كل مرة يكشف فيها موقع «ويكيليكس» عن خفايا جديدة ومشينة عن حرب العراق أو أفغانستان، تظهر على واشنطن عوارض الصداع.
فالمسألة، في أقله، تتسبب لها بإحراج معيب ومزدوج: من ناحية هي تفضح السكوت عن تعديّات وتجاوزات فادحة، حصلت بحق المدنيين وعلى مرأى ومسمع من قواتها. ومن ناحية أخرى، تفضح اللفلفة المتعمدة لتلك الخروقات وطمرها في خانة المعلومات المحظور كشفها. الأمر الذي بدا معه «البنتاغون» وكأنه حاول حجب مسئولية يتحملها في هذا الخصوص. لاسيما وأن الممارسات أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين.
ثم أنه لم ينكر أو ينفي ما ينشره الموقع. اعتراضه كان فقط من زاوية أن النشر له جوانب مؤذية. بعد الدفعة الأخيرة من الوثائق التي نشرها «ويكيليكس»، عن حرب العراق؛ ارتفعت درجة الصداع. صارت العملية تهدّد بأكثر من إحراج. ردود الفعل لم تقتصر على الإدانات ورفع الحواجب وإبداء الاستهجان.
هذه المرة، صاحبتها المطالبات بفتح التحقيقات ومحاسبة المسئولين. والأصوات بهذا الصدد، ارتفعت من الداخل كما من جانب بعض الحلفاء الأوروبيين؛ وليس فقط من عواصم المنطقة.نفق لا تحتمل واشنطن الدخول فيه. خاصة في هذه اللحظة الحرجة من حرب أفغانستان.
ارتفاع الضغط
وزاد من الضغط أن وسائل الإعلام أفردت للموضوع مساحات وبرامج بارزة. ويزيده أكثر، أن الموقع يزمع نشر 15 ألف وثيقة جديدة عن حرب أفغانستان، «قريباً». الناطقة باسمه، وعدت بالمزيد من نفس البضاعة. يعني المزيد من وجع الرأس لإدارة أوباما.
صحيح أن ما حوته الوثائق حصل قبل وصولها. لكنها الآن هي المطالبة بعملية التنظيف. بل صارت طرفا في القضية. الموقع اتهمها، بأنها «تسير على طريق الرئيس نيكسون في لفلفة الفضائح».
كما هاجم المخابرات الغربية، عموماً، بزعم أنها «تلاحق» عناصره. تهمة خطيرة. ويزيد الطين بلّة، أن تسريب الوثائق يحصل في معظمه، من داخل المؤسسات الأميركية الرسمية. على يد مسئولين سابقين أو حاليين؛ وأن الكميات المسربة هائلة.
والأكثر هولاً كان الرقم الجديد للضحايا: 107 آلاف من المدنيين العراقيين، بالإضافة إلى 15 ألفا كان غير معلن عنهم. عدد، يطرح تساؤلات مشروعة، عما إذا كان في الأمر «جرائم حرب».
شبهة تقف وراء المطالبات الداعية للتحقيق في الملف. حتى نائب رئيس الوزراء البريطاني، ضمّ صوته للمطالبين بضرورة «النظر في هذه الإدعاءات»، نظراً «لطبيعتها غير الاعتيادية بخطورتها».
وعزّز من صدقيتها، أن نشرها تزامن مع صدور كتاب بعنوان «من غير تردد» للجنرال المتقاعد هيو شلتون، الذي سبق وكان رئيسا لهيئة الأركان، أيام الرئيس كلينتون ثم لفترة أيام الرئيس بوش والوزير رامسفيلد. في مذكراته، يصف الجنرال هذا الأخير، بأنه كان «الشيطان الشرير بزيّ وزير دفاع».
وقال إنه «كان يكذب ويختلق الوقائع والذرائع، مع الإصرار على الافتعال والتلفيق؛ إذ هو وفريقه في البنتاغون من المحافظين الجدد، مثل نائبه بول وولفويتز؛ كانوا في طليعة الذين دفعوا باتجاه غزو العراق».
شهادة الجنرال، ربما لم تأت بجديد. كرّرت المعروف. لكنها أكّدته وزادته صدقية؛ نظرا لموقع صاحبها ومعرفته القريبة لرامسفلد. توقيت هذه الشهادة، من خلال الكتاب كما من خلال المقابلات المرئية مع مؤلفه، صبّ في توسيع دائرة الإدانة للحرب على العراق؛ واستطراداً للفضائح والتجاوزات التي شهدتها.
الوثائق زادت من سواد الصورة المخزية لفظائع الحرب الجائرة على العراق. ضاعفت من درجة إدانتها ورفضها. الأهم أنها قد تؤدي، بضغوطها، إلى الانتقال من وقائعها إلى فتح باب المساءلة بخصوصها. خشية إدارة أوباما، بعد ما كشفه طوفان هذه الوثائق، أن لا يكون بمقدورها الوفاء بوعدها والانسحاب كليا مع نهاية العام المقبل.
وخشيتها ليست أقل، من الدخول بمعركة تبدو خاسرة مع كاشف خفايا «مؤذية» للبنتاغون؛ في الوقت الذي يخوض فيه هذا الأخير معركة عسكرية غير مضمونة ومحكومة بموعد محدّد؛ في أفغانستان. فالمسألة، كما يبدو، أبعد من إحراج وفضح أسرار ومحظورات.
واشنطن - فكتور شلهوب