لا يفهم الأميركيون رفض نتنياهو العرض السخي الذي عرضته عليه الإدارة الأميركية ولهذا قد تحدث أزمة كبيرة بعد انتخابات منتصف الولاية لمجلس النواب الأميركي بين أميركا وإسرائيل. بالأمس القريب أتم رئيس الحكومة الإسرائيلية إحدى وستين سنة من عمره، سن جليلة. خُصصت أيام عيد الميلاد للأفراح لا لمحاسبة النفس. وبرغم هذا يستطيع نتنياهو أن يشعر في هذا اليوم البهيج بثقل وزن السنين القادمة.

المشكلات باقية

يُنهي سنة ونصف سنة من الاستقرار الكثير في المسكن الرسمي في شارع بلفور، حيث لم تنشب حروب، ولم تحدث كوارث. ومع ذلك لم تحل حتى الآن أي مشكلة من تلك التي ادعى حلّها. لا إيران ولا الفلسطينيون ولا حزب الله ولا حماس. ولا التدهور الخطر لمنزلة إسرائيل في العالم. ولا العلاقات بالولايات المتحدة. كان نتنياهو حتى الآن ضابط صيانة لا زعيما، ولا اللاعب الممتاز في المدة المحدودة.

يُخيل إلينا أن مشكلته المباشرة هي باراك اوباما. أراد أن يُقنع الرئيس الأميركي كثيرا بجدية نواياه وبقدرته على القيادة، وبحكمته السياسية. أراد ولم ينجح.

في سبتمبر، عشية نهاية التجميد، جاء ايهود باراك واسحق مولكو محامي نتنياهو، بعرض من أميركا يصعب رفضه. فقد استقر رأي اوباما على إنشاء فريق خاص يعمل مع جهاز الأمن الإسرائيلي على رزمة سخيّة من المساعدة الأمنية.

قصد الرئيس لأن يُعين رئيسا للفريق، نائب رئيس مقر قيادة القوات المسلحة، الجنرال جيمس كارترايت: هذا تعيين رفيع، يدل على جدية نوايا الرئيس. وكان كلما طُلب من نتنياهو بذله مقابل ذلك ستين يوما آخر من تجميد بناء المستوطنات. لم يُجب نتنياهو بنعم. لم يكن باعثه عقائديا فهو لا يهتم بالبناء في المستوطنات؛ ولم يكن يوجد هنا أيضا حساب سياسي جدي: كانت الرزمة العسكرية التي عرضها الأميركيون مغرية بقدر كاف لإسكات أصوات الاحتجاج في الحكومة.

أزمات أميركا

يُخيل إلينا أن نتنياهو رد على العرض كما اعتاد الرد في الشرق الأوسط. لقد اندمج في المنطقة: عندما يعرضون على سياسي من الشرق الأوسط عرضا، يلبس من الفور سحنة أبي الهول، فلا يقول نعم ولا يقول لا. ويكون افتراضه أن يأتي بعد العرض الأول عرض ثانٍ أفضل منه. وثالث. ورابع.

ومن قال نعم لأول عرض فهو مغفل. انظر إلى عرفات إزاء باراك في كامب ديفيد. وانظر إلى أبو مازن إزاء اولمرت. وانظر إلى احمدي نجاد إزاء سائر العالم. من المؤسف جدا أن واشنطن ليست جزءا من الشرق الأوسط. ولا في هذه الأيام والاقتصاد الأميركي في أزمة عميقة، وأميركا متورطة حتى عنقها في أفغانستان وباكستان والعراق، والهواء السياسي مليء بنبوءات الخراب.

بعد عرض اوباما السخي جاء عرض ثان أقل سخاءً. أصيب نتنياهو بما يُسميه علماء النفس «إن آكشن انيرتيا»، وهو تعبير أتصرف في ترجمته فأقول «الحفاظ على عدم الفعل». بحث علماء النفس ووجدوا أن الناس يمتنعون عن شراء منتوجة بثمن مريح، عندما يشعرون بأنهم أضاعوا فرصة شراء نفس المنتوجة بثمن أكثر إراحة، فيصابون بشلل.

