الساعة الخامسة صباحاً.. كان مصباح المكتب مضاءً في الشقة التي يقطنها الأديب الذي يحث خطى العمر نحو الخامسة والسبعين.. نهض مبكرا كي يواصل كتابة آخر عمل إبداعي يزمع أن يخرجه إلى قارئيه على شكل رواية أو أقصوصة أو مسرحية.. دق جرس الهاتف ليشق رنينه ذلك الصمت الصباحي الذي خيم على المكان.. كانت الزوجة «باتريشيا» استيقظت وردت على هذه المكالمة الصباحية.. وسرعان ما جاءت إلى زوجها وعلى ملامحها أكثر من علامة استفهام:
ماريو.. جاءنا اتصال بالإنجليزية بصوت رجل يبدو مهذباً.. لكن الاتصال انقطع في الحال.
وعندما عاد الاتصال الهاتفي تلقى الأديب الخبر الخطير:
هذه مخابرة من الأمانة العامة للأكاديمية السويدية.. ويسعدنا أن نهنئك بفوزك بجائزة نوبل في الآداب لهذا العام.
وضع السماعة.. خفق قلبه.. وظل يفكر في الأمر ملياً وقد تهدلت شعراته البيض على جبينه السبعيني المتغضن..
مقلب أم حقيقة
هذه مكالمة هاتفية.. مجرد مكالمة.. هل هي حقيقية؟ أم أنها مجرد مقلب سخيف من صديق أسخف أو من خصم لدود؟
هكذا ظل صاحبنا يتساءل.
لقد استعاد في هذه اللحظات حكاية أديب كبير.. هو المبدع الإيطالي «ألبرتو مورافيا» الذي دبر خصومه مثل هذا المقلب وأبلغوه بالهاتف أنه حصل على نوبل ولم يكن ذلك صحيحا بحال من الأحوال.
لكن ها هو النبأ وقد جاء إلى سكن الأديب قرب نيويورك بعد أن طيرته وكالات الأنباء من السويد إلى أركان المعمورة كلها.
حصل الأديب البيروفي «ماريو فارجاس يوسا» على جائزة نوبل الرفيعة في الأدب لهذا العام ـ 2010.
وبعد منطوق النبأ.. توالت الحيثيات..
إن هذا الأديب الذي ينتمي إلى بيرو في أميركا اللاتينية.. ويكتب باللغة الاسبانية هو مبدع لا يشق له غبار في فن القصّ، حيث يجمع بين عنصر المتعة الفكرية والوجدانية وبين مبادئ الالتزام بقضايا كفاح الإنسان ـ الفرد من أجل الحق والعدالة.
الصانع الأمهر
جاءت هذه الكلمات بمثابة ترجمة للعبارة الشهيرة التي سبق وأطلقها الشاعر الناقد الأميركي ـ الانجليزي «ت.س.اليوت» على أستاذه «عزرا باوند».. حيث وصفه قائلا: إنه الصانع الأمهر.
ومثل كل فائز بالجائزة كان طبيعيا أن يعرب السنيور فارجاس عن دهشته ومفاجأته بالنسبة للفوز بالجائزة.
سألته إذاعة كولومبيا في أميركا اللاتينية: سنيور فارجاس: بماذا تعلق على فوزك بنوبل؟
أجاب : لم تطرأ على بالي فكرة الفوز.. ولا حتى فكرة إن كنت مرشحا من الأساس.
وفي تصورنا أن ربما كانت الحقيقة على خلاف ذلك.
الحقيقة هي أن ظل أديب بيرو الكبير مدرجا على قوائم ترشيحات نوبل لسنوات عديدة، فقد أنتج الرجل نحوا من 30 عملاً بين الرواية والقصص القصيرة والطويلة وبين الدراسات الفكرية والأدبية.. كما أن هذا الإنتاج الغزير أصبح في جانب كبير منه معروفا في الأوساط الأدبية في طول العالم وعرضه بفضل ترجمته من الاسبانية إلى لغات شتى كان من بينها لغتنا العربية.
ترجمة للعربية
نكتب هذه السطور وبين أيدينا عدة أعمال من إنتاج ماريو فارجاس يوسا مترجمة إلى لغة العرب منها المجموعة القصصية بعنوان: «الرؤساء» ورواية قصيرة بعنوان «الجراء» (بمعنى الكلاب الصغيرة) إلى جانب محاضرات ألقاها الأديب المذكور بالانجليزية في جامعة سيراكيوز الأميركية حين كان أستاذاً زائراً بها في فرع الإنسانيات.. وكان ذلك مع أواخر ثمانينات القرن العشرين.. وقد تولى نشر هذه الأعمال المترجمة عن لغتها الأصلية ـ الاسبانية المركز القومي للترجمة في القاهرة إلى جانب أعمال أخرى لنفس الأديب الكبير نشرت مترجمة في سوريا الشقيقة.
وكان طبيعيا كذلك أن يعرب فارجاس عن سعادته بما وصفه بأن منحه الجائزة الرفيعة يجسد اعترافا بأدب أميركا اللاتينية وبالإبداعات المكتوبة باللغة الاسبانية.
