حملة انتخابات الكونغرس ـ كل مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ ـ نهار الثلاثاء المقبل، كانت غير اعتيادية بكل المقاييس. غير مسبوقة بشراسة خطابها وطابعها الشخصي كما بدخول تيار جديد عارم على خطها. وهي بذلك تعكس حالة الانقسام الداخلي العميق، حول الخيارات والتوجهات الأساسية. لم تعرف أميركا مثلها، منذ حوالي قرن ونصف من الزمن؛ على حدّ تعبير أحد المخضرمين. التباين بين الديمقراطيين والجمهوريين وحزب «الشاي»، يطاول كل شيء. خلاف له طابعه الاستراتيجي بامتياز. مع ذلك، بقيت حروب أميركا في الخارج، شبه منسية. بالكاد يمر ذكرها.وإذا مرّ فبصورة عابرة.
الجمهوريون واليمين المحافظ، نجحوا في حصر المعركة بالأجندة الداخلية. فهنا نقطة الضعف الكبيرة عند الرئيس. مع أن الوضع الاقتصادي المترنح، ورثه عنهم. تجاهلوا ورطات الخارج، التي تحمل بصماتهم. إثارتها لا تخدمهم. كان بإمكان أوباما فتح ملف حروبهم. لكنه لم يفعل. خصومه متفوقون بالتكتيك ومتمرسون بالمناورة، الإعلامية والسياسية. أخذوا زمام المبادرة، في وقت مبكر من الحملة. شنّوا ضدّه حملة تهشيم شخصي. أحاطوا رئاسته بعلامات استفهام. اعتمدوا أساليب دونية وفاقعة بوقاحتها، لتشويه صورته.
حرب التحريض ضده، نجحت ولو بحدود وساهمت مع التعثر في الداخل والتخبط في الخارج؛ في هبوط رصيده كما رصيد حزبه. وهذا الأخير زاد الطين بلّة، عندما بدا، عشية الانتخابات، على قدر كبير من التفكك والابتعاد عن الرئيس. عدد كبير من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ، حرصوا على التنصل من بعض برامج وسياساته. وكأنه صار ورقة خاسرة. في كل هذه الحالات، بقي في خندق الدفاع. خاصة مع خصومه.
ومع الاستقالات الأخيرة في إدارته وما رافقها من معلومات موثّقة عن خلافات بشأن حرب أفغانستان ـ كتاب بوب وودورد ـ تكون الانطباع بأن إدارته مرتبكة في الخارج وعاجزة في الداخل. بالأحرى، تمكّن خصومه من تشييع مثل هذه الصورة. على الأقل عملوا على توظيفها لاستنفار قاعدتهم الانتخابية ومدّ الجسور مع قطاعات وازنة من المستقلين، المتحركين بين الحزبين والذين يحسم انحيازهم للمعركة في هذا الاتجاه أو ذاك.
على هذه الخلفية، سارع أوباما، في الأسابيع الأخيرة ونزل إلى الحلبة. المعركة قاسية ووضع حزبه يبشر بخسارة فادحة. خسارة لا يقوى على تحمّلها. يعرف أن المعركة ضده شخصياً وضد طروحاته وبرامجه. رئاسته على المحك. المتبقي منها، فضلا عن معركة التجديد. وضع رصيده في الميزان ودخل بقوة على خط الحملة. جولاته ولقاءاته الانتخابية، باتت يومية؛ في مختلف الولايات.
استعاد حضوره في المكان الذي يبرع فيه. لكن حضوره فقد الكثير من بريقه. لم يقو، حسب الاستطلاعات ؟ ولغاية كتابة هذه السطور ـ على استنفار قاعدته الانتخابية التي حملته إلى البيت الأبيض، إلا بالقدر اليسير. اقل من المتوقع والمطلوب، بكثير. وهنا ربما كانت خسارته بالنهاية، مضاعفة؛ إذا تمخضت الانتخابات عن النتائج المتوقعة. خسارة مقاعد في الكونغرس وخسارة المزيد من هالته لفشله في اجتناب مثل هذه الحصيلة.
دخل إلى الحملة في وقت متأخر وفي ظروف معاكسة. لكن لم يكن أمامه خيار آخر. واحدة من مفارقات الرئيس أوباما، أنه جاء إلى الرئاسة بتفويض يؤهله بل يدفعه، إلى المبادرة. بدلاً من ذلك وجد نفسه في موقع الساعي لتقليل الخسائر فقط. بدا هذا في محاولاته لتمرير مشاريعه في الكونغرس. تواصل في السياسة الخارجية وبالتحديد في وعوده بخصوص عملية السلام وتعامله مع نتنياهو. وانتهى، حتى الآن، في الانتخابات.
الآن أوباما على موعد صعب، بعد يومين. ما لم تحصل مفاجآت غير محسوبة وهي مستبعدة في أي حال؛ فإن الكونغرس الجديد مرشح وبقوة، ليكون من النوع العدائي جدّا له. مهمته الرئيسية وضع العصي في دواليب إدارته. عداء يذهب في حدّته إلى مستوى يهدّد بشبه شلل وتجميد، لعلاقة العمل بين إدارته والكونغرس.
خسارة حزبه للأغلبية في مجلس النواب وتقلّص أكثريته ؟ إن لم يفقدها ـ في مجلس الشيوخ؛ تفتح المشهد على المزيد من التوتر بين البيت الأبيض والكونغرس. ولا يبالغ البعض، في ضوء ما كشفت عنه الحملة الانتخابية من اتساع الفجوة بين الاثنين؛ عندما يقول ان التصعيد المرتقب قد يدشّن «مرحلة من التدهور في الحياة الديمقراطية الأميركية».
واشنطن ـ فكتور شلهوب
