واجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المظاهرات العارمة التي عمت الشوارع الفرنسية، أخيراً، احتجاجاً على قانون التقاعد الجديد بالاختباء والاكتفاء بالانتظار عسى أن تخمد موجة التظاهرات وما تعقبها من نتائج سياسية.
خرج ملايين الفرنسيين إلى الشوارع للاحتجاج على تعديلات قانون التقاعد الرامية لجعل السن التقاعدية 62 عاماً بدلاً من 60 عاماً، ونتيجة لهذه التصعيدات فقد سارع ساركوزي للاختباء في مقره الرسمي في قصر الأليزيه، لكن الأمور خارج القصر بدت بالغة السوء، فالإضرابات شملت عمال القطارات وموظفي السيطرة الجوية وعمال البريد والموانئ.
السفن المحملة بالبضائع راسية على الأرصفة بلا حراك، ومصافي النفط توقفت عن العمل ومحطات البترول بدأت تنضب، ومع كل هذا فإن ساركوزي مضى ينتظر، على أمل أن يتغلب عامل الوقت على حماسة المضربين، كما نصحه مستشاروه.
تقوم خطة ساركوزي، على ما يبدو، على التالي: مع مرور الوقت، سوف يخف الغضب والاحتقان الشعبي، حتى لو استمر المتظاهرون في تظاهراتهم في باريس ومرسيليا وتولوز وبوردو، وفي لحظة معينة سيتحول الغضب الشعبي إلى المتظاهرين أنفسهم.
لأن غضبهم نتيجة تعطل أعمالهم ومصالحهم سيفوق غضبهم تجاه الحكومة، وفي الوقت نفسه سيتمكن ساركوزي بفضل تمتعه بالأغلبية في البرلمان من فرض قانون التقاعد الجديد، وفي وقت قياسي، وبعدها سيحتفل بإنجازه التاريخي الكبير. هذه هي النظرية على الأقل.
إنها معادلة بسيطة، من الناحية الاستراتيجية، نظراً لأن ساركوزي له اليد الطولى في الوقت الحالي، ولا تزال المعارضة منقسمة حول نفسها، في ما يتعلق برد الفعل المناسب تجاه الإصلاحات التقاعدية الجديدة، أما النقابات العمالية فليست أفضل حالاً، كما أن 5% فقط من إجمالي العمال ينتمون إلى تلك النقابات، وهذا رقم لا يعتد به.
لا يزال هناك وقت طويل قبل أن تحل الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2012، وحتى ذلك الحين فإن الرئيس ساركوزي قد يكون نجح في كسب المصداقية لتقديم نفسه كرئيس يتحلى بالمسؤولية، استطاع أن يفرض إصلاحاً مراً، لكنه يصب في الصالح العام، وهذا على الأقل ما يريده ساركوزي، أي أنه يتمنى أن يقول الفرنسيون بعد تمرير تلك الإصلاحات: «لا داعي لأن نقلق بعد اليوم على تقاعدنا».
إذا مضت الأمور على ما يرام، فبإمكانه إعلان التغييرات الوزارية التي كان من المفروض أن يتم تنفيذها في سبتمبر الماضي، كما وعد، وهذا يعني أن ساركوزي سيخوض الانتخابات المقبلة بفريق متجدد أقل عدداً وأكثر نشاطاً يطمح للمستقبل، وسوف ينسى الناس حينها المظاهرات وفضيحة التمويل الحزبي، التي تضم وريثة «لوريال» المليارديرة، ونتائج استطلاعات الرأي السيئة بحقه.
لكن من المحتمل أيضاً أن تفشل خطة ساركوزي، فهناك ما يشير إلى أنه قد فقد حسه السياسي، ألم يلجأ إلى إثارة غضب الناس على الأقليات باستخدام شعارات يمينية وبطريقة ساذجة؟ حتى إن مؤيديه بدؤوا يشكون بعبقريته السياسية كرئيس وبمستشاريه.
وتجري أمور الإضرابات بعكس ما كان يخطط ويتوقع قصر الأليزيه، فحدتها لم تخف خلال فصل الصيف بكامله، ولم تنقض بانقضاء العطلة الصيفية، كما كان متوقعاً، فما أن انتهت الإضرابات التي جرت في يونيو الماضي، وشارك فيها 5 .2 مليون من الفرنسيين.
حتى بدأت إضرابات أخرى في بداية شهر سبتمبر الماضي، أي بعد انقضاء العطلة الصيفية وشارك فيها 7 .2 مليون شخص، ووصل العدد قبل فترة وجيزة إلى 3 ملايين شخص، ومن المتوقع للإضرابات الحالية أن تكون أوسع نطاقاً، حيث إن تقديرات النقابات تشير إلى مشاركة 5 .3 ملايين شخص في تلك الإضرابات.
أما ما توقعه مستشارو ساركوزي فلم يحصل، حيث إن المزيد من الناس يدعمون تلك الإضرابات الرافضة للإصلاحات التقاعدية الجديدة، على الرغم من تعطل المواصلات الجوية والأرضية وازدحامات المترو والباصات والترام، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 71% من الفرنسيين يؤيدون استمرار الإضرابات الحالية، ويؤيد 61% الإضرابات المفتوحة.
أصل الحكاية
إنصافاً للحقيقة فإن العديد من الناس يقرون أن الإصلاحات التقاعدية ضرورية من أجل تمويل النظام التقاعدي، لكن يسود هناك إحساس عام في أوساط الناس بأن الأمور تنحو منحى لا يتسم بالعدل من الناحية الاجتماعية، فعلى سبيل المثال، فإن الفئة المطلوب منها أن تقدم أكبر تضحية، هي تلك الفئة من الناس الذين انضموا حديثاً للقوة العاملة.
أضف إلى هذا أن طلاب المدارس والجامعات الآن ينضمون لتلك الإضرابات، وفكرة أن ينضم أولئك الذين سيصبحون موظفين قريباً جنباً إلى جنب مع الذين اقتربوا من السن التقاعدية فكرة حرجة وتشكل خطراً كبيراً على ساركوزي، وهذا ما حدث عام 2006، حينما أثار مقترح قرار بشأن تعاقد الشباب صغار السن حفيظة طلاب المدارس والجامعات والمتدربين، واضطرت الحكومة لإلغاء القرار آنذاك.
ترجمة: يوسف جباعتهو
بقلم: ستيفان سايمونز