ماركيز آخر الفائزين
وعندنا أن سعادته جاءت في موضعها، فلم تنل أميركا اللاتينية مثل هذا الاعتراف على مدار سنوات شارفت على الثلاثين، وبالتحديد منذ عام 1982 الذي شهد حصول أديب كولومبيا الأشهر غابريل غارسيا ماركيز على نوبل بعد أن طبقت شهرته الآفاق، حيث أهدى الرجل عالم الإبداع الروائي أعماله التي حملت أسماءها الشهيرة ما بين «100 عام من العزلة» أو «الحب في زمن الكوليرا» أو «خريف البطريرك».
ثم أن هذا التقدير لأديب من أميركا اللاتينية جاء في وقت لاحظت فيه أوساط معنية شتى بأن الأكاديمية الملكية السويدية قد ركزت في الفترة الماضية على أدباء ومبدعين من أوروبا.. كان آخرهم بالطبع الروائية الألمانية هيرثا موللر التي لم تكن قد نالت ما حظي به يوسا البيروفي ومن قبله ماركيز الكولومبي دع عنك نيرودا شاعر تشيلي الكبير من شهرة واسعة وتقدير عميق على مستوى العالم كله.
يضاف إلى ذلك أن هذه القامات من مبدعي أميركا اللاتينية تستند إلى تاريخ شخصي طويل ومشّرف أيضا.. في مجال التعاطي مع قضايا الشأن العام.. وعدم الانعزال داخل الأبراج العاجية.. ومن ثم فإن استحقاقهم جائزة نوبل إنما يأتي في جوهره تقديرا لانشغالهم بل والتزامهم بقضية الإنسان بشكل أساسي..
وهم كأدباء يتوازون في هذا الانشغال مع أجيال من رجال الكنيسة الكاثوليكية في طول القارة اللاتينية وعرضها يتسمون بالانحياز لصالح قضايا العدل والدفاع عن حقوق الفئات المستضعفة والطبقات المسحوقة وشعوب السكان الأصليين في تلك القارة التي سبق وتعرضت لغوائل المد الامبريالي على يد موجات من الاستعمار البرتغالي والاسباني والفرنسي والانجليزي على السواء..
وهذا الالتزام الإيجابي من جانب رجال الدين في أميركا اللاتينية مازال يرتبط بقضايا التحرير السياسي والاقتصادي في تلك الأصقاع ويحمل اسمه المتواتر المعروف «لاهوت التحرير».
أحرقوا كتبه
وكان العالم قد سمع باسمه أول مرة منذ أيام الستينات حين أصدر روايته المعروفة بعنوان «زمن البطل» حيث استمد أحداثها من واقع تجربته الشخصية في الكلية الحربية في بلاده.. ويبدو أنها كانت تجربة مريرة.. لدرجة أن لم يتورع الروائي عن كشف المستور وإذاعة المسكوت عنه.. وهو ما أثار لغطا واسع النطاق في بيرو وقتها.. وقد بلغ سخط الأوساط المعنية على الرواية إلى حد أن أقام ضباط الأكاديمية العسكرية المذكورة حفلاً مخصوصاً تولوا فيه إحراق ألف نسخة من رواية فارجاس دون أن يدركوا في الوقت نفسه أنهم بهذا دشنوا وجوده على مدارج الشهرة في بلده اللاتيني، وأيضا في العالم الناطق بالإسبانية، ومن ثم ـ مع الترجمة ـ في أنحاء العالم بأسره.
هكذا حق للنقاد الأميركيين أن يصفوا ماريو يوسا في عبارات يقولون فيها:
ـ إن أعماله ذات الصبغة السياسية إنما تنفذ بعمق وحيوية في أعماق جنوح السلطة وآفات الفساد في أميركا اللاتينية.
وتنشر نيويورك تايمز، (7 أكتوبر 2010) حواراً أجرته مع الأديب اللاتيني الكبير في عام 2002 وأكد فيه أن على مبدع العمل الروائي أن يستقي إبداعاته من واقع الحياة.. ثم تطرق إلى تاريخ القارة التي ينتمي إليها قائلا: «إن محاكم التفتيش منعت إبداع فن الرواية طيلة 300 عام في أميركا اللاتينية.. وأظن أنهم كانوا يفهمون جيدا حجم النتائج الخطيرة التي يمكن أن يفضي إليها الأدب بالنسبة للروح الإنساني».
معاناة أفريقيا
وإذا كان ماريو فارجاس يوسا قد انشغل بقارة أميركا اللاتينية وتاريخها وعذابات شعوبها ومعاناة أفرادها. فإن آخر العنقود من أعماله الإبداعية هو رواية من المقرر أن تصدر مع فاتح شهر نوفمبر القادم لتحكي معاناة قارة أخرى هي أفريقيا.. وبالتحديد عن أسوأ مرحلة.. كابدتها منطقة الكونغو في الغرب الأفريقي من جراء سيطرة الاستعمار البلجيكي، وقد كان من أفظع أشكال الاستعمار.
