كان اليوم عاديا في مجلس شيكاغو للتجارة، لكن المرء لا يكاد يتعرف على المكان من كثرة الصياح والتلويح بالأيدي، كما لو أنها نهاية العالم. في أحد الأركان تزدحم مجموعة كبيرة من المتعاملين يتصارعون فيما بينهم، مثل حشد من المشجعين الرياضيين.
في هذا المكان بالضبط، وفي صباح 19 فبراير 2009، بدأت «الثورة الأميركية الحديثة»، عندما رفع مخبر صحافي تلفزيوني قصير، متأنق، يدعى ريك سانتيلي، عقيرته على الهواء مباشرة على شبكة تلفزيون «سي إن بي سي» ليلقي خطبته العصماء الشهيرة.
حمل بشدة على إدارة أوباما، التي لم يكن لها في الحكم سوى أيام قليلة، لأنها «تروج سلوكا سيئا»، بشرائها رهونات عقارية سيئة، معتبرا أنها بذلك تكافئ «الخاسرين».
هلل المتعاملون والتجار من خلفه بشدة لكلامه، وأيدوه تأييدا هادرا، وما لبث شريط الفيديو الخاص بهذه «الخطبة» أن انتشر كالنار في الهشيم على موقع «يوتيوب» على الانترنت، وما حدث بعد ذلك صار تاريخا يعرفه الجميع.
ومن تحت عباءة ذلك الموقف خرجت المئات من جماعات الاحتجاج عبر الولايات المتحدة التي باتت تعرف الآن باسم «أحزاب الشاي»، بينما يجمعها أحيانا مسمى «حزب الشاي».
وبعد عشرين شهرا من خطبته تلك، نادرا ما يتحدث سانتيلي عما حدث، ولم يعد ناشطا في الحركة التي ساهم في إطلاقها. لكنه أبلغ صحيفة «غارديان» أخيرا إنه لم يكن أكثر فخرا بكونه أميركيا من اليوم الذي ألقى فيه تلك الخطبة. وأضاف :»لقد لمست عصبا حساسا شعر به الناس بقوة. وإذا كانت أحزاب الشاي قد نشأت، لأنني ألقيت عود ثقاب في صندوق بارود، فأنا فخور بأنني فعلت ذلك».
ولكن ما الذي يجعله فخورا بأحزاب الشاي تلك؟ هذه هي أجابته:»تحدي القادة طبيعة أميركية. الأمر الذي تتفرد به أميركا هو أننا لا نسير وراء السياسيين، ولكن السياسيين يسيرون وراءنا».
وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن أليكسي غيانولياس المرشح الديمقراطي لشغل المقعد الذي كان يشغله الرئيس أوباما في ولاية إلينوي، في السابق، يواجه الأمرين في منافسته أمام متحديه الجمهوري مارك كيرك.
وبفارق نقطتين فقط بين المرشحين، يسير التنافس على أشده في هذا الجزء من الولايات المتحدة المعروف بميوله اليسارية القوية وحيث تسيطر نقابات العمال.
واظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة «راسميوسن ريبورتس» أن أكثر من خمس المشاركين في الاستطلاع في ولاية إلينوي يعتبرون أنفسهم أعضاء في حركة «حزب الشاي». وأعرب نصف المشاركين عن اعتقادهم بأن الحركة تعمل في صالح الولايات المتحدة.
تأثير صعود أحزاب الشاي واضح، حتى في شيكاغو، حيث بدأ الأمر كله هناك، رغم كون هذه المدينة هي موطن الرئيس أوباما. وكان الإحساس بذلك أوضح ما يكون في وسط مدينة شيكاغو، أخيرا، عندما تجمع مناصرو الحزب للاحتفال، على طريقتهم، بالتغيير الذي يعتقدون أنهم يحدثونه في أميركا.
خلال التجمع الذي تغطيه عدسات شبكة «سي بي إس» قال منظم اللقاء ستيف ستيفليك مازحا إن على الحاضرين مراعاة الذوق العام، خلال وجود وسائل الإعلام ولكن عندما تذهب «يمكن للاجتماع الحقيقي أن يبدأ حيث يخرج الجميع ما لديهم من مشاعر الكراهية».
ورغم ذلك، فأحزاب الشاي تتعامل بحساسية مفرطة تجاه ما يقال عنها في وسائل الإعلام، حيث ترى أنها تصورها على أنها عنصرية متطرفة وأعضاؤها مختلون عقليا.
المقولة الرائجة لتبرير سياسة وأفكار حزب الشاي هي أن الجماهير سئمت من دفع الضرائب الباهظة، التي يفرضها الديمقراطيون، ومن الإنفاق الكبير الذي يمارسه الجمهوريون، على السواء، ولا يجدون أي فائدة نتيجة ذلك. ويقول بعض أعضاء حزب الشاي إن الضرائب تفوق التبديد، وتفوق السرقات، وهو ما لا يستطيع الناس حياله أي شيء.
ويضيف هؤلاء إن الشيوعية لا مكان لها في أميركا، وإنهم قادرون على إنفاق أموالهم بطريقة أفضل مما تفعل الحكومة. لكن هذه المقولات الغاضبة تعكس بدرجة أكبر مناخ تشاحن انتخابي لناخبين ساخطين على الأوضاع الاقتصادية.
النساء قادمات
إنه موسم تفريخ جراء الدببة الكبيرة في الولايات المتحدة. هذه الدببة في وضع الهجوم في جميع الأنحاء حيث تنقض على فرائسها فتقطعها إربا. وكذلك يبدو الحال في عالم السياسة الأميركية، تلك التجارة الدموية.
لقد دخل تعبير «الدببة الأمهات» إلى الساحة السياسية للمرة الأولى في العام 2008 على يد سارة بالين حاكم ألاسكا السابقة، والمرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس وإحدى أبرز رموز حزب الشاي حاليا، الذي أطلقته خلال حملتها الانتخابية على النساء المؤيدات لها للتعبير عن قوتهن.
ومنذ مايو الماضي لم تتوقف عن استخدامه لدرجة أنها تبدو كما لو كانت تريد إنشاء حزب مستقل تحت هذا المسمى. وتقول:»هنا في ألاسكا أفكر دائما بإناث الدببة التي تقف على أرجلها الخلفية لتدافع عن جرائها». وهي دعوة تهدف في مجملها إلى إشراك المزيد من النساء في السياسة، وخاصة من خلال حزب الشاي.
بقلم ـ إد بيلكنغتون
ترجمة ـ عصام بيومي
