كالعادة، علم العرب بما حدث. علموا كل شيء عن التعذيب الجماعي وإطلاق النار غير الشرعي على المدنيين والاستخدام الوحشي للقوة الجوية في قصف بيوت المدنيين. وعلموا أيضا بالمرتزقة الأميركيين والبريطانيين المسعورين وبمقابر القتلى الأبرياء. العراق بأسره علم بذلك. لأن أهله كانوا هم الضحايا.
نحن وحدنا الذين يمكننا أن ندعي أننا لم نعلم. نحن وحدنا في الغرب نستطيع أن نواجه كل ادعاء، وكل زعم، ضد الأميركيين والبريطانيين، بصفة عامة، عن طريق إحاطة أنفسنا بسياج من الأكاذيب. ويتبادر إلى الذهن ممن يتقنون ذلك، كل من مارك كيميت المتحدث باسم الجيش الأميركي بتصريحاته المروعة ورئيس هيئة الأركان المشتركة بيتر بيس، بتصريحاته النكراء.
كشف النقاب
فمثلا، لو كشف النقاب عن تعرض شخص ما للتعذيب، فسيرد الأميركيون والبريطانيون، على الفور، بأن الأمر مجرد دعاية إرهابية. ولو كشف النقاب عن مقتل عشرات الأطفال في منزل ما في غارة جوية أميركية، فسيعتبرون ذلك أيضا دعاية إرهابية أو من «الخسائر العارضة»، بل ربما يلجأون إلى عبارة أبسط من كل ذلك وهي: «ليس لدينا أي معلومات عن ذلك».
في الحقيقة، كلنا نعلم أنهم (الأميركيون والبريطانيون) دائما يعرفون ما يجري أو يكون لهم دور في ما يجري. ويؤكد ذلك مجددا، الكم الهائل من الوثائق العسكرية، التي كشف عنها أخيرا، موقع «ويكيليكس».
لقد بذلت قناة الجزيرة الفضائية جهودا كبيرة، وذهبت بعيدا، في اقتفاء أثر الأسر العراقية التي فقد رجالها ونساؤها عند نقاط تفتيش أميركية. وكانت صحيفة «إندبندنت» هي أول من لفت انتباه العالم إلى قطعان المسلحين غير المنظمين من المرتزقة، الذين كانوا يجلبون إلى بغداد لحماية الدبلوماسيين والجنرالات. هؤلاء المرتزقة كانوا يقتلون الناس بلا توقف خلال تجولهم في المدن العراقية.
إنه لمن المغري دائما تجنب تقرير صحافي ما بالقول إنه «ليس هناك من جديد». وفكرة «التقرير القديم» هذه تستخدمها الحكومات لتثبيط الاهتمام الإعلامي، كما أن الصحافيين قد يستخدمونها للتغطية على تخاذلهم.
عار أميركا
وأقدم هنا دليلا.. «عار أميركا»، وإن كان كتب بمصطلحات عسكرية قاتمة. وهذه المادة تصلح لأن يستخدمها المحامون في المحاكم لرفع دعاوى. الرقم الذي ذكره الأميركيون عن ضحايا العراق المدنيين وهو 66081 مثير للسخرية، وخاصة الرقم 81، الذي يوحي بالدقة وهو ليس منها في شيء، لأن العدد الحقيقي، أكبر بكثير من ذلك، لأن هذا الرقم المذكور يشمل فقط «الذين علم بهم الأميركيون».
بعض هؤلاء القتلى أحضروا إلى مشرحة بغداد في حضوري، حيث أبلغني مسؤول كبير ان وزارة الصحة العراقية منعت الأطباء من تشريح جثث القتلى العراقيين، الذين تنقلهم القوات الأميركية. الآن، لماذا حدث ذلك؟ هل لأن بعضهم ماتوا أثناء تعذيبهم على يد عراقيين يعملون لحساب القوات الأميركية؟ وهل يتفق ذلك مع 1300 تقرير أميركي مستقل بشأن التعذيب في مراكز الشرطة العراقية؟
يبدو أن سجل الأميركيين في هذا الصدد لم يكن أفضل حالا فيما مضى، حيث يتم إبلاغ الجنود الأميركيين في العديد من الحالات وباستمرار بعدم التدخل. والأمر نفسه حدث خلال مذابح صبرا وشاتيلا. والله وحده يعلم ما يمكن أن نكتشفه من أسرار إذا وضع موقع «ويكيليكس» يده على الملفات العسكرية الإسرائيلية. لكننا في ذلك الوقت لم نكن نعرف استخدام الكمبيوتر، ولا الكتابة عليه. وهذا من أهم الدروس التي تقدمها لنا ظاهرة «ويكيليكس» برمتها.
في السابق وحتى حرب فيتنام، كانت التقارير تكتب على الورق من نسخة واحدة أو ثلاث نسخ على الأكثر، وهو ما يعني أنه كان من السهل تتبعها ومنع الجواسيس من تسريبها. كما كان يمكن بسهولة تدميرها، أو التلاعب بها.
تداعيات خطيرة
وأحسب أن هذا الكنز الهائل من المعلومات عن حرب العراق ستكون له تداعيات خطيرة على الصحافيين وعلى الجيوش كذلك. ماذا سيكون مستقبل سيمور هيرش أو مدرسة صحافة التحقيقات التقليدية التي دأبت «صنداي تايمز» على ممارستها؟ وما الفائدة من إرسال فرق المراسلين الصحافيين لاستقصاء جرائم الحرب ومقابلة العسكريين، أصحاب الحناجر القوية، إذا كان بالإمكان الحصول على نصف مليون وثيقة على شاشة كمبيوتر بكل سهولة؟
ونحن لم نصل بعد إلى نهاية «قصة ويكيليكس» وأعتقد أن هناك عددا أكبر من الجنود الأميركيين متورطون في الاتهامات الأخيرة. ومن يدري أنها لن تطال مسؤولين كبارا؟
بقلم ـ روبرت فيسك