حيث اعتبر المستعمرون البلجيكيون أن الكونغو بكل مواردها وثرواتها المعدنية بل وسكانها ما هي سوى ضيعة خالصة تابعة لمليكهم ليوبولد.. وهو ما جعل تلك الحقبة مثارا لأعمال روائية شتى كان من أشهرها مثلاً رائعة الأديب الانجليزي ـ البولندي الأصل جوزيف كونراد (1857 ـ 1924) بعنوان «في قلب الظلام».
يعيش الأديب البيروفي حاليا في أميركا.. محاضرا في جامعة برنستون، حيث تتناول محاضراته وحواراته في الجامعة المرموقة مواضيع تتعلق بأميركا اللاتينية بين الأدب والسياسة والشأن العام. وبهذه الجهود يشيدون بالرجل بوصفه واحداً من قلة قليلة من مبدعي أميركا اللاتينية ممن أمكن بفضلهم أن تصبح أطروحات وآداب هذه القارة اللاتينية محط أنظار العالم.
خاصة وأن يوسا لم يقصر إبداعاته على الأجناس الأدبية وحدها وإنما تعدت اهتماماته وكتاباته، على نحو ما أسلفنا، مجالات النقد الأدبي والتدريس الجامعي فقد سبق إلى دراسة الأدب بجامعة سان ماركو في ليما ـ عاصمة بوليفيا التي شهدت نشأته الأولى وبعدها حصل على درجة الدكتوراه من إحدى جامعات مدريد بفضل منحة من حكومة اسبانيا التي كان لها الفضل في تضميد جراحات الفشل الذي منيت به حملته الانتخابية لنيل منصب الرئاسة في بيرو..
ومن ثم كانت هجرته إلى اسبانيا وحصوله على جنسيتها ثم تتويج هذا كله بالفوز بأرفع جائزة تمنح لأي أديب يكتب باللغة الاسبانية، وهي الجائزة التي تحمل اسم «سرفانتس» الذي يرتبط اسمه في الأدب العالمي برائعته الشهيرة «دون كيشوت».
ضد الديكتاتورية
ومازال أهل السياسة في هذه الأصقاع اللاتينية غربي عالمنا يصنفون الرجل على أنه معاد للديكتاتورية وهو ما عبر عنه في روايته التي حملت عنوان «عيد العنزة» وهي رواية خيالية تصف الواقع الحقيقي لحقبة الديكتاتور رافاييل تروخيو الذي فرض على جمهورية الدومينكان في سنوات الخمسينات حكما دمويا وإرهابيا إلى أن لقي مصير الاغتيال في عام ,1961.
وعن إرهاصات تلك الرواية.. يحكي مؤلفها عن رحلته إلى الجمهورية المذكورة في إطار مشروع لإعداد فيلم سينمائي، حيث عاش هناك بضعة أشهر سمع فيها عما حفل به حكم الديكتاتور المذكور من فساد ووحشية وانتهاكات غير مسبوقة كما يقول الروائي لحقوق الإنسان.. ولدرجة أن يصفه: يوسا قائلا: «إن هذا الديكتاتور خلق أوبرا في حياته الحقيقية، حيث تولى فيها تروخيو وظيفة المخرج فيما كان أهل الدومينكان هم الممثلين».
أخيرا.. تلتقيه الكاتبة هايدي جونسون رايت في معرض الكتاب في ولاية فلوريدا الأميركية.. تحاول أن تتباسط معه قائلة: سنيور فارجاس.. لقد لاحظت أن كتبك تروق أكثر للنساء على وجه الخصوص:
وهنا يجيب الروائي الكبير بابتسامة متواضعة قائلا: أرجو ذلك، فالرجال لم يعودوا يقرأون، وإذا ما كان مقدرا للأدب أن يعيش فلسوف يكون الفضل في هذا للنساء في كل حال.
مرشح الرئاسة
إذا كانت أميركا اللاتينية قد شهدت منذ ستينات القرن الماضي شخصية شبه أسطورية مثل الثائر الكولومبي المعروف أرنستو شي غيفارا.. فقد شهدت أيضا شاعرا كبيرا مثل بابلو نيرودا الذي رفض ديكتاتورية الجنرال «أوغسطو بينوشيه» في سنتياغو - تشيلي في مطالع السبعينات..
يصدق الشيء نفسه على الأديب الغواتيمالي ميغيل استورياس، وكذلك على أديبنا ماريو فارغاس يوسا الذي لم يكتف فقط برفض أوضاع رآها تتناقض مع آرائه ورؤاه ولا حتى اكتفى بإعلان هذه الآراء أو صياغتها فناً في الأعمال الإبداعية التي أنتجها، بل إنه نزل عمليا إلى ساحة العمل العام ورشح نفسه لرئاسة الدولة في بيرو في عام 1993 لكنه خسر الانتخابات لصالح رئيسها الأسبق المنحدر من أصول يابانية ـ السنيور فيجو موري الذي ما لبث أن قدموه هناك إلى المحاكمة بتهمة الفساد.
محمد الخولي

