كما بدأ انتهى، بتكريس رسالة تكررت عشرات المرات في كثير من الجلسات مفادها أنه يجب أن تبدأ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في النظر والتعامل مع نفسها «كمنطقة»، «كمجموعة»، بدل النظرة التي سادت حتى الآن منذ استقلال بلدان هذه المنطقة، بل وربما قبل ذلك بكثير، بأنها أرخبيل يتكون اثنتين وعشرين جزيرة.

هذه الرسالة، التي ربما يستهجن الكثيرون صدورها عن «قلعة العولمة الاقتصادية»، المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يضم بين جنباته رؤساء أكبر ألف شركة في العالم، والتي تدير تريليونات من الدولارات يعتبر حصرها سرا مقصورا على إدارته تجد تفسيرها في أن هذه الدعوات تصدر عن المستثمرين ورجال الأعمال الذين يفكرون بطبيعتهم على المستوى الإقليمي مقابل ما اعتبروه «التفكير القطري» لرجال السياسة العرب.

هذه الدعوة تكررت عندما بحثت علاقات المنطقة مع القارة الاسيوية بإقامة المفارقة ما بين الطفرة التي عاشتها وتعيشها هذه الأخيرة في تجارتها البينية ما بين البلدان الجارة في القارة الناشئة وما بين معدل التجارة البينية العربية الذي لا يتململ إلا نزولا. كما تكرر نفس التأكيد عند نقاش تجارب الأسواق الناشئة، تطوير البنية التحتية، سبل التعامل مع الأزمات، الصناديق السيادية.

باختصار، يمكن اعتبار أن هذا الموضوع طغى على ما عداه من مواضيع اقتصادية بشكل لم يكن معهودا من قبل على الأقل في هذا المحفل. الاستثمار في المجالات الاجتماعية كان متغيرا جديدا وربما مفاجئا آخر ليس فقط لأن مؤسسات من هذا الحجم لم تتعود لغة الإحسان عند حساب خطواتها واتخاذ قراراتها الاستثمارية .

ولكن لأن المقاربة التي طرحت كانت اقتصادية في المقام الأول، مع أن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن المنتدى الاقتصادي العالمي كان السباق ربما عالميا إلى التأكيد على مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات وذلك عند رصده لخريطة الأزمات العالمية قبل سنوات من الأزمة المالية العالمية، خلال اجتماعه السنوي في دافوس.

البنى التحتية

وأكدت الدعوات هنا على أن الاستثمار في البنية التحتية في مجالي التعليم والرعاية الصحية يعتبر أولوية اقتصادية تقود الازدهار الذي يجلب الاستقرار السياسي. استقرار تم التأكيد كذلك على أن أحد أهم مفاتيحه، إن لم يكن أهمها يكمن في توسيع وتقوية الطبقة الوسطى العربية مع الانتباه إلى أن هذه المهمة قد تشكل تحديا اقتصاديا ليس بالسهل على المدى القصير لدول المنطقة لكنه بالتأكيد سيجلب منافع اقتصادية طويلة الأمد.

وركز المشاركون على رسالتهم التقليدية بضرورة مواءمة أنظمة التعليم وبناء المهارات مع احتياجات التوظيف وسوق العمل. سوق عمل يحتاج من واضعي السياسات العربية الأخذ بعين الاعتبار أن عددا يتراوح ما بين 16 إلى 18 مليون شاب سيقفون على أعتابه قبل انتصاف العقد، وأن توفير إجابات ليس بالضرورة حكومية في القطاع العام هو وحده الكفيل بتقوية السلم الأهلي.

ثالث الرسائل الموجهة هذا المرة، من رجال الأعمال إلى نظرائهم الممسكين بناصية القرار السياسي أن مهمتهم الأساسية في المجال الاقتصادي، إضافة إلى ما سبق، تكمن في التركيز على الاستثمار في مجالات البنية التحتية الكبرى لاسيما في مجال المواصلات وربطها على المستوى الاقليمي بشكل يسهل انتقال التجارة بين جنبات المنطقة المختلفة بيسر وسهولة، وهو الأساس الذي يحتاجه توسيع الاستثمارات المحلية والعربية والدولية في منطقتنا. بكلمة واحدة، الإحساس أنهم يتحركون وينتجون لبلد واحد لا عدة بلدان.

استثمار آخر مطلوب هو في بناء الكفاءات عبر إعادة نظر جذرية في أنظمة التعليم المبنية على التلقين والحفظ وإزالتها لصالح تعليم مبني على التجربة والاستقراء والتساؤل. صحيح أن بناء هذه الملكات، إذا ما تم، يصعب توجيه وحصر مجالات تدخله، لكن في غيابها فإن الفاتورة لن تكون أخف وطأة بأي حال.

طبعا يلحق بهذين الأمرين توفير أنظمة قانونية وتشريعية منسقة لا تجعل الاستثمار يحس بغربة عند انتقاله من بلد عربي إلى آخر بشكل يتيح لرؤوس الأموال الدخول والخروج من الأسواق العربية بدون تعقيدات كثيرة.

الاتجاه المعاكس

رابع الرسائل كان موجها في الاتجاه المعاكس، للمستثمرين، وتحديدا المسؤولين عن اتخاذ القرارات الخاصة بالصناديق السيادية والتي طالما سمعنا نداءات الاستغاثة الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية طمعا في تسخير السيولة الضخمة التي تملكها لصالح المساعدة في حل المشاكل المالية التي تعاني منها البلدان الغربية. لكن وبما أننا نسجل المفارقات، فقد تمثلت المفارقة هنا في دعوة هذه الصناديق لأن تتصرف كلاعب عالمي، لا يعترف بالحدود لكن مع الاحتفاظ بروابط وخطوط رجعة محلية استراتيجية.

«البيان»- مراكش