يعتبر ديوان الخدمة المدنية، بنك معلومات ثريا لأرقام ونسب العمل في الأردن، ومؤشراتها الاجتماعية والاقتصادية. ويلعب الديوان دورا بارزا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، ومن أجل ذلك يتم تعيين رئيسه وفق القانون بإرادة ملكية بناء على تنسيب مجلس الوزراء.

أما رئيس ديوان الخدمة المدنية الحالي فهو مازن الساكت الذي وقع اختياره لديوان الخدمة المدنية إبان حكومة علي أبوالراغب. وكان الساكت يعمل رئيسا لتحرير مجلة قضايا عربية، وتصدر عن جامعة الدول العربية، وتعالج قضايا سياسية وفكرية تهم الأمة. «البيان» حاورت رئيس الديوان حول الفرص الوظيفية ودور الجامعات الأردنية في تحقيق الانسجام مع سوق العمل أو زيادة الفوضى فيه. فكان هذا الحوار:

لدى ديوان الخدمة بنك معلومات يتعلق بسوق العمل الأردني والعاطلين أو ما تعرف بالبطالة المقنعة والفئات التي تعاني أكثر من غيرها من البطالة، دعنا نتوقف بداية عند هذا الملف كمقدمة؟

احدى سمات الأردن الأساسية ان الموارد البشرية قد حققت انجازات مهمة بمعنى ان التعليم في المملكة قطع أشواطاً بارزة، ومع دخولنا مراحل جديدة أصبح لدينا في المنطقة كثير من الضغوط الاقتصادية على المجتمعات والدول، سواء من حيث خطط التنمية أو من حيث مستوى المعيشة أو نسب النمو والدخل الوطني الإجمالي أو من حيث فرص العمل المتاحة هذه التحديات الجديدة، مع تطور التعليم ومخرجاته.

ولكن بتنا نرى ان جزءا من هذا المنجز التعليمي بات عبئا على الدولة، وأصبحنا نواجه سؤالا اشكاليا وهو كيف نتعامل مع مخرجات التعليم كجزء أساسي من سؤال كيف نتعامل مع استراتيجية تنمية وإدارة الموارد البشرية على المستوى الوطني؟ وهو شعار أساسي اذا لم ننجح فيه لن نحقق شيئا، في أي من القطاعات المستهدفة سواء السياحة أو الزراعة، أو الصناعة أو غير ذلك.

وفي الأردن حوالي مليون و600 ألف طالب في المدارس، وهناك 275 ألف طالب في الجامعات، وهناك حوالي 60 ألف خريج سنوي من الجامعات بمختلف التخصصات. والقطاع العام المدني يستطيع توفير 10 آلاف فرصة عمل، مما يعني أمامنا خمسون ألف طالب وظيفة خارج حدود القطاع العام، بحاجة إلى وظيفة، في النشاطات الاقتصادية الأخرى وتحديدا في القطاع الخاص.

من بين طالبي الوظيفة يذهب إلى دول الخليج في الأسواق التي يوجد فيها طلب على العمالة الأردنية. ولكن يبقى هناك سؤال أساسي كيف نجد فرص عمل لمن تبقى من باحثين عن عمل، وهم أعداد كبيرة تتكرر كل سنة؟

كما ان احدى ميزات ديوان الخدمة المدنية انه أهم مصدر للمعلومات حول مخرجات التعليم في المملكة، وذلك بسبب نظام الطلبات التراكمية. فنحن لدينا 203 آلاف طلب من باحثين عن توظيف. وهو رقم هائل بالنسبة للأردن، ويعني الكثير. فمنهم هناك 152 ألف فتاة، وهذا يعني شيئا أيضاً. ولا يجوز ان نمر على الأرقام دون التوقف عندها وقراءتها بصورة دقيقة. فعندما نقول ان لدينا 152 طلب توظيف لفتيات ان هناك تحولا ثقافيا اجتماعيا اقتصاديا في المجتمع الأردني أنجز بالنسبة للذكور القدرة على المبادرة والذهاب إلى العمل الحر والفردي، ولكن لا تزال الفتاة محكومة في تقاليد المجتمع وفي عقلية وظيفة الدولة التي هي أكثر أمنا واستقرارا. وهي قراءة لها نتائج اجتماعية. واللافت في هذا انه كلما ذهبنا إلى المدن البعيدة عن العاصمة ارتفع رقم الإناث الطالبات للوظيفة الحكومية.

أي ان نجاح التنمية الاقتصادية في المحافظات متواضع مقارنة بالمدن، وهو ما يفرض تحديات أكبر، بحيث ان المجتمعات الريفية لا تجد أمامها الا الفرص الحكومية.

