوس أموال من مؤسسات خارجية لصالح دعم الحملات الانتخابية في الداخل، وذكرت الصحيفة أن ما تفعله غرفة التجارة أمر عادي، ولا غرابة فيه، وقالت الصحيفة إن الرئيس نفسه، الذي يدعي أنه يبغض ما يجري وراء الكواليس في واشنطن، ويأنف من أن يفعل مثله، استولى مرة، وبغير وجه حق، على مدونة إلكترونية، ونسب لنفسه ادعاءاتها المضللة.«بوليتيكو»
بقلم: جو سكاربورو
ترجمة: يوسف جباعتة
