عندما سمعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وهي تدلي بتصريحاتها، أخيراً، حول التعددية الثقافية معتبرة أنها فشلت فشلاً ذريعاً في ألمانيا، تساءلت في نفسي عمن تقصد بكلامها هذا، فأنا ألماني.
ولي أخت أبناؤها الثلاثة أصلهم من بيرو من جهة الأب، وألماني من جهة الأم، وكذلك أولاد أخي، فهم يابانيون من جهة الأم، وألمان من جهة الأب، أما شريكي في العمل فمن بريطانيا، فهل نحن جميعاً نمثل حالة الفشل التي تحدثت عنها ميركل؟
أظن أن أنغيلا ميركل لم تكن تعنينا، أو تعني البولنديين أو الإيطاليين أو اليونانيين الذين يعيشون في ألمانيا بكلامها، بل كانت تعني بكلامها الجالية الإسلامية الكبيرة في ألمانيا، التي تتكون من 4 ملايين مسلم، وفي هذه الحال، فإن أنغيلا ميركل تكون قد أساءت التعبير، والنتيجة هي غلطة لا تليق بسياسية اكتسبت سمعة تخير مواضع أقدامها في الأمور الدبلوماسية.
إذن ما الذي دفعها لقول ذلك؟ إن مسألة كيفية دمج المهاجرين المسلمين وباقي عناصر المجتمع الألماني ليست جديدة، ولا يزال يخوض فيها السياسيون والمعلقون منذ وصول أول موجة من العمال المهاجرين في الستينات إلى ألمانيا.
وبالنظر إلى أعداد هؤلاء فحسب، سترى أنه لم يكن هناك من داع لإثارة هذا الأمر مجدداً، في الوقت الحالي، فعدد المهاجرين الأتراك إلى ألمانيا في عام 2008 لم يزد عن عددهم في عام 1983، بحسب مجلة «دير شبيغل».
كما أن عدد طالبي اللجوء السياسي لا يشكل حالياً سوى نسبة السدس، مقارنة بما كانت عليه الحال في أواسط التسعينات، حتى أن الأتراك الذين تركوا ألمانيا وعادوا إلى تركيا أكثر من أولئك الذين هاجروا من تركيا إلى ألمانيا، وهذا، في الحقيقة، لا يبشر بخير للاقتصاد الألماني.
لأنه إذا صحت التحليلات والتنبؤات بأن عدد السكان في ألمانيا سينقص 6,11 مليوناً في عام 2050، فإن ألمانيا ستكون بحاجة ماسة لكل عامل مؤهل تضع يدها عليه.
قد تكون المباراة الأخيرة بين ألمانيا وتركيا، التي جرت أخيراً في برلين، هي ما أثار حفيظة المستشارة الألمانية، حيث فاق عدد المشجعين الأتراك أصحاب الأرض، كما أن هؤلاء المشجعين لم يتوقفوا عن إطلاق صيحات الاستهجان لمسعود أوزيل اللاعب الألماني من أصول تركية.
والذي فضل أن يلعب لمنتخب ألمانيا على اللعب لتركيا، ونجح في إسكات صرخات الاستهجان بتسجيله الهدف الثاني لألمانيا في تلك المباراة ضمن مباريات التصفيات المؤهلة لبطولة أمم أوروبا2012 .
ولم يخف وزير الداخلية الألماني جوتشيم هيرمان مخاوفه قائلاً: «إن تلك الأحداث هي ما نقصده بالقصور بالاندماج في المجتمع، وليس من الخطأ السعي لحلها». لكن حتى لو لم يتم هذا فإن الحسنات تطغى على السيئات.
عملت والدتي في السنوات العشر الماضية متطوعة في تدريس اللغة الألمانية لطلاب المدارس الذين يعانون من مشكلات في القراءة، وذلك في مدينة هامبورغ، وكان جل الطلاب الذين يأتون إليها من الأتراك، أما في الوقت الحالي فهي تقول إنها تعاني من المشكلة نفسها مع الطلاب الألمان، الذين لا يستطيعون قراءة غوته.
يميل السياسيون للتلفظ بألفاظ غبية عند تعرضهم للضغط، لكن في حالة ميركل فإن الضغط الذي تعاني منه هو من داخل حزبها نفسه، وليس من المجتمع الألماني ككل، فمنذ أن أصدر «ثايلو سارازين»، المسؤول التنفيذي السابق في البنك الاتحادي الألماني، كتابه المثير للجدل «ألمانيا تحفر قبرها بيديها» في أغسطس الماضي.
وندد فيه بمحاولات دمج المسلمين في المجتمع الألماني، شعر الجناح اليميني في الحزب الديمقراطي المسيحي بالخطر يحيط به أيضاً، أما هورست سيهوفر حاكم ولاية بافاريا فإنه مع اقتناعه بفشل التعددية الثقافية في ألمانيا.
أعلن عن إطلاق برنامج اندماج يساعد الثقافة المسيحية اليهودية على أن تكون هي السائدة في ألمانيا، وربما يسعى كل من سيهوفر وميركل بذلك لمحاولة غلق الفجوة السياسية التي يمكن أن ينفذ منها الخصوم بأجندة معادية للإسلام.
أسلوب ميركل الدبلوماسي جعل منها مستشارة محبوبة ذات جماهيرية بشكل استثنائي، إذ يشير استطلاع أجرته مجلة «دير شبيغل» إلى أن 59% من الناس يؤيدون بقاء ميركل في منصبها مستشارة لألمانيا، لهذا فإن عليها أن تحرص على ألا تؤدي دعوات حزبها إلى اتباع سياسات ميالة للتطرف من شأنها القضاء على إرثها السياسي السابق.
نماذج للنجاح
مرت على ألمانيا فترة كان من الصعب أن تجد فيها نماذج ناجحة لاندماج الأتراك في المجتمع الألماني، لكن هذا الزمن قد ولى إلى غير رجعة، والأمثلة المتوفرة حالياً حول قصص الاندماج لا تعد ولا تحصى، خذ مثلاً فاتح أكين، الذي يعد واحداً من عمالقة الإخراج السينمائي في ألمانيا وأحد منقذي تلك الصناعة.
وكذلك «سيم أوزديمير»، زعيم حزب الخضر، الذي صار يشكل صداعاً مزمناً لميركل، بعد أن حصل حزبه على الأغلبية، للمرة الأولى في مدينة كبيرة مثل مدينة شتوتغارت.
بقلم: فيليب أولترمان
