قوبل انتخاب سياسي ديمقراطي مختلط الأنساب، هو باراك أوباما، لمنصب الرئاسة الأميركية، والذي تعهد بأن يشفي جروح أميركا الداخلية، وينقذ سمعتها في الخارج، قوبل بالنشوة والفرح العارمين، اللذين لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً لهما منذ أيام كيندي، فهذا الانتصار كان يعني، ضمن ما يعني، انتهاء عمليات الجمهوريين الوحشية، ورداً لاستمرارية سلسلة الرؤساء، الذين كانوا يتقبلون الحوار مع الطرف الآخر، بعد أن قطع وتيرتها جورج بوش وديك تشيني.
لكن سرعان ما تكشفت السياسة الأنانية الساذجة للرئيس الجديد، إذ لم يحدث هناك أي تغيير جوهري في السياسة الخارجية الأميركية، ولا يكاد أي مراقب يلحظ أي فرق بين نظامي جورج بوش وأوباما، وبقيت الأهداف والأطروحات السياسية وتيارات العمليات العسكرية دون أي تغيير يذكر.
أما توجهات أوباما تجاه إسرائيل فقد كانت واضحة، حتى قبل أن يتسلم الرئاسة، ففي ديسمبر عام 2008شنت القوات الإسرائيلية هجوماً شاملاً على قطاع غزة، وأعملت في سكانه تقتيلاً وذبحاً لمدة 22 يوما، ولم ينبس الرئيس الأميركي المنتخب خلالها ببنت شفة لانتقاد ذلك أو شجبه، وبتدبير مسبق أوقفت تل أبيب عملياتها الإجرامية في غزة قبل ساعات من حفل تنصيب الرئيس الجديد، وذلك حتى لا تفسد فرحة الاحتفال ومراسيمه.
وسارع أوباما، كأي رئيس أميركي سبقه، إلى الدعوة إلى السلام بين الشعبين المعذبين في الأرض المقدسة، ودعوة الفلسطينيين إلى الاعتراف بإسرائيل، ودعوة إسرائيل إلى التوقف عن بناء المستوطنات في المناطق التي احتلتها عام 1967، لكن هذا لم يلق آذاناً إسرائيلية صاغية، فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسعت بناء المستوطنات في القدس الشرقية، بعد أقل من أسبوع من خطاب أوباما في القاهرة، الذي دعا فيه تل أبيب لتجميد الاستيطان.
في عام 2002، وبينما كان أوباما عضواً مغموراً في الكونغرس يصعد أولى درجات السلم السياسي، عارض الحرب على العراق، لكنه فعل ذلك لأن ذلك لم يكن يكلفه أي ثمن سياسي حينها، أما بعد تسلمه الرئاسة فلم يتردد في استبقاء روبرت غيتس وزيراً للدفاع، وهي إشارة واضحة ودالة على أن أوباما لا يسعى لإجراء أي تغييرات سياسية أو عسكرية.
إذن لا يعدو أوباما كونه موظفاً في خدمة الإمبراطورية الأميركية من فلسطين إلى العراق إلى غيرها، فالأهداف هي نفسها التي اتبعها أسلافه من الرؤساء، وحتى الوسائل لم تتغير، وما تغير شيء سوى أنه غلف تلك الوسائل ب«سلوفان» الكلام البليغ واللسان المعسول، أما في أفغانستان فقد تفوق الطالب على مدربيه، وتفوق أوباما على أسلافه بتوسعته رقعة جبهة العمليات العسكرية، وتصعيد العنف على كل المستويات.
صحيح أن الحرب في أفغانستان كانت قد نشبت قبل توليه الرئاسة بسبع سنوات، لكنه لم يسع لوقف القتال هناك، بل إنه تفوق على بوش فيما يسمونه «الحرب العادلة»، وأرسل المزيد من القوات إلى هناك، لدحر المقاومة الأفغانية، وشن جيشه غارات جوية على باكستان المجاورة، لتدمير أي دعم لتلك المقاومة من الممكن أن يتسرب عبر الحدود.
وقد جاءت صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً على ذكر ما أسمته «إحصائية لم يعلن عنها البيت الأبيض» حيث أبلغت قراءها أنه «منذ تولي أوباما الرئاسة، فقد شنت القوات الأميركية غارات جوية على باكستان أكثر مما فعله بوش، في السنوات الثماني له في البيت الأبيض».
رغم كل هذا، سيكون من الخطأ القول إنه لم يتغير شيء في عهد أوباما، فلا توجد إدارة أميركية تشبه الأخرى بالضبط، ولا شك أن كل رئيس أميركي يترك أثراً خاصاً به. صحيح أنه لم يتغير سوى القليل جداً من الأطماع الإمبراطورية الأميركية، لكن من الناحية الدعائية فهناك تطور كبير، فعلى امتداد العالم من القاهرة وحتى أوسلو مروراً بوست بوينت ألقيت خطبة إثر الأخرى لوصف مهمة أميركا المتألقة في العالم مصحوبة بإحساس ضئيل بالمسؤولية عن المضي بها قدماً.
باراك أوباما يراوح مكانه في سياسته الخارجية
لا تزال السياسة الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما تراوح حتى الآن مكانها، دون تحقيق تقدم فعلي سوى ضرب المواعيد وتقديم الوعود، ويمكن القول إن أكبر إنجازات أوباما ليست نتائج وإنما وسائل محتملة لتحقيق تلك النتائج في المستقبل، فإدارته، مثلاً، لم تحقق سلاماً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنها أجلست الطرفين على طاولة المفاوضات، ولم تسحب القوات الأميركية من أفغانستان، لكنها وضعت استراتيجية على الأرض، قد تجعل هذا الانسحاب ممكناً.
لقد فعلت إدارة أوباما هذا كله بجهود دبلوماسية مضنية، واعتماداً على مشاورات مكثفة داخلية وخارجية، مع تطبيقها في الكثير من الأحيان لمبدأ التجربة والخطأ، لهذا فقد نجحت في تحديد عدد كبير من المواعيد النهائية.
ومن تلك المواعيد ما حددته الإدارة الأميركية لقياس جاهزية القوات الأميركية على تسليم مقاليد الملف الأمني الداخلي للسلطات الأفغانية، وذلك بحلول يوليو 2011، عندما ستبدأ القوات الأميركية بالانسحاب من هناك حسب ما هو مقرر، ومن المواعيد النهائية الأخرى التي ضربها الرئيس الأميركي سبتمبر المقبل، وفيه يأمل أن يرى إطار عمل مشترك بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما تعهد أوباما بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق بحلول نهاية العام المقبل، فهل سيكون العراق قادراً في ذلك الوقت على حماية نفسه؟ لا أحد يمكنه الجزم بذلك، لكن الموعد تم ضربه على أي حال. طبيعة سياسة أوباما الخارجية لن تشفع له كثيراً في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وسبب ذلك هي أن تلك السياسات لم تكن حاسمة، لهذا لا يمكن الجزم بأنها فشلت أو أنها حققت نتائج ملموسة على أرض الواقع.
بقلم ـ طارق علي ترجمة ـ يوسف جباعتة - بقلم ـ جاكسون دايل