قال نتنياهو لاوباما انه مصمم جدا على إحراز اتفاق، وانه مستعد لنقض حكومته من اجل ذلك. واوباما رجل سياسة. فعندما سمع أن نتنياهو مستعد لتعريض حكمه للخطر، أسره ذلك. ضم نتنياهو إلى وعده تحفظا: فهو يستطيع أن ينقض الحكومة مرة واحدة فقط عندما يكون الاتفاق على الطاولة. وهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بإضاعة ثروة سياسية على أمور تافهة.

ذكاء أبو مازن

كان يجب على اوباما أن يدرك أن التوافه تسيطر على الجوهر في الواقع الذي نشأ بيننا وبين الفلسطينيين. الطريق إلى الاتفاق صعبة ومرهقة، وتصحبها قرارات متوسطة غير سهلة مع شريك هو عدو ألد أيضا. يمكن صنعه إذا أمكن أصلا، بالاعتماد فقط على تحالف في تشكيلة مختلفة.

لا يمكن فعل ذلك دون دفع أثمان، في خطوات بالية. أخذ نتنياهو بنهج ربما يستطيع تسويقه في البلاد لكن لا يوجد له مشترون في الخارج. يستطيع الإسرائيليون أن يُعايشوا سياسة تقول اننا سنستوطن كل تل، لكننا بعد يوم من الاتفاق سنُجلي مئات آلاف المستوطنين عن بيوتهم.

إنهم يعيشون هذه اللعبة منذ 1967. لكن ماذا عن الخارج؟ يشبه هذا أن تكون جوليا روبرتس قالت لريتشارد غير في فيلم «امرأة جميلة»: عندما نتزوج سأكون لك إلى الأبد، لكنني سأظل حتى الزواج أعمل في الشارع. لا يصعب فقط على صحفيين ليبراليين من أنصار اوباما الفهم. فقد بدأ أشخاص يهود يُعدّون في المركز ـ اليمين يتساءلون عن منطق نتنياهو. يُخيل إلينا أنه قد انقلبت الأمور في الأسابيع الأخيرة رأسا على عقب. فالإسرائيليون الذين عرفوا دائما تقريبا قول «نعم» وتعليق العرب في ارض لا ـ لا، يتلعثمون الآن بلفظ «لا» ـ في حين يلعب أبو مازن في ذكاء كبير بـ «نعم».

المفارقة الساخرة هي أن نتنياهو فشل في أقوى نقاطه وهي معرفة أميركا. فهو لم يستدخل أبعاد الأزمة التي تجري على أختنا الكبرى. عندما كانت أميركا في ذروة قوتها تقبلت بتفهم نزوات الولد الإسرائيلي المدلل أما عندما أصبحت ضعيفة فقد ضاقت ذرعا بذلك. إنها تفقد صبرها.

الولد المدلل

ليست المشكلة تجميد بناء المستوطنات، فحالمو اليقظة فقط يؤمنون بأن يستطيع أبو مازن ونتنياهو في غضون شهرين التوصل إلى اتفاق على تبادل أراض وعلى الحدود. المشكلة هي الاشمئزاز والغضب اللذان أثارهما الرفض الإسرائيلي عند الإدارة الأميركية، وهو غضب مكظوم الآن لكنه قد ينفجر بكامل قوته في الثالث من نوفمبر، بعد انتخابات مجلس النواب (الكونغرس الأميركي).

يبحث الأميركيون عن المنطق من وراء الرفض، وعن العقل ولا يجدون شيئا. فلا عجب أن يستنتجوا ـ كما استنتج هذا الأسبوع توماس فريدمان، صاحب العمود الصحافي المؤثر في صحيفة «نيويورك تايمز» ـ أن إسرائيل ولد مُدلل.

يديعوت ـ ناحوم برنياع