تتحرك مفاتيح إسرائيل في واشنطن بصورة ملحوظة، وطبعاً بالتناغم مع حكومة نتانياهو، على خطين: توفير كل الدعم لشرط - بالأحرى لتعجيز - هذا الأخير، بخصوص وجوب اعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية دولة إسرائيل. وبموازاته، تقوم بالسعي المحموم لوضع كل الحواجز المانعة في طريق أي محاولة لإعلان دولة فلسطينية، خاصة لإعلانها من جانب أية جهة أو مرجعية دولية. استنفار إعلامي - سياسي، على المحورين، يعكس مدى الإصرار الإسرائيلي على استمرارية الوضع الراهن، باعتباره الأنسب لمواصلة الاستيطان وتفريغ فكرة الدولتين من مضمونها. وهو إصرار أخذ زخمه من رخاوة إدارة أوباما وتراجعاتها أمام التعنت الإسرائيلي.

جوقة الترويج الإسرائيلي في واشنطن عملت لموضوع «يهودية» إسرائيل، حملة تسويق. بشكل أساسي في وسائل الإعلام، التي أفردت له مساحات بارزة. خاصة في صفحات الرأي لبعض كبريات الصحف. ومثل العادة في هذه الحالات، جرى العزف على الوتر التبريري وذرائعه الواهية ذاتها، والذي يفتعل الجمع بين الحق التاريخي اليهودي المزعوم وبين التشدق بديمقراطية إسرائيل التي «لا تتعارض مع يهوديتها ». فإسرائيل، حسب هذه الأوركسترا التي تضم تشكيلة من عتاة المحافظين الجدد والأقلام اليهودية، فضلا عن السفير الإسرائيلي في واشنطن، «تعمل على حماية وضعها، كدولة يهودية وبطرق مشابهة لتلك التي لجأت إليها دول أخرى مثل فرنسا، وسويسرا وألمانيا وبريطانيا واليابان». ليّ فاقع لعنق الحقائق. حملة مبنية على المغالطات وموجهة إلى أكثر من طرف. وبالتحديد إلى إدارة أوباما، لوقف مطالبتها، ولو الناعمة، لحكومة نتانياهو بتليين موقفها في موضوع الاستيطان.

والإدارة عندما تسأل حول شرط «يهودية» إسرائيل، تحيد عن الموضوع وتحصر الجواب في التركيز على سعيها لضمان مواصلة المفاوضات. الوزيرة كلينتون، في كلمة لها قبل أيام في احتفال لإحدى الجمعيات الفلسطينية - الأميركية، لم تخرج عن هذا الإطار. كل ما قالته بقي ضمن الإعراب عن حرص إدارة أوباما على «استئناف عملية السلام». والدليل أن «المبعوث ميتشل سيتوجه قريباً إلى المنطقة». فقط لا غير، من دون أية التزامات.

أما موضوع الدولة الفلسطينية الموعودة واحتمال العمل على استصدار قرار بإعلانها من جانب مرجعية دولية، فقد خصّته هذه الدوائر بتحرك أوسع، لتطويقه ومحاولة خنقه في مهده. حتى ولو كان القرار غير ملزم.

بكل حال الجهة الوحيدة التي يمكنها اتخاذ مثل هذا الأخير هي مجلس الأمن. وهذا بابه مقفل بحكم الفيتو الأميركي. الهيئة التي تخشاها إسرائيل، حسب ما تذكره بعض الأوساط الأميركية؛ هي الجمعية العمومية للأمم المتحدة. صحيح أنه سبق لهذه الأخيرة أن صوّتت بالأغلبية أواخر عام 1988، على الاعتراف بالدولة التي كان الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، قد أعلن قيامها آنذاك؛ من غير أن يكون لتصويتها أي مفعول. لكن الصيغة المطروحة هذه المرة مختلفة. قرار الجمعية، إذا صدر، سيكون إعلانياً مباشراً وليس تصديقياً على قرار فلسطيني. وهذا يذكّر بقرار الجمعية عام 1947 الذي قضى بتقسيم فلسطين. عمليا، يكون مواز له، من حيث الشرعية التي يمنحها للدولة الفلسطينية. حتى ولو مانعت إسرائيل قيامها. ومن هنا خشية الإسرائيليين، وفق ما تقوله أوساط أميركية مطلعة. لاسيما وأن هناك إشارات دولية ومنها أوروبية، حول وجود استعداد للتعاطف مع التوجه الفلسطيني نحو المؤسسات الدولية. وحراك حكومة نتانياهو، يعكس مثل هذا التخوف. رئيس فريقه للمفاوضات، يتسحاق مولكو، موجود في واشنطن. ويتردد أنه يحمل عرضاً بتمديد وقف الاستيطان لفترة قصيرة، شهر أو اثنين، مقابل تعهد من الرئيس أوباما بالتصدّي لمحاولة السلطة الفلسطينية لاستصدار مثل هذا القرار. كما شمل تحركها المحكمة الجنائية الدولية، التي استمع المدعي العام فيها، قبل أيام؛ إلى مطالعة الجانب الفلسطيني في الشكل، لإقناعها بالنظر في شكواه ضد إسرائيل وعدوانها على غزة. والمعروف أن هذه المحكمة لا تنظر إلا في الدعاوى التي ترفعها الدول، أمامها.

إسرائيل دخلت على الخط للحيلولة دون قبول الدعوى الفلسطينية، لما ينطوي عليه ذلك من إعلان غير مباشر عن وجود دولة فلسطينية، من جانب هذه المرجعية القضائية الدولية. أبراهام فوكسمن، رئيس إحدى اكبر المنظمات اليهودية في أميركا شدّد على «أهمية اتخاذ موقف أميركي صلب» ضد الجهود الفلسطينية، في هذا الخصوص و«سدّ كافة الأبواب أمامها» باعتبارها «جزء من حملة تهدف إلى إضعاف شرعية إسرائيل».

حتى الآن، الإدارة تلتزم الغموض. من جهة تتمسك بالتفاوض كخيار أساسي. ومن جهة أخرى، تسكت على خنقه بالتعجيز والاستيطان الإسرائيلي. والسوابق تقول إنه عندما تتعامل واشنطن مع الهجمات الإسرائيلية، بهذا الشكل، تكون في النهاية على طريق التلاقي معه. الهجوم المضاد عبر الخيار الدولي، تبدو ظروفه متاحة. على الأقل حان أوانه.

واشنطن - فكتور شلهوب