رفعت تصريحات المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الأخيرة، التي دارت حول أن التعددية الثقافية في ألمانيا فشلت، من سخونة الموقف الملتهب أساساً بسبب النقاشات الدائرة حول مسألة الهجرة، وانقسم المعلقون على تلك التصريحات بين من يرون أنها تعكس تصوراً عاماً داخل ألمانيا، وبين من قالوا إنها مجرد محاولة رخيصة لتسجيل مواقف سياسية وكسب نقاط.

وكانت ميركل قد قالت في تصريحاتها الأخيرة إن التعددية الثقافية في ألمانيا ما هي إلا وهم، ومن الخطأ الظن أن بإمكان الألمان العيش جنباً إلى جنب مع العمال الوافدين بسعادة، وقالت ميركل مخاطبة أعضاء المجموعة الشبابية التابعة للحزب الديمقراطي المسيحي، الذي تنتمي إليه.

إن الألمان ظنوا لوهلة أن هؤلاء العمال، الذين حضروا إلى ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وساهموا بشكل كبير في نهضتها الاقتصادية، لن يبقوا، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، وأضافت: «طبعاً كان التوجه العام يقضي بمحاولة تبني مناخ من التعددية والتعايش معهم بسلام وسعادة، لكن هذا المفهوم فشل فشلاً ذريعاً» .

وأذكت تلك التصريحات نار المناقشات الدائرة حالياً حول مسألة الهجرة، ولاقت من يؤيدها من جانب العديد من السياسيين، ممن يرون أن العديد من المهاجرين، بمن فيهم ما يقرب من 4 ملايين مسلم ويشكلون 18 % من السكان، فشلوا في الاندماج في المجتمع الألماني، وألقى الكاتب «ثايلو سارازين»، في كتابه الصادر في أغسطس الماضي والمثير للجدل، باللوم على الهجرة معتبراً إياها كارثة على المجتمع الألماني.

حاولت ميركل، في الوقت نفسه، أن لا تعادي بتصريحاتها تلك الأعضاء الأكثر ليبرالية في حزبها، فأبدت تأييدها لخطاب الرئيس الألماني الأخير، الذي شدد فيه على أن الإسلام «جزء من ألمانيا»، ومن الناحية المقابلة، فقد أشار العديد من منتقديها إلى أن النبرة التشددية التي تحدثت بها ميركل عن الهجرة كانت تهدف إلى استرداد التأييد الشعبي لها، بعد أن تدنى في الآونة الأخيرة.

خاصة أن العديد من استطلاعات الرأي في ألمانيا كشفت قلقاً شعبياً من مسألة الهجرة، وكشفت دراسة أجراها التلفزيون الألماني الحكومي أن 8% فقط من الألمان يرون أن المهاجرين تأقلموا بشكل جيد في ألمانيا.

كما يتصدر كتاب سارازين قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا على الرغم من ردة فعل السياسيين على ما أورده مؤلف الكتاب، والتي أفقدته منصبه المهم في البنك الألماني الاتحادي.

وتزامنت تصريحات ميركل مع تصريحات حاكم ولاية بافاريا هورست سيهوفر الذي قال إن «التعددية الثقافية قد ماتت»، مشيراً إلى التزام الحزب المسيحي الاجتماعي بتأييد هيمنة الثقافة الألمانية داخل ألمانيا فوق كل الثقافات الأخرى، موضحاً أنه ما لم تسارع ألمانيا لحل مشكلة الهجرة، فإنها ستتحول إلى «مكتب خيري عالمي» .

من الناحية الأخرى، فقد أكد سياسيون، بمن فيهم منتمون إلى اليمين، على حاجة ألمانيا لاستقطاب المهاجرين من ذوي الكفاءات، ممن يحتاجهم سوق العمل، وأشار جورغين تريتين، أحد أعضاء المعارضة في حزب الخضر المعارض، إلى أن تصريحات سيهوفر قد تؤدي إلى تشجيع الرأي العام على تبني آراء متطرفة، مثل تلك التي يتبناها المتشددون في جناح اليمين.

أما صحيفة «داي فيلت» اليمينية فقد كتبت تقول: «ليس لدينا أي اعتراض على المهاجرين الذين يعيشون ويعملون بيننا، لكننا لا نتفق مع المهاجرين الذين يأتون من بلادهم حاملين معهم نظامهم القضائي، ويريدون فرضه علينا، الهجرة تعني أن تتقبل عادات ونظم البلد الذي اخترته، واحترام تلك العادات، لهذا فمن يعيش بين ظهرانينا عليه أن يتقبل بفكرة أن القتل باسم الشرف يعتبر جريمة، ومن لا يريد ذلك فعليه أن يبقى بعيداً عن ألمانيا».

وكتبت صحيفة «فرانكفورتر ألغمانيه زايتونغ»، المنتمية ليمين الوسط، تقول: « ينبغي أن لا تدفع الضغوطات حول مسألة الهجرة المهاجرين للتخلي عن جذورهم، كما ينبغي على المجتمع الألماني أن يسعى، قدر ما أوتي، لجعل من اختاروا ألمانيا لتكون وطناً لهم يشعرون بأنهم موضع ترحيب بغض النظر عن الأصول التي جاءوا منها».

المستشارة الأولى

تتولى أنغيلا ميركل منصب المستشار في ألمانيا منذ نوفمبر 2005، وهي أحد أبرز الوجوه السياسية في ألمانيا، واعتبرت مجلة «فوربس» ميركل أقوى امرأة في العالم لعام 2008، وذلك للسنة الثالثة على التوالي.

ولدت ميركل في مدينة هامبورغ شمالي ألمانيا، وكانت متفوقة في دراستها، حيث درست الفيزياء في جامعة لايبزغ، وخلال فترة الدراسة تعرفت على زوجها الأول «أولريش ميركل»، ورغم أنها انفصلت عنه بعد فترة قليلة لكنها ظلت تحمل اسمه العائلي.

انضمت لحزب نهضة الديمقراطية عام 1989، وأصبحت متحدثة باسم الحكومة المنتخبة، ثم انضمت بعد الوحدة الألمانية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأصبحت وزيرة لشؤون المرأة والشباب في حكومة «هلموت كول».

وبعد انتخابات 2005، جرت مفاوضات شاقة مع الحزب الرئيسي الآخر بزعامة «غيرهارد شرودر»، وتم الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تقودها ميركل، لتصبح بذلك أول مستشارة لألمانيا.

ترجمة: يوسف جباعته