إلى درجة انك ترى ان جزءا من الثقافة يخلط بين حق العمل وحق الوظيفة، فحق العمل حق دستوري وإنساني على الدولة ان توفره، ولكن حق الوظيفة أمر آخر. وهي قصة في غاية الأهمية.

وفي مواجهة هذا التحدي لا بد ان يكون هناك عمل استراتيجية متعدد الأوجه والاتجاهات. فكيف نوجه التعليم «التعليم الأساسي إلى أعلى مستوياته» ليتلاءم مع هذا الواقع ومع تطوره ومع الفرص المتاحة في عملية التنمية؟ والأمر لا يقتصر على الشعارات بحيث نقول علينا ان مواءمة مخرجات التعليم مع فرص التنمية، فهو شعار طرحناه قبل عشر سنوات، فماذا يعني ذلك على الأرض؟

تفوق الفتيات

دعنا نتوقف قليلا عند حديثك ان هناك 60 ألف طالب جامعي يتخرج في الأردن سنويا بمختلف التخصصات.. حسنا كم من هذا العدد فتيات؟ ومن أي المناطق الجغرافية هم؟

من 60 ألف هناك حوالي 35 ألفا من الإناث، اما ما يتعلق بتوزيعهم الجغرافي، ولكن يمكن القول انه بالنظر إلى عدد السكان، فهم يتركزون في الوسط لان معظم السكان في المملكة يتركزون في الوسط. ولهذا من حيث النسب فانها متساوية، رغم ان العدد مختلف كثيرا. فأنت اذا نظرت إلى العاصمة مثلا، فنحن نتحدث عن نحو نصف السكان. وهذا ما يعني تغير المعالجات ذات الصلة فأنت في البادية لا تريد ان تقوم بمعالجات تتعلق بمعالجات غير متوقع لها ان تنجح هناك.

على سبيل المثال.. في عام 2004 كان في كل بوادي المملكة ألفا خريج جامعي سنويا فقط، أما اليوم فنحن نتحدث عن 16 ألف خريج. وأنا هنا أتحدث عن الذين قاموا بتسجيل طلبات توظيف لهم في الديوان.

كيف تتم المعالجات لتوظيف الخمسين ألفاً سنويا من أصل 60 ألفا يتقدمون بطلبات توظيف في الديوان؟

الناس في العادة تبحث عن فرص عمل جاهزة وقسم كبير منهم يضع الطلب ثم يعمل أي عمل آخر، فتقديم الطلب لا يمنعه البحث عن فرص أخرى سواء داخل الأردن أو خارجه. وهذه العملية تحتاج إلى مجموعة إجراءات. الأول ان ندقق في مدخلات التعليم. واعتقد ان المشكلة لدينا في مدخلات التعليم وليس مخرجاتها. فنحن عندما ندرس الطلبة مساقات أكاديمية، لا نزال لا نربط المساقات بشروط إشغال الوظائف. لا نربط المهارات المطلوبة في التعليم بالمهارات المطلوبة في العمل، لهذا عندما يتخرج الطالب الجامعي وحتى يكون مؤهلا للعمل يقوم بإخضاع نفسه لعدد من الدورات في تخصصه.

الأمر الآخر، توجيه الناس نحو التعليم المهني التطبيقي، والدولة في هذا الموضوع أخذت عدداً من الإجراءات ذات الصلة، بحيث سيتم تحسين المسميات الوظيفية لهذه الطبقة، وتحسينها ماديا ومعنويا، وذلك لنشجع الشباب للتوجه نحو هذا النوع من العمل. وهذه الطبقة من الأعمال يقوم عليها أساساً عملية التنمية وتطوير المجتمعات والدول.

ما هو دور القطاع الخاص هنا؟

للأسف اعتاد القطاع الخاص أن ينتظر مبادرات القطاع العام والحكومة في مثل هذه التحولات، فنحن في كثير من الأحيان لا نشهد تحولات يبادر بها القطاع الخاص. وهذا جزء أما الجزء الآخر فهو التأكيد على برنامج تنمية المحافظات. فقد جربنا ؟ وهذا رأي شخصي فبعض ممن هم في الحكومة لا يوافقون على هذا الطرح- أقول نحن جربنا بعض التجارب من قبيل المدن الصناعية وقد شكلت انجازات ولكن متواضعة والاهم من ذلك انها لم تغير المناخات، ولا البيئة ولا شجعت رأس المال ليتوجه إلى الاستثمار، أو غيرت العقلية الثقافية.

