يهرّب عدد كبير من الصحافيين مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية في الجزائر أجورهم إلى بنوك أجنبية لأن بنوك بلدهم تسلبهم العملة الصعبة وتبدلها لهم قسرا بالدينار الجزائري.
وفتح العديدون حسابات خارج البلاد لاستقبال أجورهم المدفوعة بالعملة الأجنبية حتى يطمئنوا عليها ويكونون أحرارا في استعمالها. وتأتي موجة «التهريب» بعد قوانين صدرت عن الحكومة تسمح لـ «بنك الجزائر» وهو بنك البنوك الذي يتحكم في كل ما هو مال في البلاد بأن يصادر أجور الصحافيين وتحويلها آليا إلى الدينار الجزائري بقيمة البيع بمعنى بالقيمة الضعيفة أي يحسب أن الصحافي هو من اشترى الدينار.
ولقد أحس الصحفيون بالجور والقهر وهم يرون أجورهم تنهب منهم على خلاف ما هو وضع أقرانهم في بلدان أخرى. وسألت (البيان) عددا من المراسلين واجمعوا على أن ما يجري ظلم وإذلال لا مثيل له، ورفضوا كلهم ذكر أسمائهم خوفا من العقوبة والتوقيف من العمل.
فقد وجدنا منهم من فتح حسابا في الخارج وصار يتصرف بأجره كما يشاء، فيما اهتدى آخرون إلى حيلة بوحي من موظفين في البنوك، وهي إجراء تحويل تقني في طريقة إرسال المرتب حتى لا يظهر بأن الأمر يتعلق بصحافي. أحدهم قال انه اتصل برئيس التحرير في الجريدة التي اعتمدته وطلب منه ان يرسل إليه الراتب باسم شخص وليس باسم الجريدة، وصار يتحصل على راتبه بالدولار.
لكن من لم يتمكنوا من فتح حساب في الخارج أو فضلوا عدم «بهدلة» بلدهم مع جرائدهم تصادر منهم العملة ويخسرون الكثير من أجورهم. احدهم قال اشتغل مع صحيفة خليجية تدفع لي بالدولار لكن البنك يسلبه مني ويعطيني الدينار آليا منذ مطلع العام 2007.
ولما سأل مسؤول في البنك عن هذا التحول قال له «القانون هو من يمنع تسليمك راتبك بالشكل الذي دفع به من المصدر»... ورد الصحافي بان الأمر سرقة موصوفة وخيانة أمانة، أجابه الموظف ببرودة «يمكنك فتح حساب في الخارج وحينها تحصل على راتبك كما تريده». وقال الصحافي مراسل الجريدة الخليجية «سألت مراسلي الصحيفة من المغرب وتونس ومصر والضفة الغربية فوجدت أن لا احد منهم يحدث له ما يحدث معي».
وقال صحافي آخر يراسل أيضا صحيفة خليجية وتصادر منه العملة «تصور ان السوق السوداء في الاتجار بالعملة شبه رسمية في الجزائر ويجري التبادل بها في وضح النهار بالشوارع والساحات. ويجتمع في ساحة «بور سعيد» بالعاصمة وحدها أكثر من 200 تاجر عملة يصطفون على الرصيف وهم يحملون اليورو والدولار والفرنك السويسري والجنيه الإسترليني.
يبيعون ويشترون العملة كما يشاؤون أمام مرأى الشرطة وعلى خطوات من مقر البرلمان ومحافظة الشرطة واكبر محاكم المدينة ولا احد يقول لهم من أين لكم بهذا، ولا احد فكر ان ذلك نشاط غير شرعي لأنه لا يخضع للضرائب والرقابة. لكن اجري المعلوم الذي يمر عبر البنوك يمنعونه عني... من وضعوا ذلك القانون المشؤوم يعلمون ان عددنا قليل ولا نستطيع المقاومة لذلك يطحنوننا».
وذهب صحافي ثالث في تحليل أسباب سلبهم أجورهم إلى تشبيه ما يجري بما كان يحدث زمن الاحتلال. وقال «لا يوجد مبرر لما قامت به السلطات تجاهنا فالدولة تخزن 150 مليار دولار من عائدات النفط ولا اعتقد انها بحاجة للاستعانة براتبي على تسيير شؤونها... لا أرى مبررا لما يجري غير كون ذلك ناتجا عن ذهنية موروثة على الدولة الكولنيالية.
لقد كان الفرنسيون يحتلون الجزائر في أبشع استعمار استيطاني، كانوا يصادرون الممتلكات من الجزائريين كما يشاؤون... أليست مصادرة أجورنا والتصرف فيها من تلك الذهنية؟» وقال «لما سألت مسؤولين في البنك قالوا ان الأمر يتعلق بقانون أصدرته الحكومة ونحن نطبقه، فقلت لهم» ما قرأناه في التاريخ أن فرنسا لم تقم بأي شيء خارج القانون طيلة 132 سنة من الاحتلال... كانت تصدر قوانين جائرة ظالمة وتطبقها على الجزائريين وبفعل تلك القوانين الجائرة صادرت الأراضي والممتلكات من أصحابها ومن بينها أراضي وممتلكات عائلتي...
فالقانون إذن لا يعني العدل ويمكن ان يكون ظالما يتوجب تعديله» وسألت «البيان» الصحافيين إن كانوا قد سعوا لاسترداد حقوقهم، فأكدوا أن البنوك قالت ان القانون أصدرته الحكومة ونحن نطبقه، والحكومة ـ على حد تعبير احدهم «لها جدار عال لا تنتبه إلا لمن يستند لقوة نفوذ قادرة على إبلاغ صوته أو له قوة الاحتجاج وحرق العجلات المطاطية وإقامة المتاريس وهذا سلوك غير منطقي بالنسبة لحفنة صحافيين... الصحافي في الجزائر جسم هش جدا...
فنحن نملك العملة وتسلب منا زورا وممنوع علينا التمتع بعطلة أو بعلاج في الخارج رغم أننا نملك أصلا مقوماته، وبالمقابل تطالعنا أخبار كل يوم عن أناس غيرنا لا يملكون العملة ويتفسحون ويعالجون على نفقة الدولة... ».
وقال احد أقدم مراسلي الصحف العربية في الجزائر» قبل عام أصيب ابن عمي بالتهاب أعصاب بقدمه اليمنى، فاحتاج إلى عملية عاجله لإنقاذه وكان من غير الممكن إجراؤها في الجزائر في الوقت المناسب لنقص الأماكن بالمستشفيات، ولم استطع نقله للعلاج في مستشفى بتونس يتوفر على أماكن وتقنيات عالية، لان العملة التي اصرفها عليه في تونس سلبتها مني الدولة مسبقا، والنتيجة ان العلاج تعطل حتى تمكن منه المرض فاحتاج إنقاذه من الموت إلى بتر ساقه وهو اليوم مقعد معوق».
وبحسب ما علمت « البيان« فان أكثر من 15 صحافيا مراسلا تمكنوا من تهريب أجورهم إلى الخارج وعدد منهم وجد حيلة تجاوز بها قوة القانون، لكن الأغلبية تصادر رواتبهم ويحصلون عليها مكرهين بالدينار. وحين يريدون السفر خارج بلدهم يشترون العملة في السوق السوداء بزيادة 25 بالمئة عن السعر الذي استبدلت به الدولة عملتهم. هم إذن يخسرون 25 بالمئة من أجورهم كل شهر لمجرد أنهم صحافيون جزائريون.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
