يجب على إسرائيل إذا أرادت البقاء أن تُخلّص نفسها من العنصرية وعدم الديمقراطية وعدم المساواة التي تهدد نظامها.
هناك أنظمة حكم كثيرة، مصابة بالعنصرية والفاشية، وهذه الأنظمة لها فترة يُخيل فيها لها أن الأمور تجري على ما يُرام. وتأتي الفترة السيئة عندما يتبيّن أنه برغم المخاطرة الأساسية التي تُسببها سياسة النظام لقدرة المجتمع على البقاء ـ تتابع السلطة ضلالها. تتابع بل تزيد، مخالَفة تامة غريزة البقاء الأساسية.
التهديد الإيراني
من المعلوم أن ما هو مرفوض يظل مرفوضا أيضا عندما يبدو انه ناجح أيضا، وينبغي أن نحذر التفكير النفعي، برغم أنه هيمن على «ديكتاتورية الخلاصة» الإسرائيلية، لكن عندما يُفضي غير الأخلاقي إلى خطر وجودي حقيقي ـ يدخل دوار السلطة مرحلة جديدة.
تدخل إسرائيل الآن هذه المرحلة عامة، وفي مواجهة التهديد الإيراني خاصة. لان أصحاب السيناريوهات وحسابات آخر الزمان، واليأجوجيين المأجوجيين من الداخل والخارج، لا يعملون من غير منطق، بل العكس يُخطط تخطيطا جيدا لحسابات مُستعجلي الخلاص.
اعتمد «ميزان الرعب» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على عوامل كثيرة ـ منها دول ذات كِبر مشابه، وقدرة واضحة على ضربة ثانية وثالثة، وعدم وجود عداوة سحيقة في الأساس.
فلم يُعلن أي روسي (أو أميركي) بإرادته إبادة العدو. وجميع هذه العوامل غير موجودة في العلاقات الإسرائيلية ـ الإيرانية. إلى ذلك، إذا أحرزت إيران بلا عائق قدرة ذرية تحت حكم احمدي نجاد، فستشعر، وبحق من جهتها بأن ردعها قد نجح. أرادت إسرائيل أن تعرقل على خططها وأحجمت بسبب الثمن المتوقع.
صدام نووي
وهكذا، بعد بضع سنين، إذا أصبح لإيران قدرة ذرية ذات شأن تشمل القدرة على ضربة ثانية صادقة، فسيواجه نظامها المسيحاني ـ المتطرف (إذا بقي على حاله) إغراءً عقلانيا من وجهة نظره. ليس الحديث عن هجوم صاروخي شامل لإبادة «الكيان الصهيوني»، من المعقول افتراض أن يُفضي إلى القضاء على إيران. لكن إذا هوجمت إسرائيل على نحو محدود، وعلى يدي منتدب، وعلى نحو غير تقليدي لا بواسطة الصواريخ خاصة، وقُتل في تل أبيب آلاف الناس ـ فستواجه القيادة الإسرائيلية معضلة صعبة.
حتى لو اتضح أن إيران وقفت من وراء العملية (وليس من المؤكد أن يكون من الممكن التأكد من ذلك)، فمن المعقول افتراض أن يُرد على عملية رد ذري كثيف في إيران بهجوم ذري إيراني، يصيب ملايين الإسرائيليين. ومن المنطقي اعتقاد أن تفترض إيران أن تُحجم إسرائيل عن ذلك ولا تختار خيار «لتمت نفسي مع الإيرانيين».
في هذا السيناريو المسيحاني ـ العقلاني، ستُصيب إصابة غير تقليدية محدودة لتل أبيب المجتمع الإسرائيلي على نحو يصعب معه عليه أن ينعش نفسه منها. وهذا انجاز استراتيجي ومسيحاني مذهل. قد لا تسكت إسرائيل عن إصابتها «المحدودة» وتحاول أن تصيب إيران بقدر لا يُفضي إلى رد ذري شامل. لكن الطرفين قد يخطئان الحساب ويُجرّان إلى حرب إبادة ذرية.
لا ينبع من هذا ضرورة ضربة استباقية بل الضرورة مختلفة. إن إسرائيل التي تُجذب إلى عالم عنصري، غير ديمقراطي، ليست كارثة أخلاقية «فقط». إن كيانا عنصريا كهذا يعزل نفسه عزلا، ويجعل نفسه غير شرعي، على نحو يسلبه القدرة الحقيقية المطلوبة للردع وللدفاع عن النفس.
مساواة الحقوق
إن جميع السبل لمضاءلة خطر سيناريو رؤيا آخر الزمان المسيحاني تقتضي أن تخرج إسرائيل من العزلة التي تفرضها عليها سياستها العنصرية ـ وأن تكون مجتمعا شرعيا مُرادا في الجماعة الدولية.
هكذا الأمر بالنسبة لمظلة الحماية الاستراتيجية من الغرب مع ضم إسرائيل إلى حلف شمال الأطلسي ـ وهو مسار مشروط باتفاق سلام إقليمي بهدي من اقتراح الجامعة العربية في 2002 ـ وبالنسبة لكل محاولة إحباط في آخر لحظة لحصول إيران على القدرة الذرية، كان ذلك بمقامرة عسكرية إسرائيلية خطرة، أو بعملية تشجع تغيير نظام الحكم، أو عملية أعنف من الغرب.
وهكذا فان السياسة الإسرائيلية الضرورية من جهة أخلاقية - نقض الحكم الذاتي الديني الذي يهدد بابتلاع إسرائيل، والعودة إلى حدود نهاية حرب الاستقلال وضمان إعلان الاستقلال ب«مساواة الحقوق الكاملة دون فرق ديانة وعِرق وجنس» ـ قد أصبحت ضرورة وجودية مطلقة.
إن ركل هذه الضرورة بقدم قاسية يشهد بأن النفوس العنصرية والفاشية في إسرائيل قد بلغت مرحلة تسمح لنفسها فيها بالعمل على مخالفة حتى غريزة البقاء. وهذه المرحلة تنتهي في الأكثر إلى نهاية آخر الزمان.
إضاءة
أصاب باروخ غولدشتاين عندما افترض أن عمله «المقدّس» سيُشعل نارا تضر بمسيرة أوسلو. وقد بدأت عمليات الحماسيين الانتحارية رداً على المجزرة. وكذلك أصاب قاتل اسحق رابين.
فالرصاصات الثلاث في ظهر الإسرائيلي الذي قاد مسيرة السلام غيّرت الشرق الأوسط سنين. وكذلك لم يخطئ المخططون للحادي عشر من سبتمبر. فقد أفضت عملياتهم إلى موجات ارتدادية جرى في نهايتها انتخاب إدارة أميركية بدت لهم تحاول الامتناع عن التورط مع الإسلام المتطرف.
إن العناصر المسيحانية ـ صاحبة رؤيا آخر الزمان تخطط تخطيطا عقلانيا، لكن أهدافها في المجال المسيحاني. وكذلك أيضا محاولة نسبة عدم العقلانية إلى نظام احمدي نجاد المسيحاني مخطوءة. ومخطوء أيضا افتراض أنه سيكون من السهل ردعه عن إجراء غير تقليدي.
هآرتس ـ سافي رخلفسكي