نحن بحاجة إلى أشكال جديدة. وفي آخر 10 سنوات طرح الملك عبدالله الثاني نموذج المناطق التنموية وهي محاولة لتطوير منهجية تنمية المحافظات، بان نذهب إلى المنطقة ونشكل الشروط التي تمكن من جلب الاستثمار. وهذا الأمر يحتاج إلى شيء أعمق. وهنا انا لا أقول ان من قام بالإشراف على التخطيط والتنفيذ فشلوا بل ان المهمة ليست سهلة وتحتوي على تحديات كبيرة. فانا في بعض المحافظات أرى ان ابرز الاستثمارات هناك يجب ان تكون في تربية الماشية وليس في أي شيء آخر. فليس بالضرورة ان نذهب إلى التكنولوجية دائما.

وأكثر من ذلك نعاني في الأردن حديثا من مسألة التخصصات المتشابهة، والتي لا تختلف عن بعضها البعض إلا في بعض المسميات وثلاثة أو أربعة مساقات فقط وهو أمر أوجدته العقلية الربحية في الجامعات، وكأن الأمر بات تجارة. وهذا الأمر ليس فقط هدرا في الطاقات بل جريمة بحق الموارد البشرية الأردنية. فنحن نرى الأسرة الأردنية تبيع أرضها الوحيدة وزيتونتها من اجل تعليم ابنها أو ابنتها.

كيف يمكن ربط مكونات المجتمع الأردني بأسره في حلقة مركزية مؤسسية؟

كان لدينا مؤسسة سابقا ونسعى الآن لإحيائها من جديد. أي ايجاد مجلس وطني لادارة وتنمية الموارد البشرية تمثل فيه كل المؤسسات ذات العلاقة من التربية والتعليم، إلى التعليم العالي، إلى ديوان الخدمة إلى وزارة العمل، وغرف الصناعة والتجارة، وهكذا. ونحن نعمل على انبثاق مثل هذا المجلس. فمثل هذه القضايا قد لا تجد الاهتمام الكافي وكانت في آخر السلم. وحتى عندما نسمع البعض يطرحها يطرحها كمجرد شعار.

فقد وجدت اليوم قطاعات لم نكن في السابق نوليها الاهتمام المطلوب. فالسياحة هناك 615 شابا على مقاعد الدراسة اليوم.

ولكننا في الأربع سنوات المقبلة نحن بحاجة إلى 25 ألف فرصة عمل في السياحة. هذا النوع من المستجدات.

دور بارز

أوضح الساكت أن الديوان يلعب دورا مجتمعيا بارزا ولهذا نحن نهتم بكل هذه القضايا. وكما سبق وقلت نحن نوفر لكل الجهات الراغبة جميع المعلومات حول سوق العمل، ومؤشرات مخرجات التعليم، ومؤشرات التخصصات، والتخصصات الراكدة والمطلوبة، وخاصة في تخصصات الصحة والتربية والتعليم.

ونحاول تشكيل اتصال بيننا والجامعات لنحاول تطبيق الملائمة بين مساقات التعليم وشروط إشغال الوظائف. وفي هذا الصدد نقوم بدراسات دورية نوزعها على الجميع، وخاصة أصحاب القرار. بل إننا ننزل إلى الطلبة في المراحل الثانوية لنتحدث لهم ما هي التخصصات المطلوبة في المجتمع خلال المستقبل القريب.

فمنذ عام 2003 واستجابة لمسؤولية وطنية تبنى ديوان الخدمة المدنية مهمة جديدة، أطلق عليها «الدور المجتمعي» خرج بها عن الدور التقليدي والمهام الرسمية، ووضع ما يتيح له موقعه ودوره ومعلوماته في خدمة شرائح اجتماعية ومؤسسات وبرامج وطنية وذلك من خلال إنشاء موقع خاص «لتسويق الكفاءات الأردنية» أطلقه لتتعامل معه الجهات الموظفة للخريجين داخل وخارج الأردن.

ويفخر الديوان بأنه أسهم في حصول الآلاف من أبنائنا على فرص عمل من خلال هذا الموقع (1800 عملية توظيف خلال عام 2009) في القطاع الخاص خارج وداخل الأردن. كما يقوم الديوان سنوياً بإعداد الدراسات حول مخرجات التعليم وفرص العمل والتخصصات وشروط إشغال الوظائف ليسهم في تقديم المؤشرات للسياسات والخطط التعليمية ومؤسساتها.

وبالتعاون مع صندوق التنمية والتشغيل أنشأ نافذة لتمكن المتقدمين بطلبات توظيف من الحصول على فرص لإقامة مشاريع أعمال حرة تحقق لهم حياة كريمة. تلك مهمة يفخر ويعتز الديوان بها ويأمل ان تتطور وتتوسع باقتراحاتكم وتفاعلكم.

حوار: لقمان اسكندر