أرشيف الحرب العراقية في مجمله، بصغيره وكبيره من تفاصيل الأحداث، يقدم نموذجا تحذيريا للاستراتيجية العسكرية في أفغانستان.

تلك الاستراتيجية نفسها، المرتكزة على ضخ مزيد من القوات، غالبا ما ينسب لها الفضل في إنقاذ العراق. طبقها الجيش الأميركي وأسفرت عن قلب الأوضاع في حرب كان يتزايد فقدان الأمل في كسبها، حسب إحدى وجهات النظر. ورغم حقيقة أن القوات الإضافية وفرت أمنا أفضل، فإن التقارير الموجودة في الأرشيف تشير إلى أن هذه الاستراتيجية نجحت لأن الكثير من العراقيين كانوا مستعدين لقبولها.

تضافر عدد من الظروف، على الأرض، لإنجاحها. كانت الأطراف المتحاربة قد تعبت وكلت من استعار القتل. فقد تم تطهير أحياء ومدن مختلطة بأكملها. الميليشيا التي كان يفترض أنها تحمي أتباعها بدأت بافتراسهم، وهو ما جعل السكان المحليين يتقبلون المبادرات الأميركية.

الحرب التي تقدمها وثائق «ويكيليكس» عبارة عن مجموعة من الظروف المتغيرة بسرعة، بمنطقها ووتيرتها الخاصة. وقد أساء الجيش والإعلام وصانعو القرار في واشنطن تقدير مدى ترديها.

زيادة القوات التي اقترحها جنرال ديفيد بترايوس، الذي يشغل منصب قائد القوات الأميركية في أفغانستان حاليا، جاءت في وقت كان الكثير من العراقيين قد فاض بهم الكيل من أفعال ميليشياتهم المحلية، لدرجة أنهم كانوا على استعداد للمخاطرة بتعاونهم مع الأميركيين، من خلال تقديم المعلومات لهم. وهم لم يكونوا مستعدين لذلك، قبل ذلك بعامين.

لا يعني هذا أن الزيادة في عدد القوات وما صاحبها من تغييرات استراتيجية لم تكن مهمة. بل الأمر على العكس، كان هذا الرهان الخطير نقطة الانطلاق نحو تقليل العنف. ومن دونه، ربما كان العراقيون لا يزالون عالقين في العنف حتى الآن.

وبالنظر إليهما معا، تشير أرشيفات الحرب في كل من العراق وأفغانستان إلى أن كل حرب منهما لها كيمياؤها الخاصة. الآن يواجه جنرال بترايوس مجتمعا مختلفا. ولا يزال غير معروف ما إذا كان الباشتون سيقاومون طالبان، وما إذا كان الزعماء القبليون في أفغانستان أقوياء بما يكفي لقيادة المقاومة، أو ما إذا كانت طالبان والحكومة المركزية التي تفتقر إلى الأهلية بشدة ستتصالحان.

مع ملاحظة أن أفغانستان أفقر كثيرا وأقل مركزية وشعبها أقل تعليما، مقارنة بالعراق. كل واد فيها أمة بمفرده. وهذا كيان يشبه الثوب المرقع الذي يصعب تطبيق أي سياسة عامة عليه.

في العراق، توقع الأميركيون أن يستقبلوا كمحررين لكنهم وجدوا مشاعر الاستياء كمحتلين. وعندما لجأ العراقيون إلى الأميركيين في النهاية كان ذلك بسبب الإجهاد واليأس. وفي أفغانستان، تم الترحيب بالأميركيين في البداية. ولكن مع امتداد الحرب فقد الأفغان ثقتهم في قدرة أميركا على حمايتهم، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الثقة يمكن استعادتها أم لا. الدرس المستفاد من العراق هو أنه من دون تلك الثقة لا يمكن لأي استراتيجية، مهما كانت مطبقة بعناية، أن تنجح.

وإذا كانت أفغانستان مثل جروح صغيرة، فإن العراق كان جرحا غائرا. ففي أكثر شهور الحرب دموية، وبحسب تقارير الأرشيف، كان العراقيون يقتلون بمعدل 3 آلاف في الشهر، وهو ما يزيد عشر مرات على الحصيلة الحالية للضحايا من المدنيين في أفغانستان، التي لديها كثافة سكانية أكبر.

وتأتي التقارير بمنزلة كوابيس. في يناير 2005، تم إلقاء جثة قتيل من سيارة في منطقة المفرق في بعقوبة. وفي الشهر التالي، عثر على 47 عاملا في مصنع للقرميد، مقتولين شمال بغداد.

وعندما وجدت ست جثث في محطة للصرف الصحي، في بغداد، أفادت أنباء ان تلك كانت المرة الثالثة من نوعها، في غضون أسابيع. وأعقب ذلك اكتشافان مماثلان. كل الجثث كانت مصابة برصاصات في الرأس.

بحلول العام 2009، كانت محصلة القتلى من المدنيين قد تراجعت إلى أدنى معدلاتها المسجلة في الأرشيف. وكان عراقيون قالوا في مقابلات في صيف العام 2008، إنهم يشعرون بالرعب من عودة عمليات القتل التي شهدها عام 2006، وإنهم سيفعلون أي شيء لمنع تكرارها. وهذا ما أدى لتراجع العنف.

وثائق مهمة على الرغم مما تقوله «بنتاغون»

الوثائق الأخيرة التي سربها موقع «ويكيليكس» تقدم تفاصيل أكثر عن التصرفات الأميركية في حرب العراق، لكن هل تقدم هذه الوثائق أي شيء جديد لا نعرفه بالفعل؟ ستزمجر «بنتاغون» وتغضب مثلما فعلت لدى تسريب «ويكيليكس» وثائق حرب أفغانستان، عندما اتخذ الموقف المعاكس مقللة من شأن الوثائق، وزعمت أنها لا تكشف الكثير مما ليس معروفا بالفعل، رغم تعريض بعض مصادر الاستخبارات الأميركية للخطر.

لكن هذه التسريبات مهمة، لأنها تثبت الكثير مما كان مشكوكا فيه فقط، وليس مؤكدا، من قبل، ولم يعترف به الجيش الأميركي أو يشرح بالتفصيل. وكان من الواضح منذ العام 2004، أن القوات الأميركية تجاهلت بشكل متواصل عمليات تعذيب تمت في العراق، لكن الجديد هو أن الوثائق تثبت أن ذلك كان سياسة أميركية رسمية.

وسيهتم العراقيون، بصفة خاصة، بمعرفة حجم التورط الأميركي في فرق الموت منذ ذلك العام. منذ صيف 2004، سقط العراق في مستنقع حرب طائفية. وشن المتطرفون والقوات الحكومية هجمات وحشية متبادلة.

وتم اعتقال مسؤولين بارزين سابقين في نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، واختفوا لأيام عدة قبل أن تظهر جثثهم التي بدا عليها أثر التعذيب، على جوانب الطرق. وهمس قادة عراقيون بأن الأميركيين كانوا متورطين في تدريب ما تبين أنه كان في الحقيقة فرق موت في عباءة رسمية. وقيل إن الأساليب الأميركية استوحيت من طرق لمكافحة التمرد جربت أول مرة في السلفادور، بواسطة فرق حكومة دربت تدريبا أميركيا.

المعلومات التي سربت عن العراق، شأن ما سرب عن أفغانستان، يجب أن تستعرض بحذر. فالأميركيون كانوا يتلقون من عراقيين، قل شأنهم أو عظم، ما يفترضون أن الأميركيين يحبون أن يسمعوه.

بقلم ـ سابرينا تافرنيس - ترجمة ـ عصام بيومي